شاركنا على صفحاتنا الاجتماعية

(لا شك في أن البيت الذي يفتقد إلى الثقة بين الآباء والأمهات من جهة والأولاد من جهة أخرى، وبين الجميع بعضهم نحو بعض، يكون بيتاً عاجزاً عن إنشاء جيل صالح. والبيت الذي يعمه القلق والاضطراب ويفتقر فيه أفراد الأسرة إلى الأمان والطمأنينة والراحة.. هذا البيت يدفع أفراده إلى التشرد والضياع والبحث عن الراحة والسعادة في خارجه).ويفتقر فيه أفراد الأسرة إلى الأمان والطمأنينة والراحة.. هذا البيت يدفع أفراده إلى التشرد والضياع والبحث عن الراحة والسعادة في خارجه).

 أحاديث في الاعلام

جابوا العيد .. جابوه

محمد عبده يماني

في زاوية من حارة الشامية ، وعلى مقربة من مركز العمدة كان هناك منزل الشيخ صديق ابو الليل ، وكان من الرجال الذين اشتهروا بالمروءات والفزعات ، وقد افاء الله عليه بالكثير من النعم جعلته يحتل مكانة بارزة بين رجالات الحارة ، وهو من جلساء مركاز العمدة ، ومن الرجال الذين يهتمون بأعمالهم ، ولكنه يعطي جزء كبير من وقته للإهتمام بقضايا الناس  وخصوصا الولايا والضعفاء والأيتام في  الحارة .

مر الشيخ " صديق " بمركاز العمدة مسلما وانعطف الى الزقاق ودخل البيت كعادته يسبح ويذكر الله ويردد كلمات الحمد والشكر ، واستقبلته زوجته السيدة " نور" عند اعلى الدرج مرحبة وفرحة وهي ترتدي الكرتة ، وعلى رأسها المحرمة ، ومدت يدها لتأخذ يده لتقبلها كعادة مثيلاتها من النساء في الحارة ، فقد كان الرجل محل احترام وتقدير وتعلمن من امهاتهن الطاعة والاحترام والحب المتبادل ، وانحنى هو يقبل وجنتها ويدعو لها .

وهناك في طرف الصفة في البيت جلست امها السيدة " سعاد " وكانوا ينادونها " أم الليل " فقد كانت تحب السهر وتظل بجوارها الراديو الى وقت متأخر من الليل والإتريك يضيء الغرفة ، فاذا نام الجميع اشعلت الفانوس لأن نوره اهدأ ، فسلم عليها وقبل رأسها وجلست الى نصبة الشاي والى يمينها السموار ، وبنت المنجل والبراد والفناجين ، وكان الجميع يتجاذبون اطراف الحديث عن ما يجري في الحارة كعادتهم في جمع الأخبار .

    هكذا كان العم صديق يعيش مع زوجته في هذه الأجواء الأسرية الرائعة ، ولم ينغص حياتهم شيء ابدا على الرغم من انهم عاشوا سنوات عمرهم الماضية ولم يرزقوا خلال حياتهم الزوجية بأي طفل ولكنهما كانا راضيان بقضاء الله ، وكلما مرت بهم سيرة الأطفال كانا يتعاونان على تعميق الشعور بأنهما راضيان بفضل الله ممتثلين لأمره راضين بقضائه .

لكن السيدة " نور" زوجته كانت تتوق بين وقت وآخر الى احتضان بعض الأيتام وتربيتهم ، ولم تجد تجاوبا كبيرا من الأهل الذين كانوا يخشون من خطورة تربية اليتيم وما قد يقع عليه من قسوة او ظلم ، واتفقا على نسيان الموضوع بالرغم من انه يتطرق بينهما دائما .

