هذا حديث عن سيدنا وحبيبنا رسول الله ﷺ، في هذا الشهر الذي ولد فيه خير البرية في مكة المكرمة، وبجوار الكعبة، فما أجمل أن نعود بين وقت وآخر إلى السيرة النبوية، وننهل من مناهلها العذبة، ونستروح نسائمها العطرة، ونستعرض تلك الجوانب المشرفة ونصل الناشئة بها، ونعلمهم ونأخذ بأيديهم إلى محبة رسول الله ﷺ.
ومن ينظر بعمق في حياة الرسول الكريم والنبي العظيم والمراحل التي مر بها في حياته يجد أنه من الممكن أن نقسمها إلى ثلاث مراحل:
1 ـ من ولادته إلى بعثته.
2 ـ من بعثته إلى الهجرة.
3 ـ من الهجرة إلى الوفاة.
ودعونا نستعرض هذه المراحل:
فالمرحلة الأولى هي مرحلة ولادته في مكة المكرمة: أحب البقاع إلى الله، وأكرم البلاد على الله، وهي البلد الحرام، وفيها البيت الحرام، وفيها زمزم والمقام.¹
ولد في أشرف البيوت وأكرم الأنساب. أخرج الترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.²
وأخرج الإمام مسلم عن واثلة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». زاد ابن حبان في آخره: «فأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول شفيع».³
روى ابن سعد في الطبقات عن علي بن حسين أن النبي ﷺ قال: «إنما خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم، لم يصبني من سفاح أهل الجاهلية شيء، ولم أخرج إلا من طهرة».⁴
وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح».⁵
وعن عائشة: «خرجت من نكاح غير سفاح».⁶
وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه».⁷
فلما كانت ولادته، وجاءت المراضع إلى مكة، أخذته حليمة السعدية، فأرضعته في بادية بني سعد، وقد رأت في أخذه ورضاعته من البركة والكرامات ما تفيض به كتب السيرة، ثم جرت حادثة شق صدره الشريف، فخافت حليمة عليه، فأتت به أمه، وأخبرتها بذلك بعد إلحاح.⁸
عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؟ قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينما أنا مع أهلي في بهم لنا، أتاني رجلان بثياب بيض، ومعهما طست من ذهب مملوء ثلجًا، فأضجعاني فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي، فغسلاه، ثم جعلا فيه حكمة وإيمانًا».⁹
فلما سمعت أمه من حليمة ذلك قالت: أتخوفت عليه من الشيطان؟ قالت: نعم. قالت آمنة: كلا والله، ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لابني لشأنًا، أفلا أخبرك خبره؟ قالت: بلى. قالت آمنة: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام. ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولادته وإنه لواضع يديه بالأرض، رافعًا رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة.¹⁰
وتوفيت أمه وعمره ست سنوات، ودفنت بالأبواء. وظل النبي ﷺ بعد وفاتها بكفالة جده عبد المطلب، وكان عبد المطلب أطول الناس قامة، وأحسن الناس وجهًا، وكان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، وكان يُجلس النبي إلى جانبه على فراشه ويقول: إن لابني هذا لشأنًا، وتوفي عبد المطلب وعمره ثمان سنوات، وكان قد عهد بكفالة حفيده محمد ﷺ إلى عمه أبي طالب.¹¹
تروي بعض كتب السيرة أن عمه أبا طالب خرج به إلى الشام في تجارة، ومعه أشياخ من قريش، حتى وصلوا إلى بصرى، فخرج إليهم الراهب بحيرا، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، فلما رآهم وهم يحلون رحالهم جعل الراهب يتخللهم، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ، قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ قريش: وما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدًا، ولا تسجد إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، إنا نجده في كتبنا، ثم رجع وصنع لهم طعامًا، وسأل أبا طالب أن يرده إلى مكة ولا يقدم به إلى الشام خوفًا عليه من اليهود، وعمره بضعة عشرة سنة.¹²
وحضر حلف الفضول وعمره خمس عشرة سنة، حيث اجتمع بنو هاشم وبنو المطلب وأسد بن عبد العزى وزهرة ومخزوم، وتعاهدوا أن لا يجدوا مظلومًا إلا نصروه، وقد قال ﷺ: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت».¹³
ولما بلغ خمسًا وعشرين سنة خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة بنت خويلد. وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال، وبلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فبعثت إليه، فعرضت أن يخرج بتجارتها وتعطيه أفضل مما تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبل النبي ﷺ، وخرج بتجارتها، وأخدمته ميسرة، وذلك قبل النبوة بخمسة عشر عامًا.¹⁴
ولما رجع إلى مكة ورأت خديجة في مالها من البركة والربح ما لم تر قبل هذا، وحدثها غلامها ميسرة بما رأى فيه ﷺ من فكر راجح ومنطق صادق وأمانة عظيمة وشمائل كريمة، فوجدت ضالتها، وكان السادات والرؤساء يخطبونها وتأبى، فأرسلت نفيسة بنت منية إليه لتفاتحه برغبة خديجة في الزواج منه، ففاتحته، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عمها وخطبوها إليه، وأصدقها عشرين بكرة، وكان عمرها أربعين سنة، وكانت أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلًا وكمالًا.¹⁵
ولما صار سنه خمسًا وثلاثين، وقامت قريش ببناء الكعبة، واختلفوا من يضع الحجر الأسود في مكانه، واشتد الخلاف حتى كاد يصل إلى الحرب والقتال. وأخيرًا اتفقوا أن يحكموا أول داخل عليهم من الباب، فكان النبي ﷺ أول داخل، فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين، هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد.
