من هم عباد الرحمن..؟ وكيف أمنوا على أنفسهم..؟ وما هي صفاتهم..؟ وكيف يمكن للناس أن تسلك هذا المسلك؟ وكيف تؤمن على نفسها مع الله عز وجل؟ فتكون معه وقريبة منه، ثم تؤمن على نفسها من الشيطان، وكيف يكون هذا التأمين؟ ودعونا أولاً نعرف من هم عباد الرحمن..؟ سؤال يتردد كثيرًا على الإخوة، فطالما سمعت عن بعض الإخوة الذين نلتقى بهم بين وقت وآخر، وهم يتساءلون عن هذه الفئة الكريمة التي سماها القرآن الكريم بهذا الاسم المشرق الوضاء، وأضافهم الله تعالى إلى اسم من أعظم أسمائه الحسنى، “عباد الرحمن” فأكرمهم وأعلى ذكرهم ومقامهم، وجعلهم عبرة وأسوة للصالحين على تتابع الدهور وكر العصور، ودعا عباده إلى الدخول في زمرتهم، والتشبه بأخلاقهم العظيمة، وصفاتهم الكريمة هذه الصفات التي رفعتهم حتى بلغوا أرفع درجات المتقين، فتولاهم الله بعنايته وحفظه، فلا يتسلط عليهم شيطان، ولا يميل بهم الهوى ذات اليمين أو ذات الشمال.. وهم أعلى الناس منزلة في الجنة الذين قال الله تعالى فيهم: «أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر»[¹].
إن صفة عباد الرحمن ذكرت في القرآن مرتين، مرة صفة للملائكة في سورة الزخرف: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ﴾ [الزخرف: 19] ومرة في سورة الفرقان، وقد جاء الحديث عنهم مفصلاً فيها، حيث ذكرت صفاتهم فيها في أربع عشرة آية من أواخر السورة، وهي صفات جامعة لصفات الإسلام والإيمان والإحسان، حتى صاروا مثلاً للصالحين، ومطمحًا للمشمرين.
وإذا قرأنا هذه الصفات كما تحدثت عنهم الآيات الأخيرة من سورة الفرقان فسوف نرى أنها صفات عالية فريدة، وقد جمعت بين صفات المتقين وصفات الأبرار وصفات المحسنين، وزادت عليها جميعًا. ولم نقرأ للمؤمنين في كتاب الله وصفًا يبلغ هذا المبلغ من التنوع والتعدد في الصفات، ولا يبلغ هذا العدد الكبير من الآيات والكلمات. فحيثما ذكر المتقون أو الأبرار أو المحسنون فإن ذكرهم لا يستغرق في غالب الأحوال إلا آية أو آيات قليلة. أما عباد الرحمن فقد أفاض القرآن في ذكر صفاتهم حتى بلغت ثلاث عشرة صفة، وكل صفة لم تذكر صراحة فهي متضمنة في هذه الصفات، إما أن تكون أصلاً لها، أو فرعًا عنها. فما هي هذه الصفات التي استحقوا بها أن يسميهم الله تعالى باسم عباد الرحمن.؟
تقول الآية الأولى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].
1. فهم مذكورون في هذه الآية الكريمة بصفتين كريمتين، فهم متواضعون في مشيهم ومظهرهم وعشرتهم، لا يستكبرون ولا يتعالون ولا يختالون، ولا يبطرون بالنعمة، بل يشكرون عليها. والأصل في تواضعهم أنه لله الذي يأمر عباده بالتواضع وخفض الجناح ولين الجانب؛ لأن التواضع للخلق تواضع للخالق الذي خلقهم ورحمهم وأنعم عليهم بنعمه الكثيرة ودعاهم إلى الإيمان به، ودخول جناته. وهي صفة الأنبياء والصالحين في كل الأمم والصفة التي دعا الله إليها أحب خلقه إليه، وخاتم رسله فقال له: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]. ومن أبرز صفات هذه الأمة التي هي خير الأمم على الإطلاق، والموصوفة بالتواضع في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. وهي موصوفة بالتواضع في قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54].
فعباد الرحمن يمشون بهدوء وسكينة ووقار وطمأنينة وثقة بالله، ومراقبة له، ويبتعدون عن صفات الجبارين والمتكبرين والمختالين الفخورين الذين يبغضهم الله؛ لأنهم يغترون بأنعم الله فيمشون بغطرسة واستكبار، ويصعرون خدودهم للناس.. والله لا يحب كل مختال فخور. أما عباد الرحمن فإنهم يعلمون أن التكبر لا يليق بعباد الله الصالحين، وأنه أول معصية عصي بها الله تعالى حين أبى الشيطان واستكبر أن يسجد لآدم فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]. فهم أبعد الناس عن التكبر. وقد بدأت الآيات بذكر صفة التواضع والسكينة والوقار دلالة على عظيم أهميتها، وأنها من أخص صفات المؤمنين، وأهم صفات عباد الرحمن على وجه الخصوص، بل هي جماع صفات الخير. وقد قيل: يجزئ قليل الورع عن كثير العمل، ويجزئ قليل التواضع عن كثير الاجتهاد.
