شاركنا على صفحاتنا الاجتماعية

ينظر بعض العقلاء الى موضوع كارثة الخليج على انها ازمة اخلاقة وليست ازمة سياسية ولقد كان الاعلام العربي خلال هذه الأزمة مثار جدل ومحل اهتمام المتابعين له لأنه كان الحاضر الغائب خلال هذه الأزمة لدرجة ان المواطن العربي انصرف يفتش عن مصدر اعلامي آخر يعطيه المعلومات والأخبار والآراء.

 الإعلام العربي ما بعد أزمة الخليج

كيف صام رسول الله صلى الله عليه وسلم(1-4)

محمد عبده يماني  

كيف علمنا النبي – صلى الله عليه وسلم – استقبال رمضان  الحمد لله الذي أكرمنا بهذا الشهر المبارك العظيم ، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، وشرع لنا صيامه ، وسن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم – وعلمنا قيامه ، ولا ريب أن أفضل ما يفعله المؤمن في رمضان هو الاقتداء بسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في هذا الشهر الكريم ، فإنه هو القدوة والأسوة ،وقد جعل الله تعالى طاعته واتباعه سبيل محبته ، ووصم من تولى عن طاعته وطاعة رسوله بصفة الكفر به فقال سبحانه : " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم . قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين . "  ( آل عمران 31-32 )ولهذا فسوف نطالع في حلقات أربع جوانب من سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم - وكيف كان يستقبل رمضان ويصومه ويأمر بصيامه ، وكيف كان يقومه ويحث على قيامه ، وكيف كان سحوره وإفطاره ، وكيف كان مع أهله في بيته ، وكيف كان مع أصحابه ، وما هي أهم وصاياه للصائمين ، وكيف كان حاله في العشر الأخير منه ، وكيف كان يودع هذا الشهر المبارك ، وسوف نبدأ بالحديث عن استقباله لهذا الشهر وحفاوته به ، بعد أن اكتملت دورة الزمان ، وجاء الشهر العظيم المبارك  ، فالحمد لله الذي أحيانا لرمضان ، وامتن علينا بصيامه ، فكم من المسلمين من صامه فيما مضى ، ثم حال بينه وبينه انقطاع أجله ، فلك الحمد ربنا على ما أنعمت به علينا  ، أن بلغتنا إياه ، فاجعلنا اللهم من عتقائه .    لقد جاء رمضان شهر الخيرات والبركات ، شهر النفحات والرحمات ، شهر البر والتقوى ، وشهر الإحسان والإيمان ، شهر الجود والجهاد ، شهر الذكر والشكر ، وهو شهر تحسن فيه الأخلاق ، وتزداد فيه الأرزاق ، وتحلو فيه الكلمات ، وتكثر فيه الطاعات ، وحضور الجماعات ، ويستجيب الله تعالى فيه الدعوات ، وتنال فيه الحوائج  والرغبات .  وهو شهر التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ، في صيامه وقيامه ، وفي سحوره وإفطاره ، وفي دعائه وتضرعه ، وفي تعامله مع أهله وأصحابه ، وفي جوده وسخائه ، وفي جهاده وصبره ، وسائر أحواله ، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين ، وأصحابه المطهرين ، أزكى صلاة وأتم تسليم ، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . فمنه تعلمت الأمة فريضة الصيام وأحكامه ، ولهذا يجب التأسي به ، فقد كان الصورة العملية للقرآن ، والترجمة الصادقة الدقيقة لآياته ، وقد دعانا لأخذ الأسوة عنه في كل عباداته فقال في الصلاة : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وقال في حِجْته  : ( خذوا عني مناسككم )


ولعل خير ما نبدأ به الحديث عن استقبال رمضان أن نذكر الأمة الإسلامية بخطبته التي خطبها آخر يوم من شعبان – كما رويت عن سلمان - رضي الله عنه _ قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر يوم من شعبان  قال : (يا أيها الناس ، قد أظلكم شهر عظيم مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، شهر جعل الله صيامه فريضة ، وقيامه تطوعا ، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، ، وشهر المواساة ، وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه ، من فطر صائما كان مغفرة لذنوبه ، وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء ، قالوا : يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة ، أو على شربة ، او على مذقة من لبن .

