فاطمة الزهراء.. أم أبيها

هذه السيدة الجليلة، سليلة الأسرة الطاهرة، بنت رسول الله ﷺ، والتي شهد لها بأنها كانت بارة به، وشهد زوجها الكريم رضي الله عنه بأنها كانت مجاهدة وصابرة. وقد سُمّيت بأم أبيها؛ لأن نسل النبي ﷺ في أحفاده قد انحصر في أولادها: الحسن والحسين. وكانت هذه السيدة فاطمة الزهراء من أحب الناس إلى قلبه ﷺ، وكلهم أحباب لديه. ومن يراجع سيرة هذه الإنسانة، فإنما يستعرض جزءًا أساسيًا من سيرة المصطفى ﷺ؛ فقد وقفت معه، وكافحت، وتحملت الأذى، ورعته بعد وفاة أمها الكريمة، السيدة الجليلة خديجة بنت خويلد.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: من هي فاطمة؟ ولماذا سميت بالزهراء؟ ولماذا عرفت بأم أبيها؟ وما هو الدور الذي قامت به رضي الله عنها وأرضاها؟

فاطمة أم أبيها كانت أشبه ما تكون في مشيتها وفي جلستها برسول الله ﷺ، وشهد لها بأنها بضعة منه عليه الصلاة والسلام.[1] وقد ولدت رضي الله عنها وأرضاها في العام العاشر من زواج سيدنا محمد ﷺ والسيدة خديجة، وكان زواجًا مباركًا لأشرف زوجين طاهرين. وقد فرح بها فرحًا كبيرًا، وكان: “يهدهدها ويلاطفها، وكانت فرحة خديجة كبيرة ببشاشته، وهو يتلقى الأنثى الرابعة في أولاده، ولم يظهر عليه غضب ولا ألم؛ لأنه لم يرزق ذكرًا، وكانت فرحة خديجة أكبر حين وجدت ملامح ابنتها تشبه ملامح أبيها، فأدركت أن الله تعالى سوف يتعهدها برعايته وعنايته، لتكون مثلًا لأبيها في خلقه وخُلُقه”.[2]

دخل العباس رضي الله عنه على علي وفاطمة – رضي الله عنهما – وأحدهما يقول للآخر: أينا أكبر؟ فقال العباس: “ولدت يا علي قبل بناء قريش البيت بسنوات، وولدت أنت يا فاطمة وقريش كانت تبني البيت”.[3] وقد استبشر الرسول ﷺ بمولدها، وقال لزوجته خديجة: “يا خديجة، إنها النسمة الطاهرة الميمونة، وأن الله تعالى سيجعل نسلي منها”.[4]

ولهذا كانت مثار اهتمام أبيها، ولا سيما أنها كانت تشبهه كما تقدم ذلك. فقد روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه، فقال: كانت أشد الناس شبهًا برسول الله ﷺ، بيضاء، مشربة بحمرة، لها شعر أسود.[5]

وعن أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: “ما رأيت أحدًا من خلق الله أشبه سمتًا وهديًا ودلًّا، وفي رواية: حديثًا وكلامًا، برسول الله ﷺ من فاطمة” رضي الله عنها وأرضاها.[6] فقد كانت نطفة طاهرة، ونسمة كريمة باهرة، وسيدة فاضلة، أشبه ما تكون بسيد الخلق، وقد ورثت المجد من كل جانب وحازت الفضل.[7] وقد ذكر أصحاب السير أنها سميت بالزهراء؛ لأنها زهرة المصطفى ﷺ، وكانت بيضاء اللون، وكانت دائمة الصلاة في محرابها الذي تجمل وزها بصلاتها فيه.

جوانب من حياة الزهراء

“خرجت فاطمة الزهراء إلى الحياة في بيت من أعرق بيوت قريش؛ فالأب الصادق الأمين لا يدانيه أحد من قريش في شرفه وصدقه وأمانته، والأم ليس في مكة من تدانيها شرفًا وعزة ورفعة.

لقد ارتضى الله تعالى لزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة أن يخرجن إلى دنياهن في أكرم بيت، وأنبتهن سلالة قرشية عريقة أصيلة، ما يعرف العرب أعز منها ولا أنقى. واستقبلهن البيت الكريم استقبالًا لم تظفر بمثله لداتهن، بخلاف معظم البيوتات في مكة المكرمة؛ فقد كان أهلها يستقبلون البنات بوجوه مسودة، وقلوب حانقة؛ لأن الأنثى عندهم كانت بشرى سيئة.

