شاركنا على صفحاتنا الاجتماعية

(نحن حتى الآن لم نبتكر وسيلة مثلى لتلاوة القرآن الكريم للأطفال من خلال الشاشة الصغيرة والميكرفون.. لقد تقدمنا كثيراً في مجال التلاوة للكبار بالقراءات السبع، والمصحف المرتل وغير ذلك من أساليب التلاوة، واستطعنا من خلال نقل التلاوة من المساجد لكبار القارئين في الفجر، وفي المناسبات الدينية، أن نشد إلينا الآذان والقلوب، ولكن واحداً من القارئين أو الإذاعيين لم يجد أو لم يعثر على طريقة نجتذب بها الأبناء لسماع التلاوة، وبخاصة في أعمارهم الصغيرة.. ولعل هذه تكون دعوة للقارئين والإذاعيين لكي يجدوا سبيلاً لتقديم تلاوة القرآن الكريم للأطفال).

 أحاديث في الاعلام

تأدبوا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  (9 ـ 12 )

محمد عبده يماني

سبحان من أمرنا عز وجل ان نتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  وشهد له بأنه : { َمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } وانه سبحانه علمه وأدبه حتى قال عن نفسه : ( لقد أدبني ربي فأحسن تأديبي ) .

 

كتابة الحديث النبوي

كتب  بعض من الحديث النبوي الشريف في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاشك أن الحديث النبوي الشريف جزء من الوحي ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهـوى " إن هو إلا وحي يوحى "  ولقوله صلى الله عليه وسلم " ألا وإني أوتيت القرآن ومثلـه معه " . ولا شك أن منزله السنة النبوية كمنزلة القرآن ، لأنها مبينة له ، ومفصله لمـا أجمله ، وقد بين القرآن الكريم حق النبي صلى الله عليه وسلم في التحليل والتحريم ، وحقه في الطاعة والاتباع  في آيات كثيرة.. معلومة من أدلها على ذلك قوله تعالى { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}  وقوله تعالى { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم }  .

 

والإيمان بالحديث النبوي الشريف، والسنة المطهرة عموما جزء أساسي في حياة المسلم.. وأساس من أسس العقيدة وفي المقابل فأن رفض السنة المباركة رفض للقرآن الكريم ، وعدم اتباعها عصيان لله الذي أرسله بالهـدى ودين الحق ليظهره على الدين كله كما دلت على ذلك الآيات الكثيرة ، والأحاديث الشريفة المتكاثرة .وسوف نرى من خلال هذا البحث أن الله تعالى قد هيأ لسنة نبيه أسباب الحفظ والصيانة ، وأحاطها بعين عنايتة حتى وصلتنا بيضاء نقية ، ليلها كنهارها، لا يضل عنها إلا هالك  . وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة التفقه في كتاب الله وسنة نبيه فقال : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " ودعا الصحابة الكرام إلى حفظ سنته وفهمها وتبليغها فقال " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ، ثم أداها إلى من لم يسمعها ، فرب حامل فقه لا فقه له ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه "  .

 

ولذلك بذل الصحابة الكرام قصارى جهدهم ، وغاية ما في استطاعتهم لحفظ هذه السنة الشريفة وفقهها ونشرها وإذاعتها وتعليمها ، فلم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصوها وأدوها ، فرووا أقواله وأفعاله وأحواله ، وسيرته في حربه وسلمه وسائر أحواله  وجعلوها واضحة بينة جلية ، حتى كأن الرسول صلى الله عليه وسلم حي يرزق ، يعيش معنا ، ويهدينا سبلنا ، ويبين لنا طريق نجاتنا وسلامتنا.

 

واذا نظرنا الى موضوع كتابة وتدوين احاديث رسول الله  نجد انها دونت في أول مراحلها على عهد رسول الله  وبأمره وقد كتب بعضها في عهد النبي وبعلمه وإذنه وأمره وبعض هذه الأحاديث كتبها صحابة عاشوا مع رسول الله أمثال: عبد الله بن عمرو بن العاص وكان له الصحيفة الصادقة وهو واحد من عدد من الصحابة الذين كتبوا الحديث بأمر رسول الله وكذلك الأمر مع سيدنا علي رضي الله عنه وكذلك أبو هريرة ومن هنا فإن أهل العلم يؤكدون على كتابة أجزاء أساسية من الحديث في عهد رسول الله .