فبسط رداء، ووضع الحجر الأسود في وسطه، وطلب من الرؤساء أن يمسك كل بطرف ويحملوه جميعًا، وعندما رفعوه إلى مكانه أخذه بيده الشريفة ووضعه مكانه، وهذا حل حصيف رضي به القوم.¹⁶
فمحمد ﷺ جمع في نشأته خير المزايا وأكرم الشمائل، وكان طرازًا رفيعًا من الفكر الصائب والرأي السديد، مع حسن الفطنة وسداد الوسيلة والهدف. فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عريكة، وأعفهم نفسًا، وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة، حتى سماه قومه الأمين، وكما قالت خديجة رضي الله عنها: «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».¹⁷
وكان ﷺ محبوبًا عند الجميع، صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، وموثوقًا به في قريش ومن دخل فيها كافة.
ولما نزل الوحي وأصبح محمد ﷺ نبيًا رسولًا، ودعا قومه إلى الإيمان بالله وحده ونبذ عبادة الأصنام، هنا كان الفيصل، فدخل أبو بكر في الإسلام، وهو صاحبه قبل الإسلام، ويعرف عنه الكثير والكثير، وقد قال ﷺ: «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر».¹⁸
واستجابت السيدة خديجة لما تعلم من صدقه وأمانته، ودعوته، وما علمته من ورقة بن نوفل. واستجاب مولاه زيد بن حارثة لما يعلم من صدقه واستقامته وحسن أخلاقه وكريم شيمه. واستجاب علي بن أبي طالب، الذي نشأ في بيت النبي ﷺ، وهو يعرف عنه ما لا يعرفه غيره.
ووقف أبو لهب، عمه، الذي أعتق ثويبة عندما بشرته بولادة محمد ﷺ، أسوأ المواقف، ولم يترك سبيلًا لإيذائه إلا فعله، وكانت زوجته حمالة الحطب من أشد الناس إيذاءً لرسول الله ﷺ، تخرج إلى الفلاة وتأتي بالشوك لتضعه في طريق النبي ﷺ.¹⁹
وأسلم بلال، فلقي من الأذى ما تنوء به الجبال، وكان يعذب وهو يقول: أحد، أحد، فيقول له النبي: «أحد ينجيك» كما ورد في كتب السيرة ، فكان يُحمى الحديد في النار ويُكوى به جسمه، وكانوا يضعونه على الرمل الحار ويضعون الصخرة على بطنه.²⁰
وأسلم ياسر بن عمار وزوجته سمية وابنه عمار، فلقوا من التعذيب والإهانة ما يفتت الأكباد، وكان النبي ﷺ يمر بهم فيقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة»، وأستشهد ياسر ثم أعقبته سمية تحت العذاب، فكانت أول شهيدة في الإسلام.²¹
ولما جهر رسول الله ﷺ بالدعوة جاء أشراف قريش إلى أبي طالب، فقالوا: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافة، فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا، وردهم ردًا جميلًا.²²
ولما جاء موسم الحج، فرأت قريش أنه لا بد من كلمة تقولها للعرب في شأن محمد، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة، قالوا: أجمعوا على رأي واحد، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا. قالوا: نقول: كاهن. قال: لا والله، ليس بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة (التمتمة) الكاهن ولا سجعه. قالوا: نقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، وليس فيه شيء من هذا، لقد عرفنا الجنون، ما هو بخنقه ( غصة ) ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: نقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وقريضه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمعذق ( كثير الفروع )، وإن أعلاه لمثمر، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر جاء بقول يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك.²³
وفي الواقع أن كفار قريش لم يتركوا بابًا من السوء والأذى إلا ولجوه، ولم يتركوا سبيلًا إلا سلكوه، وقد حكى القرآن بعض ما قالوا: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾، وقال الكافرون: هذا ساحر كذاب. وقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.²⁴
