شاركنا على صفحاتنا الاجتماعية

(الدول المتقدمة. تبتكر أحدث الإنجازات التكنولوجية، ولكنها تربطها بها بحبل متين هو: الصيانة وقطع الغيار. فما فائدة التكنولوجيا في هذه الحالة إذا بقينا مستهلكين لا حول لنا ولا قوة ولا تخطيط لخدمة أهدافنا الوطنية. فما فائدة كمبيوتر بالغ الحداثة يضاهي أعظم ما يماثله في أعظم الدول، ولكننا نستمد عمله وصيانته من صانعيه؟).

 أحاديث في الاعلام

إمرأة تقود لوري

محمد عبده يماني

أضاءت الإشارة الحمراء .. وتوقفت جميع السيارات وفي المقدمة سيارة لوري تحمل أغناما .. فجأة وقف جندي المرور يشير الى السائق بالنزول وقد لاحظ أن هناك بعض الكدمات في السيارة .. ولكن السائق لم يستجب الى طلب الجندي .. ولم ينزل من السيارة .. وظل الجندي يكرر الطلب والسائق يكرر الرفض .. واخيرا اضاءت الاشارة باللون الأخضر .. ولكن جندي المرور اشار الى السائق بأن يقف بالجهة اليمنى للطريق ليعطيه المخالفة حين رفض النزول للمفاهمة معه .. وحضر الجندي مرة أخرى الى باب السيارة .. وطلب من السائق ان ينزل .. فرفض .. وقال له ممتعضا : " لقد طلبت منك ان تنزل ورفضت الأوامر"
فقال السائق :  "أنا لا استطيع النزول "
وسأله الجندي : " لماذا لا تستطيع النزول"
فقال : " أيها الجندي لا استطيع النزول لأنني امرأة "
هنا اصابت الدهشة الجندي .. فصعد الى باب الناقلة ونظر في السائق فإذا به إمرأة فعلا تلف وجهها بشماغ احمر ..هنا ازدادت دهشة الجندي فقال لها : لقد خالفت مجموعة من القوانين ، فأنت تقودين السيارة بدون رخصة  وأنت امرأة في وقت لا يسمح للمرأة أن تقود وتتلقي المخالفات ، انك تقودين سيارة بها عدة صدمات بالجانب الذي رأيته ، ولهذا سوف احرر عدة مخالفات ، ثم عليك ان تطلبي رجلك ليحضر ليقود السيارة ، فلن اسمح لك بمواصلة السير" .

نظرت اليه المرأة نظرة صارمة وقالت له : " ارجو ان لا تعطلني وتضيع علي فرصة اللحاق بالحراج في الحلقة للبيع ، فأنا احمل في هذه السيارة مواشي احضرناها من البادية لبيعها في الحلقة ، وأي تعطيل تسببه لي سوف يقود الي اضاعة الفرصة علي لبيع كل ما قدمت من أجله ".

هنا التفت اليها الجندي وقال : " يبدو انك لا تقدرين مقدا رالمخالفة والخطأ الذي ارتكبته "
فقالت له : " يا رجل أنا لا ارتكب أي مخالفة .. فهذه سيارة زوجي وهو رجل وقع عليه حادث ولا يستطيع قيادة السيارة ، ولدينا أطفال نطعمهم من حليب هذه المواشي ، ثم من بيع بعضها ، ولم يكن أمامي الا ان حمل هذه المواشي واقوم بالنيابة عنه بالذهاب الى الحلقة لبيعها "

فقال الجندي : " انا لا استطيع مساعدتك فهذه مخالفة واضحة "
فقالت له : " وأين المخالفة ؟؟"
قال لها : " قلت لك انك تقودين سيارة بدون رخصة "
فقالت المرأة وهي تمد يدها الى شنطة بجوارها : " هذه رخصتي "
فنظر الجندي الى الرخصة فوجدها رخصة دولية وعليها صورتها ، فقال وهو ينظر اليها : " كيف حصلت على هذه الرخصة "
فقالت له : انا سعودية وأعيش مع زوجي منذ سنوات على الحدود الشمالية ، وكنت أقود السيارة لأتابع الأغنام في المراعي ، ولم يكن هناك من يمنعني من قيادة السيارة الوانيت ، اضع فيها قرب الماء ، واتجول لأتابع حركة اغنامي ، وفي بعض الأحيان كنا نضطر الى الذهاب الى خارج الحدود فأساعد زوجي في قيادة السيارة عندما نرغب في في بيع المواشي خارج الحدود ، وحصلت على رخصة القيادة بصورة رسمية ، ولذلك لم افكر قط بأن هناك من سيمنعني ، فأنا اقود سيارتي نيابة عن زوجي ، لأننا شركاء في هذه الحياة ، وقد مرض هو فمن واجبي أن اقوم برعايته وأولادي ، ونحن من عوائل كريمة لا نمد يدنا الى احد ، ولا نقبل معونة ولا صدقة ، ولا اقبل بأي سائق أجنبي ليكون معي ، فأنا اتصرف بمروءة وشهامة .. فما هي المخالفة التي ارتكبتها "