    مضت الأيام على هذا النحو ، وفي الليالي الأخيرة من شهر رمضان دخل العم " صديق " الى المنزل ، وفوجئت زوجته بأن معه ثلاثة اطفال صغار ، وكانوا في منتهى البراءة واللطف ، واقبلوا عليها في غير خوف ، واخذت تحتضنهم ، وبدأت تعرضهم على والدتها وعلى اختها وعلى بقية من في البيت ، ثم التفتت الى زوجها :
ـ يا صديق دول اولاد مين ؟
ـ هادول اولاد اعزاء على نفسي يا نور وكنت جالس في المركاز عند العمدة وجبتهم معاي هنا نفرحهم ونكسب ثوابهم .
ـ طيب اولاد مين هادول ؟
وصمت ولم يجب وكررت
ـ امهم مين وأبوهم مين يا صديق؟
وقال في تلعثم :
ـ أمهم ماتت الله يرحمها
ـ لا حول ولا قوة الا بالله ياعيني عليهم هؤلاء الضعفاء ومين رباهم بعد كده .
ـ اهل الخير يا نور والحمد لله كبروا الآن زي ما انت شايفه
ووضعت الوالدة براد الشاي جانبا وارتفع صوتها تنادي ابنتها :
ـ يانور هادول الأولاد سبحان الله شكلهم حلو ووجههم صبوح لكن سبحان الله يشبهوا بعض يا صديق وكأنهم توأم .
ـ ايوه يا خالة هم فعلا توأم ، وزي مانقول في مكة يخلق من الشبه اربعين
ويأخذ مكانه ويبدأ في تناول الشاي ، وتقرب له نور  المنفوش ، وتعود الوالدة الى  الحديث :
ـ يابنتي هادول الأولاد سبحان الله يشبهوا صديق جوزك لا  اله الا الله الخالق !
ويحاول صديق ابعاد الحوار قليلا ، ويسأل :
ـ ايش اخبار بيت العمدة ، انا والله فرحت لهم لأن ولدهم كمل القرآن ، يبغالنا نحن نسوي له حفلة ، هادول احبابنا وهذا كتاب الله واللي يحفظه يستحق كل تكريم .
وتعود الوالدة الى الحديث :
ـ لكن ما قلت لي يا صديق ، صحيح الأولاد يشبهوك ، وايش حكاية هذا الشبه .
ـ يا ستي قلت لك يخلق من الشبه اربعين وخلينا نشرب الشاي ونروق ، وفضينا من السيرة ، وخصوصا واحنا في آخر رمضان ، وما ندري يكملوا الشهر والا يجيبوه ناقص .
ـ يجيبوه ناقص على أيه
وتتدخل نور :
ـ احنا ولفنا على كده ، ساعه يجيبوه ثلاثين ومره تسعة وعشرين ومره صومونا ثمانية وعشرين
ـ ياستي هذا مو ذنبهم ، هذا ذنب الناس اللي يروحوا ويشهدوا انهم شافوا الهلال ، وبعض الأحيان بلكن شافوا سحابة ويكون الانسان اللي شاف الهلال نظره على قده ، وتخيل له انه الهلال .
ـ والله صحيح كلامك يا صديق ، انا في حياتي مع ابوك يانور كام مرة شفنا اختلاف على دخول شهر شوال ، ويوم صومونا في وسط النهار.
وتتدخل "عزيزة" في الحديث وهي اخت نور وكانت متزوجة ثم توفى زوجها وعاشت مع امها واختها في منزل الشيخ صديق .
ـ الحمد لله الآن ما فيه شيء اسمه تسعة وعشرين وثلاثين صاروا الآن يدققوا اكثر ، وفيه اشاعات انه رايحين يستخدموا الحساب زي مصر والمغرب .
ـ لا .. لا بره وبعيد نحن جماعة ما نؤمن الا برؤية الهلال زي ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ـ اقولك يا نور لو سمحتي جيبي لي الجبة والعمامة ابغى اخرج على شان اصلي المغرب .
ويمسك بعصاه ويتوجه الى الباب ويترك الأطفال معهم ، وعندما يعود يجد ان الموضوع قد اتسع ، ونور تتحاور مع أمها التي تقنعها :
ـ هؤلاء الأطفال يشبهوا صديق ، ولابد فيه سر واسألي يا بنتي عن الأمر.
ويأخذ صديق مكانه في انتظار ان يتناول طعام الإفطار بعد ان  اكتفى بالتمرات وهو يتوجه الى  المسجد للصلاة ، وتنظر اليه نور نظرات ثاقبة ، ثم تدعوه لتتحدث معه في الداخل :