أما في بيت الزهراء، فقد عدَّ الزوجان، سيدنا محمد وخديجة، هذه البشريات الأربع ثمرة طيبة لزواج سعيد قام على المودة الخالصة، وأنه رزق من الله تعالى وهبه لهما، وكانا مضرب المثل الحسن في الرضا بما وهب الله تعالى، وبما منح.

وقد رأى الأب الكريم في بناته الأربع اليانعات صورة لطيفة من زوجته الحنون التي أنسته بحنانها الفياض كل ما ذاق في طفولته من يُتم، وكانت له عوضًا جميلًا عما قاسى من حرمان.

وتجد الأم في بناتها الأربع، فلذات حية من زوجها الحبيب الذي أخذت منذ عرفته بجلال طلعته، وأسرها بنبل شخصيته، وجميل خصاله، فتفتح له قلبها المغلق، وأقبلت على الحياة من جديد، تفتح شهيتها أكثر لهذه الزهرات اللواتي ملأن البيت فرحًا وسرورًا وحبورًا وحيوية.

وإذا كانت البنات الأربع قريبات من قلب الأم، فكلهن فلذات من فؤادها، إلا أن فاطمة اختصت بجزء أكبر من حبها لسببين:

الأول: أنها أصغر بناتها، وهذا حق تفرضه العناية بالصغير.

الثاني: أنها أشبه بأبيها من حيث الجمال والجلال.

درجت البنات الأربع ـ في حياتهن الأولى ـ على ما نعرف من تقاليد البيوت القرشية العريقة، فالتمست لهن الأم ـ واحدة بعد الأخرى ـ خير المراضع، حتى إذا أدركن سن الفطام عدن إلى حضانة الأم التي كانت لهن خير مربية، وقد قيل: كلهن كان لهن مرضعات، ما عدا فاطمة، فقد فازت وحدها بشرف الرضاعة من ثدي أمها خديجة”.

أمضت فاطمة طفولتها سعيدة بحب أبويها وتدليل أخواتها، وبخاصة كبراهن زينب، التي كانت لها بمثابة أم صغيرة.

وقد رافقت هذه السيدة سيرة الدعوة إلى الله، والتي أحيطت بالحيطة والحذر والسرية التامة، خاصة وقد بدأت الدعوة في مكة، مركز دين العرب، وقوم يعبدون الأوثان والأصنام المقدسة عندهم، وقد كان الأمر يحتاج إلى عزيمة وصبر وسرية في بداية الدعوة.

كان النبي ﷺ يضرب بها المثل: “عندما نزل قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، خرج النبي ﷺ ينادي بصوت عالٍ، فخرجت قريش إليه لترى ما الخبر، ووقفت فاطمة ترقب أباها، وما سوف يدور بينه وبين القرشيين من أهله، فقال: “يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، ولا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا، ويا عباس يا بن عبد المطلب، يا عم رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية بنت عبد المطلب، يا عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، ولا أغني عنك من الله شيئًا”.[8]

تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، تعليقًا على هذا الموقف: “وخفق قلب فاطمة حنانًا وتأثرًا، فهمست تقول: لبيك يا أحب والد وأكرم داعٍ.

ثم جمعت نفسها وسارت بين الناس بجرمها الصغير ـ أي بهيكلها وجسمها الصغير ـ اللطيف، مرفوعة الهامة، مشرقة الأسارير، وكأنما ازدهاها أن يختارها أبوها ﷺ من بين أخواتها جميعًا، بل من بين أهل بيته الخاص، ليؤكد للبشر أنه لا يغني من الله شيئًا عن أعز الناس وأحبهم إليه وأدناهم منه”.[9]

لقد بدأ بقريش قومه وقبيلته، ثم ببني عبد مناف عشيرته الأقربين، ثم بعمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم بعمته صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها، ثم كانت ابنته فاطمة هي آخر من يتخذه النبي ﷺ مثلًا في ذلك الموقف الجليل، فعندها إذن ينتهي أقصى ما يبلغه ﷺ في العظة والاعتبار، وإذا كان سيدنا محمد لا يغني عن ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها من الله شيئًا، فهل يطمع غيرها، كائنًا من كان، في أن يغني عنه أحد من الله شيئًا؟ وليست هذه هي المرة الوحيدة التي يضرب بها المصطفى ﷺ بها المثل، تأكيدًا لما يريد نشره وترسيخه في أمته من مبادئ وحدود وأخلاق.