وهو شهر أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار ، من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له ، وأعتقه من النار . واستكثروا فيه من أربع خصال ؛ خصلتين ترضون بهما ربكم ، وخصلتين لا غنى بكم عنهما ، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم : فشهادة أن لا إله إلا الله ، وتستغفرونه ، وأما الخصلتان اللتان  لا غنى بكم عنهما : فتسألون الله الجنة ، وتعوذون به من النار ، ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة ) (رواه ابن خزيمة وصححه ، ورواه من طريقه البيهقي . ورواه الحارث ابن أبي أسامة في بغية الباحث )إن هذا الحديث العظيم فيه دلالة كبيرة على ما لهذا الشهر المبارك من الخصائص الكبرى  والمراتب العلى التي ليس لأحد من الشهور مثلها ، وهي خصائص ومزايا تحملنا على مضاعفة الجهد ، وشحذ الهمم ، وإحسان العمل ،  والدخول في سباق مع النفس ، لاكتساب الأجور ، لأن رمضان موسم للتجارة الرابحة ، يتنافس فيه المتنافسون في رضوان الله ، والدار الآخرة . وفي الحديث دلالة على حفاوة النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الشهر ، وحسن استقباله له ، وتبشيره الناس بما أعد الله فيه لعباده من الأجور العظيمة ، والمضاعفات التي لا يحيط بها الخيال ، وتعليم للأمة فضل هذا الشهر على ما سواه من الشهور ، وهي أمور تجعل للصيام لذة في القلب ،  تسهل  أمامها تكاليف الطاعة من الجوع والعطش ، والصبر على ترك الشهوة ، وعلى مشقات القيام ، وكف النفس عن الغضب والانتقام ، والعفو عن المسيء ، وترك الكذب ، وهجر الفسوق والعصيان ، ومواساة الفقراء بالمال والنفس ، وإطعام الطعام للمحرومين ، وتفطير الصائمين  وسقايتهم  ، والتخفيف عن الأجراء والخدم ، ومساعدة الضعفاء والمحتاجين ، وإكرام الأصدقاء ، وصلة الأرحام ، وصنع المعروف مع أهله وغير أهله ابتغاء مرضاة الله : " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا . إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا . " " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم "


بهذه الأخلاق الكريمة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل شهر رمضان ، ويدعو المسلمين إلى استقباله بمثلها ، وتلك صفات لا نظير لها في أمة غير أمة الإسلام والصيام ، وهي ثمرة من ثمرات الصيام ، ونعمة من نعم الإيمان التي لا توجد عند غير المسلمين مهما ادعى أدعياء الحضارة الغارقة إلى أسفل سافلين في أوحال  المادية والجنس والاستعلاء على الناس بأسلحة الدمار والوحشية التي فاقت كل خيال، ووصلت إلى اسفل درجات النذالة والخسة والقسوة ، وانظروا ماذا فعلوا ويفعلون في فلسطين وفي أفغانستان ، وربما كان الآتي اعظم وأعظم ، ونعوذ بالله من شرورهم  وغطرستهم وغرورهم ، ونسأله سبحانه الفرج عن المسلمين .  فإذا قارنا هذا وما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يستقبل شهر رمضان ،  في ميادين العمل الإنساني ، الذي يجمع الناس ، ويقيم المساواة بينهم على اختلاف أديانهم وألوانهم وشعوبهم : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير  ) الحجرات/ 13  ،  ويؤلف بين قلوب المؤمنين ، والذي قال الحق تبارك وتعالى في بيانه: " هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين  . وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم أنه عزيز حكيم . " وهذا يجعل الأمة المسلمة كالبنيان يشد بعضه بعضا ، ويجعل الأمة المسلمة في تعاملها مع غيرها بالبر والإحسان ، فتنفتح القلوب للإسلام بغير جيوش ، وتدخل في الإسلام عن رضى واقتناع ، كما حدث عند كثير من الشعوب التي لم تصل إليها جيوش الإسلام ، بل وصلها الإسلام  على أيدي تجار كانوا لا يغشون ولا يكذبون ولا يخونون ، يحملون تجارتهم في أيديهم  ، والإسلام في أخلاقهم  ، ويدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، فأسلمت على أيديهم أمم وشعوب كثيرة في أقصى الشرق وفي جنوب شرق آسيا ، وفي ألوف جزائر بحر الصين وأرخبيلاته  .