ثم صمتت ونظرت الى الجندي وقالت له : ارجو ان لا تعطلني أكثر من ذلك وتضيع علي فرصة بيع المواشي وتتحمل ذنبي وذنب أولادي وزوجي "
شعر جندي  المرور بحيرة كبيرة وهو يستمع الى منطق المرأة ، ويتذكر واجبه كجندي مرور ، وانه ليس من حقه الموافقة والسماح لها بمواصلة قيادة السيارة .. وشعر بإهمية مساعدة هذه الإنسانة .
فقالت له : انني اقترح عليك بأن تسمح لي بأن اذهب للحاق بالسوق ، واعطيك رخصتي لتحتفظ بها لديك ، ثم احضر الى المكان الذي تحدده بعد غدا في الجهة الرسمية لأدافع بنفسي عن سبب قيادتي للسيارة "

لم يجد الجندي مفرا من الموافقة ، واعطاها عنوان ادارة المرور ، ثم اعاد اليها الرخصة ، ونظر اليها وهي مبتعدة في اتجاه السوق ، وحضرت السيدة الى  ادارة المرور في اليوم التالي ، وكان في انتظارها وجاء مدعي المرور وقدم لائحة المطالبة بايقاع العقوبة عليها ، لأنها ارتكبت عدة مخالفات .  
ونظر اليها رقيب الدائرة ،وسألها : " ماذا تقولين يا سيدة " هيا "
فقالت : " ارجو ان اوضح موقفي بأنني امرأة اكسب رزقي بعرق جبيني ، ولم اخالف أي قانون ، فلدي رخصة دولية ، وأسير حسب الأنظمة والظرف الذي شرحته للجندي مكتوب عندكم ، بأنني اقود سيارة زوجي ، واحمل مواشي لبيعها ، فأين الخطأ الذي ارتكبته !!
تحرك مدعي المرور وقال بلهجة صارمة : " اني اطالب بتطبيق العقوبة عليها ، فمخالفتها واضحة ، وفعلتها سوف تقود الى مزيد من هذه الممارسات الخاطئة ، واذا كانت قد حصلت على رخصة من خارج البلاد فإن هذا لا يعفيها من انها قد خالفت الأنظمة وقيادة سيارة في الشارع العام ومع الرجال في وقت تمنع فيه قوانين البلاد هذاالأمر" .

وقالت " هيا " : ليس في النظام ما يمنع قيادتي للسيارة ، وعليه أن يثبت ان هذا الأمر هو مخالفة ، لأن بلدنا تحكم بشرع الله ، وليس في الشرع الحنيف ما يمنعني من العمل مادمت اسعى الى كسب رزقي ورزق اولادي وزوجي ، وأنا بكامل حشمتي ووقاري ، وكنا طول عمرنا لا نسمع في البادية عن هذه الأنظمة التي استجدت علينا ، فأنا اطالب برفض الدعوى والسماح لي بالعودة الى اولادي وزوجي .

صمت رئيس الدائرة وهو ينظر اليها  وقال : " نقرر حفظ الدعوى وتركها تعود لأولادها "
تحرك مدعي المرور وقال : " أنا اعترض "
رد رئيس الدائرة : " اعتراض مرفوض ولا مبرر لتعطيلها فقد تصرفت بمسؤولية في حدود الظرف الذي أملى عليها هذا التصرف ، ولكني أطلب منك يا " هيا " ان تصعدي هنا وتوقعي على عدم تكرار ذلك "
فأعادت عباءتها الى رأسها وقالت : " شكرا .. ولكني لن استطيع ان اعدك لأنني لا أريد أن اكذب فأنا في حاجة الى هذا العمل الشريف "
صمت الجميع وقال رئيس الدائرة : " رفعت الدعوى "
وقال مندوب المرور : " لمن رفعت الدعوى ياسيدي "
تحركت هيا وقالت : " اما عني فقد رفعتها الى رب كريم يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور "
وانطلقت خارج دائرة المرور وقفزت تقود سيارتها مبتعدة عنها ، ثم وقفت فجأة وعادت الى رئيس الدائرة
وقالت : " ارجو يا سيدي ان تأمره باعطائي رخصتي واوراقي "
ثم اعطوها اوراقها ، وانصرفت " هيا " عائدة  .
وفجأة فتح الباب مرة أخرى ، وقام الجندي يقول لممثل الإدعاء :
"يا سيدي هناك سيدة أخرى في الباب"
ورد المدعي غاضبا : " امرأة اخرى تقود لوري ام قلاب "
ورد الجندي : " لا أعلم يا سيدي"
قال : "دعها تدخل "
ودخلت امرأة ووقفت امام المدعي وقالت :
"يا سيدي انا سلمي عمر المحامي ، أنا احمل رخصة المحاماة وجئت الى هنا لأدافع عن السيدة التي بلغني انكم اوقفتموها لأنها تقود سيارة لوري ، وأنا متبرعة للدفاع عنها "
وشعر المدعي بغضب ونظر الى الضابط بجواره وهو يقول :
"يا عبد الله لو تذكرني نحن هذا الصباح اصطبحنا بوجه من ؟"
فضحك الرجل ، وأخذت المرأة تكرر :
"لقد جئت الى هنا لأداء واجبي ، وارغب في  الإطلاع على اوراق القضية ، فهذه محكمة مرورية "
ورد مدعي المرور : " لقد انتهت القضية وخرجت المرأة "
وحملت المحامية اوراقها وهي تخرج الى الخارج ، وأخذ مدعي المرور يردد:
" اقول ياعبد الله الله يجيب العواقب سليمة ، العصر حريمي "
وجمع اوراقه واتجه الى الخارج