شاركنا على صفحاتنا الاجتماعية

ينظر بعض العقلاء الى موضوع كارثة الخليج على انها ازمة اخلاقة وليست ازمة سياسية ولقد كان الاعلام العربي خلال هذه الأزمة مثار جدل ومحل اهتمام المتابعين له لأنه كان الحاضر الغائب خلال هذه الأزمة لدرجة ان المواطن العربي انصرف يفتش عن مصدر اعلامي آخر يعطيه المعلومات والأخبار والآراء.

 الإعلام العربي ما بعد أزمة الخليج

جدة غير.. حتى في رمضان

محمد عبده يماني 

الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام، وبعث إلينا خير الأنام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ونحمده سبحانه وتعالى أن أكرمنا بالقرآن الكريم، هذا الكتاب الذي: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}  .
والحقيقة أنني كلما سمعت الإعلام يردد تعبير  "جدة.. غير" كنت أبتسم مقدرا لهم الغيرة على جدة،  وحبهم لجدة، وحبنا لها كجزء من هذا الوطن العزيز، لكنني في شهر رمضان خاصة عندما بدأت التراويح والتهجد، شعرت - حقيقة - بأن جدة ومساجدها غير أي مساجد عرفتها في صلاة التراويح وذلك لأنها تمتليء بالشباب، ويقبل عليها الناشئة، ونراهم في خشوع وخضوع لله تعالى، لأن الأئمة ما شاء الله في أكثر مساجدها يجمعون الناس على كتاب الله بقراءات جميلة وبتجويد ممتاز ربط الناس من المصلين بالقرآن وبصورة أدت إلى شد الشباب وجمعتهم ورغبتهم في ارتياد المساجد، وهذه نعمة من نعم الله، وطبعا لا أستطيع أن أتكلم عن بقية مدن المملكة، لأنها لا بد وأن تكون عامرة كذلك بالأئمة الفضلاء والقارئين المجودين الذين يرغّبون الشباب على ارتياد المساجد وسماع القرآن الكريم. 
هذا العام رأيت أن أصلي العشاء والقيام في  أكثر من مسجد من مساجد جدة، ألتمس الأئمة الحفاظ المجودين الذين أكرمهم الله بحفظ كتابه، والصلاة بالناس، فأدوا الأمانة على خير ما يكون الأداء، حتى ذاع في الناس ذكرهم، وأحبهم الناس وأثنوا عليهم، وكثرت في المواسم والجمع جماعتهم، للإستماع لجمال تلاوتهم، وحسن أدائهم، وحرارة دعائهم، وصدق قنوتهم وخشوعهم.
فقد صليت في مسجد أرتاده وجيراني وهو  مسجد "بقشان" مع إمامه  الشيخ عبد الرحمن بتوا وفي مسجد البيوتات مع إمامه الشيخ هشام بنان وفي مسجد الأمير سلطان مع إمامه الشيخ سهل ياسين وفي مسجد "الشعيبي" مع إمامه الشيخ الدكتور عبد الله بصفر، وفي مركز تجار جدة مع إماميه الشيخ علاء المزجاجي، والشيخ علي أبو الحسن وفي مسجد اللامي بحي الأندلس مع إمامه الشيخ توفيق الصايغ وكذلك مع الشيخ هاني الرفاعي في مسجد العناني.            " 