ـ يا صديق ترى انا في نفسي شك من هذا الموضوع وكلام أمي صحيح ان الأولاد فيهم شبه منك .
ـ يا شيخه امك الله يحفظها دائما ترمي كلام كثير ولا تشغلي بالك بهذا الموضوع .
ـ لا .. لا يا صديق ارجوك بالعشرة التي بيننا تقول لي الحقيقة كاملة .
ـ ايش الحقيقة اللي تبغيني اقولها
ـ انت عارف انا ابغى ايه يا صديق ، لكن اسألك بالله تقول لي الحقيقة .
ويرخي صديق رأسه ثم ينظر اليها ويقول :
ـ لو سمحتي اقفلي الباب حتى ما يسمعنا احد .. شوفي يا نور اهل مكة يقولوا ربك وصاحبك ومرتك لا تكذب عليهم .
ـ لا يا صديق المثل مو كده المثل يقول : ربك وصاحبك لا تكذب عليهم وانت اضفت مرتك وكأنه فيه شيء في ذهنك تبغى تقوله وتقدم له ، قول لي الحكاية بصدق .
ـ يا نور ما اكذب عليك انا ان شاء الله صادق في كل كلمة اقولها ، هادول الأولاد لهم قصة عجيبة وغريبة زي مايقولوا الناس ، قبل اربع سنوات كنا في المركاز عند العمدة ، وبعدين دخلنا ولعبنا بلوت مع بعض انا والزملاء ، وجاني الشيخ جميل هليكة وروى لي قصة زميل من زملائنا تعرفيه " عبد الله شربة "
ـ عبد الله شربة ؟
ايوه .. عبد الله شربه صاحب محل الشربة اللي تعرفيه في الشبيكة وروى لي قصته انه في كرب عظيم لأن اخته تخاصمت مع زوجها وطلقها بالثلاث وحرّمها وراحوا للشيخ وحاولوا الإصلاح بينهم هي رغبانه فيه وهو رغبان فيها ولكن في ساعة شيطان اصبحت تحرم عليه .
ـ ياخويا انت قاعد تروي لي قصة الف ليلة وليلة ، وانا اسألك عن هادول الأطفال وايش قصتهم
ـ اصبري يانور وخليني اكمل كلامي
ـ كمل ياخويا حتى نشوف الله يجيب  العواقب سليمة
ـ لما كلمني العمدة والشيخ الهليكة وذكروا لي انهم يبغوني اتوسط في الموضوع لأنهم يعرفون اني ما اجيب بزورة وترجوني ان اتزوج هذه الحرمة لليلة واطلقها وتعود لزوجها بعد العدة ، فأكون جمعت شمل العيلة بدون ما يكلفني الأمر شيء .، وتحاورنا في الموضوع وتأخر النقاش الى ساعة متأخرة في الليل ، وفي اليوم الثاني عدنا الى نفس الموضوع وأخيرا اقنعوني بأن اتزوج اخت عبد الله شربه " فوزيه " لليلة واحدة بنية اني احللها له .
ـ لكن هذا حرام يا صديق الناس دول عقلهم كان فين ؟
ـ اصبري يانور خليني اكمل لك الحكاية  انا بصراحة ضعفت يا نور وقلت خليني اجبر خاطرهم وخفت من زعلك ، وفعلا بعد اسبوع طلقتها وانتهت الحكاية، ولا من سمع ولا من دري ، ولكن قبل ما تنتهي عدتها كلمني العمدة وقال ترى فيه موضوع خاص بدي اقولك عليه يا صديق ، البنت فوزية اللي تزوجت عليها حملت منك ، وما يمكن تتطلق الا بعد ما توضع ولدها او بنتها ، فأرجوك كمل الموضوع ، ووقعت في موقف حرج ، وفي الوقت نفسه سبحان الله كيف اراد الله ان يرزقني بهذا الطفل في مثل هذه الظروف الحرجة ، وما كنت شايل هم احد قد همك .
ـ وبعدن يا خويا وبعدين ؟
ـ بعدين طلقت الحرمة وانتظرت ولادتها ، وسبحان الله قال الدكتور في الصحية انها حامل بثلاثة توائم ، وفعلا وضعت التوائم وظليت اربيهم وأراهم من بعيد لبعيد ، وتعاونوا معي العيال في سترة الموضوع حتى لا يوصل لك ، ولكن في الاسبوع هذا صار شيء ماهو في الحسبان يا نور ام الأولاد هادول فوزية توفت ، وقعدت افكر كيف اتصرف ، واخيرا قررت ان اجيبهم على اننا نربيهم ، وانت طول عمرك تحبي تربي ايتام ، وان اقول لك الموضوع بالتدريج .