 

ومن أشهر الكتبة للسنة على عهده عليه الصلاة والسلام سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص روى البخاري عن أبي هريرة قال : ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب "  ورواه أحمد  وزاد فيه : واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة عنه فأذن له وإسناده حسن"  .

 

بل أمرالنبي  عبد الله بن عمرو بالكتابة عنه . فروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو نفسه : أنه كان يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت له قريش : تكتب كل شيء ، وهو  بشر يتكلم في الغضب والرضا! فأمسك عن الكتابة ، ثم إنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم  بما قالت له قريش ، فأوما صلى الله عليه وسلم بإصبعه الشريفه إلى فمه الشريف وقال له : ( اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق )   .

 

فاجتمع لعبد الله بن عمرو من ذلك أحاديث كثيرة جمعها في صحف وسماها : الصحيفة الصادقة ، وكان يقول : ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط . فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها" .

 

وكان عبد الله واحداً من الصحابة الكتبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس وحده الذي كان يكتب ، ويتبين ذلك من خلال صيغة الجمع التي تحدث بها في الحديث الذي ورد في سنن الدارمي انه قال : " : بينما نحن جلوس حول رسول الله صلى الله عليـه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله : أي المدينتين تفتح أولاً : قسطنطينية أو رومية ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " لا ، بل مدينة هرقل أولاً )" .

 

وممن كتب الحديث : علي رضي الله عنه ، فقد ذكر البخاري :  أن أبا جحيفة سأل علياً : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلا كتاب الله ، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة . قال : قلت : فما في هذه  الصحيفة ؟ قال : العقل ـ أي الدية ـ وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر"  . ورواه مسلم أيضاً وفيه ذكر أحكام أخرى زائدة : ( المدينة حرم .. ) ، و ( لعن الله من ذبح لغير الله .. ) ،  ورواه النسائي ، وفيه زيادة : " المسلمون تتكافأ دماؤهم ، يسعى بذمتهم أدناهم ) وفي رواية الإمام أحمد له زيادة فرائض الصدقة وأنصبة الزكاة . أفاد ذلك الحافظ في شرح الحديث المذكور ، وهذا يدل على سعة هذه الصحيفة نوعاً ما .

 

وأبو هريرة رضى الله عنه كان لا يكتب في أول الأمر ثم صار يكتب فيما بعدُ ، أو يكتب له يدل على ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر :  أن الحسن بن عمرو بن أمية قـال: تحدثت عند أبي هريرة بحديث ، فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتباً من حديث النبـي صلـى الله عليه وسلم وقال : هذا هو مكتوب عندي  .

 

وروى الدارمي عن أبي هريرة قال : إني لأجزئ الليل ثلاثة أجزاء ، فثلث أنام ، وثلث أقوم وثلث أتذكر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ومما أمر  صلى الله عليه وسلم بكتابته حديث طويل بين فيه أنصبة الزكاة ، يعرف بكتاب عمرو بن حزم ، وفيه أحكام غير أحكام الزكاة ، منها الحديث المشهور : " لا يمس القرآن إلا طاهر".

وفي أنصبة الزكاة أيضاً كتاب أمر صلى الله عليه وسلم بكتابته ، وتوفي قبل إنفاذه ، فحفظ عند أبي بكر الصديق رضى الله عنه ، فعمل به وأمر عماله به.

 

ولما خطب صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة قام رجل من أهل اليمن فقال : يا رسول الله اكتب لي ، فقال صلى الله عليه وسلم : " اكتبوا لأبي شاه "  . فأمرهم بكتابة الخطبة.

والتتبع ينفي الحصر .