هكذا صليت العشاء والتراويح في النصف الأول من الشهر في عدة مساجد، وشهدت القيام والقنوت مع فئة ممتازة من الأئمة الصالحين الذين أكرمهم الله عز وجل بحفظ كتابه، واتقان تلاوته، والذين أتاهم الله اصواتا ندية جميلة، والذين وصلوا إلى درجة عالية في علم التلاوة والتجويد، فجمعوا بين جمال الصوت وكمال التجويد، فجاءت قراءاتهم على أحسن ما يكون الأداء، والقرآن إذا تلاه القاريء المتقن، وصاحب الصوت الجميل، فإنه يترك في القلوب آثارا عجيبة من الخشوع والدموع.
وقد صلى زملائي وأولادي في العديد من مساجد جدة الأخرى وفرحوا بالتلاوات الممتازة التي كانت تتلى فيها وعددوا لي المزيد من الأئمة الآخرين الذين تجذبهم تلاوتهم للصلاة في مساجدهم ومن تلك المساجد وائمتها التي جذبتهم :
الشيخ إدريس أبكر – مسجد سليم الحربي في حي العدلالشيخ إبراهيم سلمان – مسجد الهدى في حي الأندلسالشيخ عبد الباسط المرزوقي والشيخ مازن بلكم – في مسجد عمر بن الخطاب في حي الصفاالشيخ عادل ريان – في مسجد أم الخير في حي الصفاالشيخ أيمن جبلاخي – مسجد الحارثي في حي السلامةالشيخ نبيل الرفاعي  _ مسجد التقوىالشيخ خالد عبد الكافي _ مسجد خادم الحرمين الشيخ عبد العزيز الزهراني _ مسجد الأمير سلمان الشيخ ابو بكر الشاطري _ مسجد الفرقان 
ولقد حمدت الله كثيرا أن وفقني للصلاة خلف هؤلاء الأئمة وقضيت أسعد اللحظات في خشوع خلفهم، وكذلك كان الناس من أمامي ومن خلفي، الكل خاشعون قانتون ساكنون لسماع القرآن، وكان كثير منهم يظهر عليه الخشوع وشدة التأثر، ويخشع قلبه، وتدمع عينيه، وبعض هؤلاء لايشعر به أحد، وبعض هؤلاء يحرص أن يبقي خشوعه بينه وبين ربه فلا يحس به أحد.
ولقد كنت أشعر وأنا أؤدي الصلوات وكأنني أسمع القرآن لأول مرة، وكأنني أنا المخاطب به وحدي، وازداد بسماع آياته إيمانا وتسليما، فتبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، وتبارك الذي نزل القرآن لتحيا به القلوب، مع علام الغيوب.
لقد صار هؤلاء الأئمة من الحفاظ المتقنين نماذج فريدة في الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة فأقبل الناس عليهم، وتراصت الصفوف خلفهم، إنهم شباب وفتية آمنورا بربهم فزادهم هدى، وزادهم إيمانا وتسليما، فتبارك الله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، تبارك الذي نزل القرآن لتحيا به القلوب مع علام الغيوب.