2. والصفة الثانية من صفات عباد الرحمن أنهم إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا. وهي صفة مناسبة للصفة الأولى ومتممة لها. فهم بين المؤمنين الصالحين متواضعون رحماء، فإذا خالطوا الجاهلين أو مروا بهم فصادفوا منهم تطاولاً بالقول، أو تكبرًا على الحق، أو سمعوا ما يغيظهم، وتضيق به صدورهم من جهالة الجاهلين، وسفاهة المغرورين فإنهم يقابلون ذلك بالترفع عن مجاراتهم ويملكون أنفسهم عن ثورة الغضب، ويقطعون طريق الفتنة والخصومة بالقول اللين، وبيان الخطأ بالحكمة والرأي السديد، عملاً بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. والاعتذار عن المجادلة والمخاصمة بما يسد على الجاهلين الطريق، فلا يقولون إلا خيرًا. فإن لم يروا استجابة للحق وتراجعًا عن الخطأ سارعوا إلى إلقاء التحية على الجاهلين لعلهم يندمون ويشعرون بخطئهم فيعتذرون. وبذلك لا تنقطع الصلة بينهم وبينهم، ويبقى الطريق مفتوحًا لمحاورتهم ودعوتهم وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر. وذلك غاية الحكمة والسداد، وبذلك يكون الدفع بالتي هي أحسن سبيلاً إلى الإصلاح واللقاء، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
3. أما صفتهم الثالثة فإنهم ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64].
وهي صفة دالة على اجتهادهم في طاعة الله، وتقربهم إليه بالصلاة وسائر الطاعات من صيام وذكر وتلاوة وصدقات.. فهم يتهجدون في الليل. وهي صفة المؤمنين الصادقين، الذين يتقربون إلى الله بالنوافل، استجابة لدعوة الله إذ حثهم على ذلك بقوله في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»[²]. وقد وصف الله تعالى عباده المحسنين بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18]. فعباد الرحمن إذا جن عليهم الليل لم يصرفوه باللهو واللغو والتسلية، بل في مناجاة ربهم والتقرب إليه بأحب الطاعات وأعظم القربات، بالصلاة التي جعلها الله شعار الصالحين. فتراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا. يطيلون القيام والقراءة ويكثرون التسبيح والتحميد والاستغفار والدعاء، ويسألون الله من فضله، ويرجون عفوه ومغفرته ورضوانه ورحمته، ويتذللون له ويثنون عليه، وهم يعلمون أنه قريب مجيب، يسمع دعاءهم، ويرى أعمالهم، ويعلم ما في قلوبهم. وهؤلاء يجدون لذة الخشوع، وحلاوة المناجاة وما يملأ قلوبهم طمأنينة وأنسًا، ورضًا وسعادة وأمنًا وإيمانًا. وتصير السجدة الواحدة لله أحب إليهم من الدنيا كلها. وقد أثنى الله تعالى على فريق من المؤمنين بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 16-17]. وتلك هي بعض صفات عباد الرحمن.
4. أما الصفة الرابعة من صفات عباد الرحمن فإنهم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65].
وهذا من كمال عبوديتهم، وخشيتهم لله. فإن العبد كلما ازدادت تقواه لربه وقربه ازدادت خشيته منه، وخوفه من عذابه. وقد وصف الله تعالى طائفة من عباده بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ . إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: 27-28]. وقال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]. إن عباد الرحمن يخشون الفتنة عن دينهم، ويخشون أن لا تقبل أعمالهم، وأن لا تكون أعمالهم كافية لنجاتهم من عذاب النار. ويخشون على أنفسهم من الذنوب، وأن تمسهم النار فيدخلوها ولو لفترة وجيزة. فإن عذابها لا يطاق ولا يحتمل لحظة واحدة، فكيف إذا كانت لهم فيها إقامة ومكث..؟! وأشد من ذلك أن تكون جهنم مستقرًا دائمًا لمن كفر بالله. فهم يخشون أن تزيغ قلوبهم، أو أن يفعلوا فعلاً يوجب لهم الخلود في نار جهنم. فيقولون في دعائهم: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: 66]. وهذا شأن الأنبياء والصالحين الراسخين في العلم وأهل الإيمان الصادق. فإنهم يخشون ربهم غاية الخشية، ويسألون الله السلامة من النار. فيقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]. ويقولون وهم يتفكرون في خلق السموات والأرض: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: 191-192]. وهكذا تبقى النار هاجسًا مخيفًا للمؤمنين حتى يعبروا الصراط ويخلفوا جسر جهنم وراء ظهورهم. فهي من باب أولى هاجس عباد الرحمن ودعاؤهم المتجدد ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. وهو خوف إيجابي، يدفع إلى مزيد من التقوى والعمل الصالح.. وثقة في الله وفي عطفه ورحمته.
للحديث بقية إن شاء الله …..
الحواشي:
[¹] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، حديث رقم (3244). ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفة الجنة وأهلها، حديث رقم (2824).
[²] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم (6502).