أما ما آذوه به من الأفعال القبيحة فكثير جدًا، فمن ذلك ما رواه البخاري أن عقبة بن أبي معيط جاء بسلا جزور، فوضعه على ظهره وهو يصلي، وروى ابن هشام أن عقبة وطئ على رقبته الشريفة وهو ساجد، فأمسك عقبة بن أبي معيط مرة بتلابيبه، ووضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، ولم يجرؤ أحد على فكه منه، حتى جاء أبو بكر وأخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فكان ردهم على أبي بكر أنهم ضربوه حتى تورم وجهه، وحمل إلى البيت ولا يظن إلا أنه قد مات، والقصة في ذلك طويلة.²⁵
وفي السنة العاشرة من النبوة ماتت خديجة، ومات أبو طالب، فاشتد الأذى على رسول الله ﷺ، وخرج إلى الطائف، فلقي من زعماء الطائف أشد ما لاقى من أهل مكة، وكان معه زيد بن حارثة، ولما خرج من الطائف أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع الناس، فوقفوا صفين، يرمونه بالحجارة وبكلمات السفه، ورجموا عراقيبه حتى أدموه، وكان زيد يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء حتى ألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف، فجلس فأوى إلى ظل إلى جانب شجرة، ودعا بالدعاء المشهور: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أم إلى بعيد ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي سخطك، أو ينزل بي عذابك، لك العتبى حتى ترضى».²⁶
فنزل جبريل وقال: يا محمد، إن الله يقرئك السلام، وقد أرسل لك ملك الجبال لتأمره بما تريد. فتقدم ملك الجبال فقال: يا محمد، إن الله يقرئك السلام، وقد أمرني أن أطيعك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (جبلين) لفعلت. والجبلان: أبو قبيس وقيقعان.
قال النبي ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا».²⁷
«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، أو اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون». وهنا تجلت شخصية الرسول ﷺ في الحلم والعفو والرأفة والرحمة.
وعاد رسول الله ﷺ، فدخل مكة في جوار المطعم بن عدي.
ولم يكتف كفار قريش بكل ما فعلوا ويفعلون، فإنهم تداعوا إلى ندوتهم يتداولون ماذا يفعلون بمحمد؟ وحضر معهم إبليس في هيئة شيخ نجدي ، قال أبو الأسود: نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، قال الشيخ النجدي: ما هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، فسقط الرأي. قال أبو البختري: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء، قال الشيخ النجدي: ما هذا برأي، سيخرج أمره من وراء الباب، ويثب عليكم أصحابه، فسقط الرأي. قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابًا جلدًا نسيبًا، ثم نعطي كل واحد منهم سيفًا صارمًا، فيضربوه ضربة رجل واحد، ويتفرق دمه في القبائل، ولا يقدر بنو هاشم على حرب قومهم جميعًا. فأجمعوا على ذلك وقرروا تنفيذه، وأحاطوا بالبيت ليلًا، والرسول في البيت مع علي بن أبي طالب فأنجاه الله من كيدهم وهاجر ﷺ الى المدينة المنورة ..²⁸
وكانت الهجرة نقلة عظيمة وحدثًا مهمًا، حرص فيها رسول الله ﷺ على أن يحمي الدعوة بعد أن اشتد الضغط عليها في مكة المكرمة، وازداد الإرهاب والظلم والقسوة على أتباعه ـ رضوان الله عليهم ـ، وأمعنت قريش فيهم تعذيبًا ونهبًا وسلبًا وظلمًا، فكان لا بد من الانتقال إلى مكان آخر يسمح للدعوة بالحركة الحرة، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أمر الله عز وجل إلى رسوله ﷺ بالهجرة، وجاء الإذن من الله تعالى.