فلقد حدث أن سرقت امرأة من قريش من بني مخزوم حليًا بعد أن أسلمت، وبلغ النبي ﷺ أمرها، وأشفقت قريش أن تقطع يدها، فاستشفعوا النبي ﷺ بغير واحد، ثم كلموا أسامة بن زيد، حب الرسول وابن حبه، وكان المصطفى ﷺ يشفعه، فلما أقبل أسامة ورآه النبي ﷺ، قال: “أتكلمني في حد من حدود الله؟ [10]” وفي رواية: قال رسول الله ﷺ: “أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها “.[11]

وبعدها انصرف القرشيون من الموقف الذي جمعهم فيه المصطفى ﷺ، واطمأنت فاطمة الزهراء أن هذا الموقف قد مر بسلام، هرولت بنت الثامنة مسرعة إلى بيتها، وارتمت في أحضان أمها خديجة رضي الله عنها، والدموع تملأ عينيها من الفرحة، كأني بها والدنيا لا تسعها من فرط سرورها، وربتت الأم على ابنتها حانية، وهي تسمع منها حديثها الفرح، وتألمت الأم في الوقت نفسه، وكأنها كانت تحس بأن نهاية العمر قد اقتربت، وأن فاطمة ما زالت في عمرها الغض، والرسول ﷺ يلاقي وسيظل يلاقي العنت من الكفار والمشركين والمعاندين، مثله مثل أي نبي كان قبله، وسوف تلاقي معه فاطمة مصاعب الدعوة، فهي ابنته التي لا تنفصل عنه، وهي الصغرى التي حظيت بحب أبيها المصطفى ﷺ، وقربها منه، ومرافقتها له.

وأحست الزهراء بفطنتها ما يدور في خلد الأم، وما سوف تلاقيه من العذاب والعنت الذي ينتظرها مع أبيها من أذى قريش وغير قريش من المعاندين، ومن الضاربين بقضية التوحيد عرض الحائط، ومن المتمسكين بأصنام لا تضر ولا تنفع، لمجرد أنهم وجدوا آباءهم على عبادتها عاكفين.

ودار حديث ذو شجون بين أم المؤمنين رضي الله عنها وبين الزهراء الطاهرة، اطمأنت فيه الأم على مدى صبر ابنتها على المعاناة، فقد بدأت تحتمل العذاب بقدر ما استأثرت به من الحظ الأوفى في محبته وإعزازه.

وقد تزوجت بسيدنا علي رضي الله عنه، وكان زواجًا مباركًا ميمونًا، ومشى بها النبي ﷺ إلى بيت علي بن أبي طالب، وتم الزواج المبارك، ودعا لهما: “اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما، اللهم إنهما من أحب الناس إلي، فأحبهما وبارك في ذريتهما، واجعل عليهما منك حافظًا، وأعيذهما بك وذريتهما من الشيطان الرجيم”.[12]

وعندما رزقا بالحسن والحسين وبقية أولادهما، كان الجميع يتمتعون بحب النبي ﷺ؛ فقد أحب فاطمة، وأحب زوجها علي بن أبي طالب، وأحب أولادهما بنين وبنات.

وقد اعتبر أهل العلم أن فاطمة الزهراء هي رأس أهل بيت رسول الله ﷺ: قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33].[13] وفي أسباب النزول قيل إن هذه الآية نزلت في خمسة: في النبي ﷺ، وعلي كرم الله وجهه، وفاطمة رضي الله عنها، والحسن والحسين رضي الله عنهما.[14]

وروى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “إن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها ، إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: الصلاة يا أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا”.[15]

وقال ابن جرير عن سعد رضي الله عنه: “أن رسول الله ﷺ قام حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليًا وابنيه وفاطمة رضي الله عنهم، فأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: رب، هؤلاء أهلي وأهل بيتي”.[16]

كيف نحب الزهراء وآل بيت رسول الله ﷺ؟

إن هذه السيدة الفاضلة رضي الله عنها تستحق منا كل حب وتقدير؛ لأنها بنت رسول الله، ولأنها المجاهدة الصابرة التي صبرت على الكثير من الأذى مع أمها الشريفة الفاضلة في الشعب وبعد الشعب، وفي أذى قريش؛ لأنها بنت رسول الله ﷺ الذي ينقطع كل نسب يوم القيامة إلا نسبه وصهره، فقد قال عليه الصلاة والسلام: “كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري”.[17]