واتسع نطاق الكتابة في عصر الصحابة .

وقد ورد عن عمر ابن الخطاب  ، وابنه عبد الله ، وانس ، وابن عباس رضي الله عنهم : قيدوا العلم بالكتاب .

وفي مقدمة سنن الدارمي وكتاب "  تقييد العلم " للخطيب البغدادي آثار كثيرة في الباب . وكلما تقدم الزمن ازدات الكتابة اتساعاً بعد ذلك .

 

ومن المحاولات الرائدة الأولية في جمع السنة جمعاً عاماً ـ لا كتابة ـ المحاولة التى قام بها عبد العزيز بن مروان بن الحكم ـ والد عمر بن عبد العزيز ـ وذلك حين كتب إلى كثير بن مرة الحضرمي الحمصي أن اكتب إلينا بالأحاديث التي سمعتها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أحـاديث أبي  هريرة فإنها عندنا . 

وفي هذا الخبر فوائد ، منها أن عبد العزيز استكتب أحاديث أبي هريرة ـ ومعلوم كثرتها ـ من غير كثير بن مرة هذا ، استكتبها قبل هذه المدة وحصل عليها.

ومنها : أن طريقة تدوين السنة على المسانيد كانت هي الطريقة الأولى .

ومنها : أن عبد العزيز هو السابق لولده عمر بن عبد العزيز في الجمع لا مجرد الكتابة ، مع أن الشهرة في هذه الفضيلة لولده .

ومنها : أن اختيار عبد العزيز لكثير بن مرة هذا كان بسبب قدمه وأسبقيته ، فإن كثيراً قد أدرك بحمص ـ فقط ـ سبعين بدرياً ! وكانت وفاته قبل سنة ثمانين للهجرة.

 

وكل هذه الأخبار ـ وغيرها كثير جداً ـ ترد على أولئك الذين يزعمون بأن السنة جميعها قد دونت في وقت متأخر ، منهم من يقول بعد مئة سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من يقول بعد وفاته بمئتي سنة !!. ومنهم من ينكر صحة تدونيها كليا.

 

والحق أن عمر بن عبد العزيز جاء متمماً لعمل والده ، وعلى نطاق أوسع ، فإنه كتب إلى أبي بكر ابن حزم ، وابن شهاب الزهري أن يكتبا له الحديث المرفوع عامة ، وخص ابن حزم أن يكتب له مرويات القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، ومرويات عمرة بنت عبد الرحمن خاصة. ثم كتب إلى علماء المدينة عامة . ثم كتب إلى الأمصار جميعها .

 

وهكذا يرى المتتبع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ان هذا العلم قد خدم خدمة عظيمة من ناحية توثيق روايته وتحقيق نصوصه ومعرفة رجاله ، وقد شاءت ارادة الله ان يتصدى لهذا الأمر رجال من الصحابة في أول الأمر ، ثم من جاء من بعدهم ، وهكذا يدققون في الحديث ، ويتأكدون من روايته وصحتها ، ويتعرفون على الرجال الذين رووا الحديث ، ثم يحكمون بصحته او عدم صحته ، وحتى في حالة صحته يتأكدون هل هو حديث صحيح ام حسن او ضعيف فيرد ولايدرج ضمن الأحاديث الصحيحة ، وهذا ما يمنح المسلم المتتبع للحديث النبوي الشريف الثقة والطمأنينة في هذا الحديث الذي هو متمم لما جاء في القرآن الكريم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا : " الا اني اوتيت القرآن ومثله معه " وعندما اراد له الله الانتقال الى الدار الآخرة علم الصحابة بمقولته العظيمة : " تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا كتاب الله وسنتي " .

 

            فاللهم اجعلنا ممن يقرأ كتابك ويسير على هدى نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

            والله الموفق وهو الهادي الى سواء السبيل ،،

محمد عبده يماني.. الوزير المنفتح على الجميع
لمفكر محمد عبده يماني.. معالم في دروب العلم والثقافة في مكة المكرمة
الخوف من الفجوة