وقد سأل رسول الله ﷺ ربه عز وجل أن يختار له أحب البلاد إليه، وأحب الناس إليه، فاختار الله تعالى له ولأصحابه المدينة، فكانت أحب البلاد إلى الله، واختار له أصحابه من المهاجرين والأنصار، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، تحملوا الصعاب، وبذلوا المهج والأرواح في سبيل الله حتى جاء نصر الله.
وكان رسول الله ﷺ قبل الهجرة قد اجتمع بأناس من أهل المدينة، وتمت بيعة العقبة الأولى، ثم تمت بيعة العقبة الثانية، ولهذا عندما وصل إلى المدينة استقبله الأنصار بالفرحة والسرور بعد تلك اللحظات الحزينة، يوم خرج من مكة ونظر إليها وهو يودعها: «إنك أحب البلاد إلى الله، وأحب البلاد إلى نفسي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت».²⁹
وعندما وصل إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وبنى مسجده المبارك، وأسس الدولة الإسلامية الأولى، وأرسل البعوث والسرايا، وغزا الغزوات الكثيرة، وحقق الله له ما وعده به من ظهور دينه.
وقد أحب النبي ﷺ المدينة، واتخذها لنفسه دارًا، وأحب المؤمنين من أهلها وجعلهم له أنصارًا، ودعا الله عز وجل لها ولأهلها، وقال ﷺ: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم اجعل فيها ضعفي ما جعلت في مكة من البركة».³⁰
وهكذا كانت روعة الاستقبال وجمال اللقاء، وصفاء النفوس الطاهرة، وكانت الهجرة هي المرحلة الثالثة من حياته ﷺ، حيث استقر هناك، وبقي إلى أن انتقل إلى جوار ربه.
وعلى الرغم من أنه دخل مكة فاتحًا منصورًا، إلا أنه آثر العودة إلى المدينة، والبقاء مع الأنصار، وشاء الله أن يموت ﷺ وأن يدفن في المدينة المنورة، فكانت له دارًا ومضجعًا، وأول عاصمة للإسلام.
وظلت إلى يومنا هذا مدينة منورة بنور الإيمان، مزدانة بمسجده الشريف، وبقبره الطاهر، وقبر صاحبيه الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وببقيع الغرقد الذي يضم قبور زوجاته الطاهرات، وقبور كثير من أصحابه الطاهرين، وسوف تبقى مشرقة بتاريخها العبق، وأيامها الخالدة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وحتى تنشق الأرض عن رسول الله ﷺ فيكون أول من يبعث، وأول من تنشق الأرض عنه، صلوات الله تعالى وسلامه عليه، ما هبت النسائم، وغنت على الأيك الحمائم.
وإنه لجدير بنا أن نقف لحظات ونتدارس مواقف من هذه السيرة المشرقة، نتعلمها ونعلمها لأولادنا وأحفادنا وأهلنا وجيراننا وتلاميذنا ومن حولنا.
والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الحواشي والتوثيق
1. ثبت في فضل مكة أنها خير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ومن ذلك حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت»، أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وصححه أهل العلم. كما ورد بلفظ قريب من حديث أبي هريرة.
2. أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل النبي ﷺ، حديث 3605، من حديث واثلة بن الأسقع. وقد صححه الألباني.
3. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، حديث 2276، عن واثلة بن الأسقع: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل… واصطفاني من بني هاشم». وأما الزيادة: «فأنا سيد ولد آدم ولا فخر…» فهي عند ابن حبان، وصحح إسنادها شعيب الأرناؤوط.
4. رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى.
5. رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى عن ابن عباس.
6. ورد عن عائشة رضي الله عنها في الطبقات الكبرى بلفظ: «خرجت من نكاح غير سفاح».
7. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، حديث 3557، عن أبي هريرة رضي الله عنه: «بُعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه».
8. قصة استرضاع النبي ﷺ في بني سعد وشق صدره من أخبار السيرة الثابتة بأصول متعددة، وقد وردت روايات شق الصدر في صحيح مسلم في سياقات أخرى، كما وردت القصة المطولة في رواية ابن إسحاق. وفي الرواية التي أوردها النص، وردت قصة بني سعد وشق الصدر في سيرة ابن إسحاق.
9. أورد ابن إسحاق هذه الرواية عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ، وفيها: «دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى…» ونور أضاءت له قصور بصرى، ثم قصة شق الصدر. وقد حسّن ابن كثير إسنادها في البداية والنهاية.