وقد نبه إلى حبها وخطورة بغضها يوم قال ﷺ: “والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار”.[18]

ومن هنا فإن حب الزهراء رضي الله عنها وأرضاها وبنيها وآل البيت جميعًا قضية أساسية ومسألة إيمانية، فهذا رسول الله ﷺ يقول: “تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي”.[19] فهل نخلف رسول الله ﷺ إلا بالحب والتقدير والاحترام والإجلال لآل بيته الكرام رضوان الله عليهم جميعًا، ولهذه السيدة الفاضلة البتول النبيلة رضي الله عنها وأرضاها؟ نحبها؛ لأن الله عز وجل أحبها، ورسول الله ﷺ أحبها، وعلمنا وأمرنا بحبها.

وهذا رسول الله ﷺ يوصينا في الحديث الصحيح الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنه عن النبي ﷺ: “أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي”.[20] ومن هنا كانت قضية الحب قضية أساسية في الله ولله، ولكنها مسؤولية كبيرة يتحسب الإنسان لها، ويتحسب لإيمانه عندما تأتي في مجال حب آل بيت رسول الله ﷺ وهذه السيدة الجليلة رضوان الله عليهم.

وهذه المحبة خاصة تحتاج إلى ميزان عدل ووعي ومسؤولية بأبعاد هذا الحب، فنحن عندما نحب آل بيت رسول الله ﷺ نحرص على أن نجعلهم القدوة والأسوة بالنسبة لنا، وعندما نحبهم لا بد أن نعرف أين نقف من ميزان الشرع الحنيف، فنحب هؤلاء لحبنا لرسول الله ﷺ الذي ينطلق بنا إلى حبنا لله؛ لأن الله أمرنا ووضح لنا عز وجل أننا إذا كنا نحب الله فعلينا أن نتبع رسول الله ﷺ، وبالتالي نتبع عترته الطاهرة الشريفة وصحابته الكرام البررة الذين نقلوا إلينا هذا الدين العظيم، وعلمونا أن نعض عليه بالنواجذ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}.[21]

ومن هنا فالقضية إيمانية حساسة تحتاج منا إلى أننا في الوقت الذي نقبل فيه على حب آل البيت بكل جوارحنا وبعقولنا وبقلوبنا، لا بد أن ندرك أن هناك مسؤولية تستدعي أن نقف عند حدود الله عز وجل، وأن نكرمهم ونجلهم بما يستحقونه، وألا نزيد عن ميزان الشرع، وألا نخل بالآداب، ولا نتنكب عن طريق الصواب.

ففي الوقت الذي نحبهم ونحب كل من أحبهم رسول الله ﷺ معهم، ونؤدي حقوق الله المطلوبة، لا بد أن نقف عند حدود الشرع الحنيف، ونلتزم بآداب المصطفى ﷺ، فلا نظلم ولا نغلو ولا نتجاوز حدود هذا الشرع، ونحترم آل بيت رسول الله ﷺ، وصحابة رسول الله ﷺ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحترم ونجل كل مؤمن مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فضلًا عن خلفاء الأمة وصحابتها الكرام وفضلائها وأوليائها الصالحين.

والسيدة فاطمة هي سيدة فقيهة فاضلة، لها باع طويل في الدعوة إلى الله لا ينكر، وفي نقل الدين والتفقه بالقرآن والسنة، وقد تولت قضية التربية في الدرجة الأولى. ولهذا عندما نتحدث عن فقهها كنصوص نجد أن هناك مواقف محدودة تعرضت فيها لبعض القضايا الفقهية، إلا أنها كانت تنظر بنور الله عز وجل وما أكرمها الله سبحانه وتعالى به من علم وفقه لقربها من رسول الله ﷺ.

أما وصيتها قبل وفاتها، فقد حرصت عندما أحست بقرب رحيلها وانتقالها إلى الرفيق الأعلى، ولم يطل مرض الزهراء رضي الله عنها الذي توفيت فيه: “ولم يطل مقامها في الدنيا كثيرًا بعد وفاة المصطفى ﷺ، وقد اختلفت المرويات في تحديد تاريخ وفاتها، فقيل في الثالث من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل توفيت لعشر بقين من جمادى الآخرة، وقيل ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، وعن ابن عباس في الحادي والعشرين من رجب. وقد قال المدائني والواقدي وابن عبد البر في الاستيعاب، أنها توفيت ليلة الثلاثاء يوم الاثنين من شهر رمضان سنة إحدى عشرة من الهجرة”.[22]