وبدا الغضب على وجه نور
ـ ثلاثة اولاد دفعة واحدة ، والله لو كنت صاروخ ما سويت هذا كلة .
يا ستي صلي على النبي واذكري الله ، ما يصير في الكون هذا الا ما يقدّره الله .
وأرخت رأسها في صمت ، وفجأة دخلوا الأولاد اولاد اختها مع اولاد الجيران ويندفعون ليقبلوا الشيخ صديق ونور وخالة " جميلة " ، وضموا الأطفال الصغار معهم ، واخذوا يرقصون ويرددون :
ـ جابوا العيد .. جابوا ا لعيد يا عم صديق .. يا خالة نور ، يا ستي جابوا العيد .
ضربت مدافع العيد ونادى المنادي ووقفت نور ولم تجب على احد ، ولكن اخذت تنظر الى الأولاد وهي خارجة من الغرفة وتقول :
ـ الحمد لله .. ومبروك على العيد يا أولاد لكن عمكم صديق جاب العيد قبل العيد .
ـ يعني جابوه يا عم صديق وأنت عارف وماتقول لنا .
وترد نور :
ـ عمكم صديق جاب العيد .. جاب العيد .
ويأخذ صديق طريقه الى الباب ويذهب الى الخارج وهو مطأطيء الرأس ، ويفكر بعمق والتوائم يلعبون مع الأولاد ، والكل فرح بالعيد ، وفجأة تأتي اختها " جميلة " وتأخذ بيدها وترجعها الى الغرفة :
ـ اجلسي يا أختي .. اجلسي يا نور .. سامحيني ترى انا كنت جالسة في المخلوان ، وسمعت الحكاية كلها من أولها لآخرها
ـ خليني في حالي وفي كربتي
ـ اسمعي يا نور أنا سمعت الحكاية زي ماقلت لك وترى فيه سر ما حد يعلمه الا الله ، وانا اشهد ان عم صديق بريء وصادق وارجوك افهميني .
ـ افهمك ايه ، روحي عني انا ما انا ناقصتك .
ـ افهمي يا نور .. لما سافرتوا العام ورحتوا الطائف في الصيفية وجلست انا والوالدة واعطيتيني مفتاح الصندوق على شان اخرج فلوس للحاجات  اللازمة للبيت كنت كل ما افتح الصندوق اشوف ظرف اصفر محطوط ومقفل ، وفي الآخر اغرتني نفسي ان افتح الظرف واشوف ايش فيه ، وسامحيني اني فتحته مع انه مكتوب عليه ما حد يفتحه الا عم صديق
ـ وه .. يابنت يا قوية .. انا ما فتحت هذا الظرف !!
اصبري على رزقك ياستي رب ضارة نافعة ، لما فتحت الظرف وجدت فيه خطاب وتقرير طبي من الدكتور عصام كمال طبيب امراض النساء اللي رحتوا له انتي وعم صديق ، ولما طلعت النتيجة ما رضي يقول لك الحقيقة وهي ان العيب عندك في الرحم ، وانك ما تحملي ، وما حب يجرحك ، وظل التقرير سري وطلب ما حد يفتح الظرف ، هاذي حقيقة الموضوع يا اختي هذا الرجل النبيل كل  السنوات وهو صابر ولكن كأنها ارادة الله ربنا عوضه من حيث لا يحتسب .
ـ لا حول ولاقوة الا بالله .. انا ظلمتك يا صديق صحيح انك راجل نبيل وابن حلال ، انا ان شاء الله ما انسى لك هذا الجميل .
وفجأة يدخل العم صديق ، وتلقاه نور وتقبل يده ثم تحتضنه وهي تقول :
ـ ياصديق دول أولادي زي ما هم اولادك ، وأنا راح اشيلهم في عيني وربنا عوضنا صبرنا ، وسامحني ياصديق ترى انا فتحت الصندوق وخرجت الظرف وقريته .
ويرخي رأسه ، وترى قطرات من الدمع تنحدر من عينية وتتقدم وتمسحها وهي تقول :
ـ خلاص يا صديق خلينا نعيد .. جابوا العيد .
وتمسك بأيدي الأطفال وتدور معهم والجدة تدور معهم ، والكل ينادي :
ـ جابوا العيد .. جابوا العيد واليوم يوم السعد .