10. هذه الزيادة المتعلقة بآمنة بنت وهب وما قالته لحليمة، وكذلك قولها: «ما للشيطان عليه من سبيل»، وردت في كتب السيرة.
11. أخبار كفالة عبد المطلب للنبي ﷺ بعد وفاة أمه، ثم كفالة أبي طالب له بعد وفاة عبد المطلب، من الأخبار المشهورة في كتب السيرة، ومن أشهر مصادرها سيرة ابن هشام والطبقات الكبرى لابن سعد.
12. قصة بحيرا الراهب مشهورة في كتب السيرة، ولا سيما رواية ابن إسحاق وابن هشام.
13. قصة حلف الفضول ثابتة في كتب السيرة، وجاء حديثها بأسانيد وشواهد، ومن أشهر ألفاظها: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت». وقد أوردها ابن إسحاق في السيرة، ولها شواهد تقويها.
14. خبر تجارة النبي ﷺ بمال خديجة، وخروجه معها إلى الشام، وقصة ميسرة، من أخبار السيرة، وأشهر مصادرها سيرة ابن هشام والطبقات الكبرى.
15. خبر زواج النبي ﷺ من خديجة رضي الله عنها وتوسط نفيسة بنت منية وخطبة أعمامه لها مذكور في كتب السيرة.
16. قصة تحكيم النبي ﷺ في وضع الحجر الأسود مشهورة في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق، وفيها وضع الحجر في ثوب وأمر رؤساء القبائل برفعه، ثم وضعه النبي ﷺ بيده. وهي من أشهر أحداث السيرة قبل البعثة.
17. هذا جزء من حديث خديجة رضي الله عنها للنبي ﷺ عقب نزول الوحي، وهو ثابت في صحيح البخاري وصحيح مسلم في قصة بدء الوحي، وفيه: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».
18. حديث «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر» مذكور في كتب السيرة والمناقب.
19. وصف امرأة أبي لهب بأنها «حمالة الحطب» ثابت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4]. أما قصة حملها الشوك ووضعه في طريق النبي ﷺ فهي من أخبار السيرة والتفسير.
20. قصة تعذيب بلال رضي الله عنه وصبره وقوله «أحد أحد» مشهورة في كتب السيرة.
21. حديث «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» ورد من طرق، وحسنه الألباني بمجموع طرقه، ومن مصادره المعجم الأوسط للطبراني والمستدرك للحاكم.
22. الحوار بين قريش وأبي طالب بشأن النبي ﷺ من أحداث الدعوة المكية، وقد أورد ابن إسحاق وابن هشام تفاصيله في السيرة.
23. قصة اجتماع قريش عند الوليد بن المغيرة، وقوله: «إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة…» مشهورة في كتب السيرة والتفسير، ويرتبط بها تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر: 18
24. الآية الأولى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6]. والآية الثانية: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]. أما عبارة «هذا ساحر كذاب» فهي من أقوال المشركين الواردة في القرآن في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: 4].
25. قصة وضع سلا الجزور على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد ثابتة في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وأما قصة خنق عقبة للنبي ﷺ وإغاثة أبي بكر له، فتروى في كتب السيرة، ومن أشهر مصادرها سيرة ابن هشام.
26. قصة ذهاب النبي ﷺ إلى الطائف وما لقيه من أذى، ولقاؤه ملك الجبال، ثابت أصلها في صحيح البخاري وصحيح مسلم. قوله تعالى في وصف النبي ﷺ بالرأفة والرحمة فثابت في القرآن: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة: 128.
27. أصل لقاء ملك الجبال ثابت في صحيح مسلم، وفيه أن النبي ﷺ قال: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا”.
28. قصة اجتماع قريش في دار الندوة، وحضور إبليس في صورة شيخ نجدي، ثم اقتراح أبي جهل أن يؤخذ من كل قبيلة شاب فيقتل النبي ﷺ ضربة رجل واحد، من أخبار السيرة التي رواها ابن إسحاق وابن هشام في قصة الهجرة. وهي أساس قصة مبيت علي رضي الله عنه في فراش النبي ﷺ.
29. أصل قول النبي ﷺ في مكة ثابت بألفاظ صحيحة متعددة، منها: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت».
30. الدعاء: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة» ثابت في صحيح البخاري حديث 5677 وصحيح مسلم حديث 1376. أما عبارة «واجعل فيها ضعفي ما جعلت في مكة من البركة» فهي ثابتة في أحاديث أخرى في الدعاء للمدينة بالبركة.