وتوفيت وهي بنت تسع وعشرين سنة. وقيل كانت قبل وفاتها فرحة مسرورة لعلمها باللحاق بأبيها الذي بشرها أن تكون أول أهل بيته لحوقًا به.[23]

وسرى الخبر في مدينة رسول الله ﷺ، واجتمع الناس مقبلين إلى علي كرم الله وجهه وهو جالس، والحسن والحسين رضي الله عنهما بين يديه يبكيان، فبكى لبكائهما، والناس جالسون يسترجعون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلوا عليها، فخرج أبو ذر الغفاري، وقال: انصرفوا، فإن ابنة رسول الله ﷺ قد أُخِّر إخراجها هذه العشية، فقام الناس وانصرفوا.

كانت وصيتها رضي الله عنها أن تدفن ليلًا بالبقيع كما ذكرنا. وحملت الزهراء رضي الله عنها إلى مثواها الأخير، في نعش صنعته لها أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وهي أول من حملت في نعش، وأول من لحقت بالنبي ﷺ من أهله.[24]

حملت فاطمة الزهراء بين دموع العيون، وأحزان القلوب، وصلى عليها علي كرم الله وجهه، ونزل في قبرها، ثم وقف على حافة القبر يؤبنها بكلمات تنم عن قلب مفعم بالأحزان على فراقها.

فضم ثرى طيبة جثمان الطاهرة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، كما ضم جثمان أبيها المصطفى ﷺ وأخواتها الثلاث: زينب ورقية وأم كلثوم رضي الله عنهن.

وعاد علي كرم الله وجهه، محزون القلب، دامع العين، بعد وداع الحبيبة الراحلة، رجع إلى البيت فاستوحش فيه، ثم أحس أن الدنيا على زوال، وقد أثرت فيه وفاة المصطفى ﷺ ثم وفاة الزهراء رضي الله عنها، فأنشد قائلًا:

أرى علل الدنيـا عليَّ كثيـرةً

وصاحبها حتى الممات عليـلُ

لكل اجتماع من خليلين فرقةٌ

وكل الذي دون الفـراق قليلُ

وإن افتقادي فاطمًا بعد أحمـدٍ

دليلٌ على ألا يـدوم خليـلُ[25]

وختامًا، فهذه لمحات عن السيدة فاطمة الزهراء، ابنة سيد الأولين والآخرين ﷺ، وأنها أفضل نساء هذه الأمة، وكانت من أحب أولاده عليه الصلاة والسلام وأخصهن عنده، وأكثرهن شبهًا له. رضي الله عنها، كانت زاهدة في الدنيا وزينتها، وهي آخر من توفي من أولاده ﷺ، وأول أهل بيته لحوقًا به. رضي الله عنها وأرضاها.

الحواشي :

[1] ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة كانت أشبه الناس بالنبي ﷺ في سمتها وهديها ودلها، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبّلها وأجلسها في مجلسه. رواه أبو داود، السنن، رقم 5217، والترمذي، السنن، رقم 3872، وقال الترمذي: “حسن غريب”. كما ورد في المستدرك للحاكم بلفظ قريب.

[2] من كتاب : ” انها فاطمة الزهراء ” ، محمد عبده يماني

[3] ورد هذا الخبر في كتب تراجم فاطمة وأخبار مولدها، ومنه ما نقله محب الدين الطبري في ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، كما أوردته مصادر لاحقة عن أبي جعفر الإمام محمد بن علي الباقر .

[4] خبر “النسمة الطاهرة الميمونة” مشهور في بعض كتب أخبار ولادة فاطمة، وليس من الأحاديث المخرجة في الصحيحين. وقد ورد في مصادر متأخرة بأسانيد مختلفة.

[5] أورد الحاكم في المستدرك خبر أنس في صفة فاطمة رضي الله عنها، وفيه أنها كانت شديدة الشبه برسول الله ﷺ، بيضاء مشربة بحمرة، لها شعر أسود. وانظر أيضًا ما نقله أهل التراجم في هذا الباب.

[6] الحديث ثابت عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: “ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا وهديًا ودلًّا ـ وفي رواية: حديثًا وكلامًا ـ برسول الله ﷺ من فاطمة”. رواه أبو داود رقم 5217، والترمذي رقم 3872.

[7] من كتاب : ” انها فاطمة الزهراء ” ، محمد عبده يماني.