فهنيئا لهؤلاء الأئمة من الشيوخ والشباب ما آتاهم الله من فضله، إذ جعلهم أئمة للناس، يدعون إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وهنيئا لهم القرآن يتلونه حق تلاوته، يؤمون الناس في الصلوات، ويؤمون الناس في قيام رمضان، وهنيئا لهم حفظ هذا القرآن، وأنهم اتخذوه حبيبا إلى قلوبهم فأحبهم الله بحبه، ورفع ذكرهم ببركته.
إنهم شباب وكهول نشأوا في رحاب القرآن، حفظوه صغارا، واتخذوه إماما وقائدا، وهاديا يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، يتلونه حق تلاوته ويذوقون حلاوته، ويستضيئون بأنواره، ويتفيئون ظلاله، ويستلذون خطابه.
إنهم أهل الله وخاصته، الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه فقال : "إن لله أهلين من الناس". قالوا : من هم يا رسول الله؟ قال : "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" (رواه الترمذي والامام احمد وابن ماجة والحاكم واللفظ له).
لقد اخترت أن أصلي قيام رمضان مع هؤلاء الأئمة الكرام البررة الذين أكرمهم الله بحفظ كتابه، وأكرمنا بهم ليكونوا لنا ائمة في قيام رمضان، فكانت قراءتهم للقرآن خير وسيلة للدعوة إلى دينه، لأنها قراءات لقراء اعطوا القرآن الكريم حقه من الحفظ، والاتقان في قراءته، ومراعاة احكام تجويده، والخشوع في تلاوته، وهم إذا قرأوا القرآن اخذت قراءاتهم بمجامع القلوب وتغلغلت إلى أعماق النفوس، لأنها قراءات لقراء خاشعين يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، ويجمعون الناس على مائدة القرآن.
ولقد علم النبي – صلى الله عليه وسلم – أمته أن تحسن قراءة القرآن، وأن تتلقاه عمن أخذه من النبي – صلى الله عليه وسلم – فقرأه كما قرأه وأتقن قراءته كما أتقنه فقال: (من سره أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد  يعني عبد الله بن مسعود ليكون له برسول الله – صلى الله عليه وسلم – الأسوة الحسنة، لأنه – صلى الله عليه وسلم – هو الذي تلقى القرآن من ربه بواسطة الرسول الأمين جبريل عليه السلام، فقرأه كما سمعه منه، وقرأه عبد الله بن مسعود كما قرأه، فكانت قراءته وقراءة القراء من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – القراءة المثلي، التي يأخذ فيها القرآن الكريم حظه من العناية والإتقان، وهذا ما تكفل به علم تلقي القرآن عن القراء الذين تتصل قراءتهم بقراءة النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يعرف بعلم القراءات والقراء..
ولقد دعا النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه وأمته إلى تعلم القرآن وتعليمه فقال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) 
كما دعا أصحابه – رضوان الله عليهم – إلى تحسين أصواتهم بالقرآن فقال – صلى الله عليه وسلم – (زينوا القرآن بأصواتكم)  وقال – صلى الله عليه وسلم – (ليس منا من لم يتغن القرآن يجهر به) 
إن تحسين الصوت بقراءة القرآن الكريم سنة نبوية مباركة، دعا إليها أصحابه فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً أحسن صوتا منه"  
وكان صلى الله عليه وسلم إذا سمع أحد الصحابة يقرأ القرآن في صلاته ينصت إليه ويثني عليه، فعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: "استمع رسول الله صلى الله عليه وسلم – قراءتي من الليل، فلما أصبحت قال: (يا أبا موسى استمعت قراءتك الليلة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. قلت: يا رسول الله لو علمت مكانك لحبرته لك تحبيرا) 
ولقد أثني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على الذين يحسنون تلاوة القرآن فقال "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة".
فهنيئاً لهؤلاء الأئمة الأبرار الذين أعطوا هذا القرآن قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، حتى بلغوا فيه هذه المنزلة العالية، وأصبحت مساجدهم مهوى أفئدة العديد من أبناء المسلمين في هذا الشهر المبارك، ويستمتعون بتلاواتهم ويخشعون بخشوعهم، ويقنتون معهم في قنوتهم، ويؤمنون على دعائهم في صلاة الوتر من كل ليلة، فيفيض الله تعالى على عباده فيوض الرحمات، ويلهم هؤلاء الأئمة أصدق الدعوات، وأجمل الثناء وأكمله على الله عز وجل.
وقد أصبح هؤلاء الأئمة – والحمد لله – كثراً في بيوت الله، فلا يكاد يخلو منهم مسجد، وذلك من فضل الله على الناس في هذا الزمان الصعب الذي كثرت فيه الفتن، وكثرت فيه الشواغل والمغريات..
ولهؤلاء الأئمة الكرام البررة حبنا ودعاؤنا لهم بالتوفيق إلى كل خير، وأن يحفظهم من كل مكروه، وأن يزيدهم الله تعالى إيماناً وتسليماً وتذلللا له وخشوعا، حتى يكونوا قدوة لنا ولأبنائنا ولنسائنا وأطفالنا ولكل من يصلى معهم، ويكونوا عوناً لنا على صلاح أحوالنا، وصلاح أبنائنا وأزواجنا وذرياتنا، إنه سميع عليهم، وهو قريب مجيب..
وفي الختام أجد من حق هؤلاء الأئمة الكرام علينا أن ننوه بذكرهم، وأسأل الله عز وجل – أن يعينني على تكرار زيارتهم في مساجدهم، وعلى الصلاة خلفهم، وأن يبارك لنا بهم، وينفعنا بعلمهم هم إنه سميع مجيب.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد قدوة هذه الأمة وأسوتها.

الخوف من الفجوة
تهاويل
بيوتنا والحاجة الى الحب