ومن الصفات المهمة للصائمين كما وردت في الحديث آنف الذكر التي دعاهم إليها  النبي - صلى الله عليه وسلم –  الخصال الأربع التي جاءت في آخر الحديث ، وهي صفات أمة النبي _ صلى الله عليه وسلم _  : " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار "  أما صفتهم الأولى التي جاءت في الحديث الشريف فإنهم  ذاكرون يكثرون من شهادة أن لا إله إلا الله ، وهي شهادة التوحيد التي قامت بها السماوات والأرض ، وهي التي لو وضعت في كفة ، ووضعت السماوات والأرض في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله .. كما جاء في الحديث الذي رواه ابن خزيمة عن  أبي سعيد الخدري   رضي الله تعالى عنه  أن رسول الله   صلى الله عليه وسلم   قال : ( قال موسى عليه السلام :  يا رب علمني شيئا اذكرك به وأدعوك به ، قال : يا موسى قل لا إله إلا الله  ، قال يا رب كل عبادك يقول هذا ،  قال : قل لا إله إلا الله ، قال لا إله إلا أنت يا رب ، إنما أريد شيئا تخصني به ؟ قال : يا موسى لو كان السماوات السبع وعامرهن غيري ، والأرضون  السبع  في كِفة ، ولا إله إلا الله في كِفَّة ، مالت بهن لا إله إلا الله  ) ورواه الحاكم في المستدرك ، وقال :  هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم – واستكثروا فيه من أربع خصال ، خصلتين ترضون بهما ربكم ، وخصلتين لا غناء لكم عنهما ، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم : فشهادة أن لا إله إلا الله ، وتستغفرونه  . 

   إن من ينظر بعمق إلى هذه الخصال الأربع يرى أنها جامعة لأهم خصال الخير ، وقد رأينا ما في الخصلة الأولى في حديث سؤال موسى ربه ، وعظم أمر هذه الشهادة الخفيفة على اللسان ، الثقيلة في الميزان ، التي ترجح الواحدة منها على السماوات والأرضين مجتمعات ، فكيف بمن يقول ذلك في اليوم مائة مرة أو مئات المرات ؟!!  فتفكروا أيها الصائمون وتأملوا في كلام من لا ينطق عن الهوى ؟! أما الخصلة الثانية : فإنها كثرة الاستغفار ، وكثرة الاستغفار يا مسلمون من أعظم الأعمال بعد شهادة التوحيد ، لأن الاستغفار صفة الأبرار الأخيار ، و هو من أعظم العبادات الموصلة إلى تحصيل رضوان الله ، وفي تحصيل الخيرات الكثيرة في الدنيا والآخرة ، فقد أثنى الله تعالى على المستغفرين بأعظم الثناء فقال تعالى : " الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين  بالأسحار . " وهي صورة مشرقة للإيمان الصادق الذي يحمل أهله على يقظة الأسحار ، والقيام بين يديه بمناجاته وطلب غفرانه ، ودعائه مخلصين له الدين ، فما أجملها من صورة ، وما أروعها من خصلة . ونحن نقول في هذا المقام : إذا كان كثير من الناس لا يستطيعون هذه اليقظة وهذه المناجاة في غير رمضان – وليتهم يستطيعون – فإن هذا ما يتيحه لهم شهر رمضان في ساعة السحور ، ولعل هذا ما يفسر تأكيد النبي - صلى الله عليه وسلم – على وجبة السحور في أحاديث كثيرة منها قوله : ( السحور أكلة بركة فلا تدعوه ، ولو أن يتجرع أحدكم جرعة ماء ، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ) وقوله : ( تسحروا فإن في السحور بركة ) وقوله : ( إنها  بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه . ) وقوله لعائشة – رضي الله عنها : ( قربي إلينا الغداء المبارك ) – يعني السحور - قالت : وربما لم يكن إلا تمرتين . !!فالسحور إذن ساعة مباركة ليست للطعام والشراب فحسب ، ولكنها ساعة مناجاة واستغفار ، لما للاستغفار من الشأن العظيم ، فكيف إذا كان هذا الاستغفار بالأسحار ؟!!ومن أراد أن يعلم فضائل الاستغفار فليقرأ قول الله عز وجل : " ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين " وقوله تعالى : " وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير " وقوله تعالى : " فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرارا . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا .  "وبهذا يكون الصيام أياما معدودات يكثر فيها الصائمون من ذكر الله ، فلا يفوتون فيه لحظة يستطيعون أن يذكروا فيها الله إلا ذكروه ، كما علمنا ذلك النبي _ صلى الله عليه وسلم  ثم يعلمنا بعد ذلك خصلتين لا يستغني عنهما أحد من عباد الله  فيقول : (..وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما : فتسألون الله الجنة ، وتعوذون به من النار . )وهاتان الخصلتان من أهم صفات العبودية لله تعالى ، في الطمع برحمته ، والخوف من عذابه ،  وهذه الخصال الأربع  - التي هي حلية الصائمين - تحمل الترجمة العملية لمعنى الآيات الكريمة في أواخر سورة آل عمران ، والتي تحكي أوصاف أولي الألباب   : " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ماخلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار . ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار

ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار  .  ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد . " وقد جاء في الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم _  في الليلة التي نزلت عليه هذه الآيات استأذن عائشة رضي الله عنها أن يتعبد ربه – عز وجل – فأذنت له ، فقام فما أكثر صب الماء ، ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته ، ، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض ، ، ثم اضطجع على جنبه  فبكى حتى  إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح فقال : يا رسول ما يبكيك وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟!!  فقال : ويحك يا بلال وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل علي في هذه الليلة : " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم  ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار . " هكذا كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم - يستقبل رمضان ويدعو الناس إلى استقباله ، ويتحدث عن فضائله ، وما اختصه الله به من بين سائر الشهور ويدعو الأمة إلى حسن استقباله بالتشمير للطاعات ، والكف عن المحرمات ، وكان يدعو أمته إلى تكريم هذا الشهر ، وحسن استقباله ، ويبلغها عظم الأجور فيه ، فمن ذلك مثلا ما جاء في الحديث القدسي الذي روا ه مسلم  عن أبي هريرة  – رضي الله عنه – قال ؛ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال الله عز وجل : { كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي ، وأنا أجزي به . }ثم يقول النبي  - صلى الله عليه وسلم - في تتمة الحديث : { والصيام جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك ، وللصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح ، وإذا لقي ربه فرح بصومه . }وواضح من الحديث أن جزأه الأول حديث قدسي عن رب العزة - سبحانه وتعالى  -  فيه وعد عظيم من الله عز وجل أن يتولى بذاته العلية  إكرام الصائمين بالأجر العظيم ،  الذي لا يخطر على بال بشر  ، قال الإمام النووي في معنى ( إلا الصيام فإنه لي ) : لأن الصوم بعيد عن الرياء لخفائه ، وقيل : إنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ .. ، وقيل : إن الله هو المنفرد بعلم مقدار ثوابه ، أو تضعيف حسناته ، وفي الحديث بيان عظيم فضل الصوم ، والحث عليه . ثم قال في قوله : ( وأنا  أجزي به ) : بيان عظم فضله وكثرة ثوابه ، لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى عظم الأجر ، وسعة العطاء .وفي الحديث بعد ذلك  من قوله : فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث   الخ  ..  – وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم – دعوة منه للمسلمين إلى الالتزام بآداب الصيام ، حتى لو أن أحدا أراد أن يقاتله أو سبه أن لا يرد على إساءته ، بل يمسك لسانه ويده ، ويقول بأدب وكظم غيظ : إني صائم . أي : إنه لا يمنعه من رد العدوان إلا الخوف من الله ، والتذكير بأنه صائم  !!!كل ذلك تعليم منه للصائمين شرف الصيام ، وعظيم قدره ، وعظيم ثوابه ، ولكن ما ينبغي أن ننبه إليه أن الجزاء  لا يكون من الله تعالى إلا لمن راعى آداب الصيام ، وأما من صام ولم يلتزم بهذه الآداب  فإن الله تعالى غني عن صيامه ، وقد ورد عنه  - صلى الله عليه وسلم – أنه قال :{ من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه }    (رواه البخاري )وهذا في غاية الوضوح وغاية الأهمية  والإنذار بان الأجر العظيم ليس لكل من صام ، بل للذين يصومون  الصيام المقرون إلى أعمال البر والتقوى ، ويفعلون ما استطاعوا من الأعمال الزكية التي وردت في الحديث ، والمشتمل على أعمال الخير الكثيرة ، والتي يستطيع كل صائم أن يفعل أكثرها بسهولة ويسر ، أما ما لا يستطيعه ولا يقع تحت طاقته فليس عليه في تركه شيء ، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ما آتاها ، فالذين ليس لهم  خدم أو أجراء  لا يكلفون التخفيف عنهم ومساعدتهم ، والذين لا يستطيعون صنع الولائم لتفطير الصائمين يستطيعون أن يفطروا الصائم على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن ، وينالون من الأجر مثل ما ينال الموسرون وأهل الغنى . !!ولكن الذي يتأمل في الحديث الشريف فسوف يرى أن أكثر ما ذكر فيه من الأعمال سهل مستطاع ، وهذا من فضل الله ، ومن  يسر هذا الدين وسهولته ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) فالحمد لله على جزيل فضله وإحسانه ، ونسأله سبحانه أن يعيننا على الصيام والقيام ، وغض البصر وحفظ اللسان ، وأن يجعلنا في عتقاء شهر رمضان ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وما توفيقنا إلا به ، عليه توكلنا وإليه أنيب . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .  

رمضان في مكة المكرمة
رمضان موسم النصر
كيف صام رسول الله صلى الله عليه وسلم(1-4)