[8] أصل الحديث ثابت في الصحيحين ضمن حديث إنذار النبي ﷺ عشيرته، ومن ألفاظه: “يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا”. وهو من حديث أبي هريرة وغيره. والآية في سورة الشعراء، الآية 214.

[9] عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، بنات النبي، في حديثها عن فاطمة رضي الله عنها.

[10] رواه البخاري في صحيحه في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، وفيه أن أسامة بن زيد شفع فيها، فقال له النبي ﷺ: “أتشفع في حد من حدود الله؟”. ثم خطب فقال: “والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”. صحيح البخاري، رقم 4304.

[11] ورد هذا المعنى في روايات صحيحة عن النبي ﷺ، منها روايات البخاري، ومن أشهرها: “وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”. صحيح البخاري، رقم 3475 و4304.

[12] أصل الدعاء ثابت في خبر زواج علي بفاطمة رضي الله عنهما، ومن ألفاظه: “اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما”. أخرجه النسائي في السنن الكبرى رقم 10088، والدولابي في الذرية الطاهرة، وابن سعد في الطبقات الكبرى 8/21، وحسّن إسناده عدد من أهل العلم.

[13] سورة الأحزاب، الآية 33.

[14] ثبتت أحاديث الكساء في فاطمة وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم، ومن أشهرها حديث أم سلمة عند الترمذي رقم 3871، وفيه أن النبي ﷺ جللهم بكساء وقال: “اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا”، فقالت أم سلمة: “وأنا معهم يا رسول الله؟” فقال: “إنك إلى خير”. وقال الترمذي: “هذا حديث حسن “. كما ورد حديث عمر بن أبي سلمة في سبب نزول الآية.

[15] رواه الترمذي في سننه رقم 3206 عن أنس بن مالك، وقال الترمذي: “هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه”. وقد صححه الحاكم على شرط مسلم.

[16] أصل قصة أخذ النبي ﷺ عليًا والحسن والحسين وفاطمة وإدخالهم تحت الكساء ثابت من طرق متعددة، ومنها حديث سعد بن أبي وقاص في المستدرك للحاكم، وفيه: “فأخذ عليًا وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: رب هؤلاء أهل بيتي”.

[17] ورد حديث “كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري” من طرق، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 4564 بلفظ “كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري”.

[18] ورد هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومن ألفاظه: “والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار”. أخرجه ابن حبان في صحيحه رقم 6978، والحاكم في المستدرك، وحسّن إسناده شعيب الأرناؤوط.

[19] رواه الترمذي في سننه رقم 3786 عن جابر بن عبد الله بلفظ: “إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي”، وقال الترمذي: “حسن غريب”. وقد صححه بعض أهل الحديث بمجموع طرقه. أما الرواية الأطول التي فيها: “وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما”، فقد وردت من طرق أخرى، وحسّن بعض أهل الحديث بعض طرقها.

[20] رواه الترمذي في سننه رقم 3789 عن ابن عباس رضي الله عنهما، بلفظ: “أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي”، وقال الترمذي: “حسن غريب”.

[21] سورة آل عمران، الآية 31.

[22] اختلفت الروايات اختلافًا كبيرًا في تاريخ وفاة فاطمة رضي الله عنها،. وقد ذكرت المصادر أقوالًا متعددة في سنة الوفاة وشهرها ويومها. كما تختلف الروايات في عمرها عند الوفاة.

[23] ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ أخبر فاطمة أنها أول أهل بيته لحوقًا به، فبكت ثم ضحكت عندما أخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين. رواه البخاري ومسلم، وجاء أصل القصة أيضًا في الترمذي رقم 3872.

[24] خبر الدفن ليلًا ثابت في الجملة في المصادر التاريخية، أما تفاصيل النعش الذي صنعته أسماء بنت عميس، وكونها أول من اتخذ لها نعش على هذه الصفة، ورد في كثير من كتب الآثار والسير.

[25] الأبيات مشهورة منسوبة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه في رثاء فاطمة، وقد وردت في كتب الأدب والتاريخ بألفاظ متقاربة، منها: “أرى علل الدنيا عليَّ كثيرة، وصاحبها حتى الممات عليل، لكل اجتماع من خليلين فرقة، وكل الذي دون الفراق قليل، وإن افتقادي فاطمًا بعد أحمد، دليل على أن لا يدوم خليل”. وقد رويت في تاريخ دمشق وغيره، مع اختلاف في الألفاظ والأسانيد.