الأزهر معقل من معاقل هذه الأمة، ومنهل مهم من مناهلها، ومصنع من مصانع الرجال والنساء من قادة العلم والفكر والبحث والأدب، ومن المهم أن نواصل العناية بهذا المعقل وأمثاله لأنه مورد من موارد العلم والمعرفة التي هي شرايين الحياة في كيان الأمم بعامة وهي كذلك وأكثر في كيان أمة الإسلام التي استهل الوحي خطابه إليها بالكلمة الخالدة {اقْرَأْ}.
ولقد حركت هذه الكلمة القدسية ركود الجاهليين فحولته إلى حياة كاملة – نامية متطورة تقود كل أمور الإنسان وتفجر كل طاقاته جسداً وروحاً، عقلاً وقلباً علماً ومعرفة وابتكاراً – سعياً وسلوكاً وإنجازاً – فلم يمر ربع قرن على سطوع هذه الكلمة في حياتهم حتى كانوا رواد العالم كله في حركة تحرير العقل، وبناء الوعي – وتقويم السلوك ولم ينتصف القرن الأول إلا وقد ملكوا زمام العالم بحكمة واقتدار. منفتحين على معارف الدنيا كلها يمحصونها ويطورونها ويبنون عليها – ما ينفع البشرية كلها في أولاها وأخرها. فأقاموا بالعلم والعمل المستنيرين – حضارة عمت كل أرجاء الدنيا – وقادت القلوب والعقول أكثر من ألف عام.
وقد بقيت في واقع الحياة أساس الحضارة حتى اليوم. وفي سعيها إلى ذلك أنشأت المعاهد والمدارس والجامعات في كل عواصم العالم الإسلامي – منارات علم ومعرفة سعى إليها كل طلاب العلم من المسلمين وغير المسلمين، والأزهر الشريف – معلم عريق من هذه المعالم – ومعهد عتيق من هذه المعاهد وجامعة شاملة علمت البشرية منذ أكثر من ألف عام فنون المعرفة شرعية وعقلية – نظرية وعملية ولقد سعدت أيما سعادة بمشاركتي في لقاء “تطوير الأزهر” واجتمعت بشيخه الحالي الدكتور محمد سيد طنطاوي – وبأساتذته الأجلاء – وعلمائه الأفاضل – ونخبة من المفكرين والباحثين المهتمين بقضايا الإسلام والعلم والتعليم وتطوير هذا الصرح العظيم.
وأثناء محاضرتي في ذلك اللقاء سعدت بلقاء هذه الصفوة من العلماء والمفكرين والمربين، مع كثير من طلاب الأزهر الشريف ورأيت وسمعت من هؤلاء جميعاً إشفاقاً على الأزهر الشريف من أن يسقطه التطوير بدافع الحماس حتى يصبح تدميراً – أو مسخاً لشخصيته المتميزة بين معاهد الدنيا وجامعاتها – أو تغييراً لرسالته التي رفع لواءها قروناً متطاولة ويشفق بعضهم من أن تضيع رسالة الأزهر وتذوب شخصيته في حمى التطوير والتحديث – فيصبح مجرد جامعة عادية كمئات الجامعات في بلاد أمتنا وغيرها – وتمثلوا حركة التطوير التي جرت في الستينات من هذا القرن – وأدخل بها في الأزهر دراسة الطب والهندسة، والزراعة والصيدلة – والإدارة والمحاسبة – وفنون كثيرة أنشئت لها كليات حتى أصبح يدرس فيه كل ما يدرس في الجامعات الأخرى وتراهم في إشفاقهم هذا يفضلون أن يبقى على ما كان عليه قبل هذا التطوير مكتفياً بتدريس علوم اللغة كوسائل، وعلوم الشرع كمقاصد ويدع لغيره بقية المجالات العلمية والنظرية – ليتفرغ هو لتخريج علماء اللغة والدين – ويبقى بذلك جامعة نوعية في عصر انتشر فيه التخصص الدقيق.
وفئة أخرى ممن لقيت يرون عكس ذلك ويؤيدون ما حدث ويطلبون المزيد – وترى هذه الفئة في ذلك الاتجاه – انطلاقة رائعة تواكب إيقاع العصر الحديث وتوالي متغيراته وتشعب ميادينه واهتماماته وأنا إذ أحاول أن أدلي بدلوي مع الدلاء، عساي أن أقدم تصوراً أو أعرض رأياً أسهم به في الحفاظ على هذا الصرح الشامخ حتى يستمر في رحلة عطائه لأمتنا المتطلعة إلى نهضة جديدة وغد أفضل من واقعها الأليم – فإنما أعكس بمشاركتي هذه صورة من الاعتزاز والإعزاز – بل والغيرة الواعية على مستقبل هذا الأزهر الشريف ودوره المأمول في تصحيح المسار، وإقالة العثار.
ولست بدعاً في ذلك، فكل أمة الإسلام في شتى أوطانها وأجناسها تحترم الأزهر – وتعرف له دوره وقدره وأثره في حفظ اللغة والدين وتخريج الرواد في هذا المجال لكل الدنيا وقد لمست ذلك التقدير والإعزاز في كل جولاتي في مشارق الأرض ومغاربها.. في كل أصقاع إفريقيا – شرقاً وشمالاً وجنوباً، حتى في أعماق الأدغال والغابات ودروب الصحاري والفلوات.
وفي كل آسيا المتزامنة الأطراف رأيت ذلك حتى في مناطق الصين وروسيا والفلبين والهند وسريلانكا وجزر المحيط الهندي المتناثرة وتحس ذلك عند مسلمي أوروبا والأمريكيتين وأستراليا وإندونيسيا وماليزيا وتايلاند وجمهوريات أواسط آسيا حتى تستطيع أن تؤكد إجماع أمة الإسلام على حب الأزهر، وتقدير دوره، وتوقير علمائه بل وطلابه. وذلك يجعل أمر تطويره قضية إسلامية عامة تشغل كل مسلم محب لربه ورسوله ودينه الحنيف وقرآنه الشريف. على الرغم من وجود معاهد في معظم تلك البلاد تقوم بتدريس علوم العربية والدين الإسلامي.
ونحن في تأملنا لموضوع تطوير الأزهر – لا بد أن نثمن ونقيم آثار التطوير الذي جرى منذ عام 1961م – حتى نوضح إيجابياته وسلبياته التي أعظمها تدني مستوى الخريجين في هذه الحقبة – وضعف لغتهم – وقلة محصولهم في الفقه والعلوم الشرعية – وهو أمر خطير يجب أن يعالجه مشروع التطوير الجديد ولنستعرض معاً ملامح المسيرة التاريخية للأزهر منذ نشأ وعوامل الضعف والقوة فيها لتكون دليلاً لنا في السعي إلى تطوير جديد.
بني الأزهر مع بناء مدينة القاهرة المعزية يوماً بيوم بتخطيط من القائد جوهر الصقلي ومعاونيه ليكون مدرسة شيعية تعلم المذهب الشيعي الذي كان مذهب الفاطميين الرسمي – وقام داعي الدعاة وأعوانه بالتدريس فيه، على نفس النظام الذي كان يجري به تدريس المذاهب الأربعة في مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط – أول مسجد في أفريقيا – والذي بناه الصحابة رضوان الله عليهم في أيام الفاروق عمر بن الخطاب – ودرس فيه الأئمة العظام من تلاميذ مالك – وأقرانه كالليث بن سعد والشافعي والبويطي والمزني وغيرهم.
وظل الأزهر مدرسة شيعية حتى جاء الناصر صلاح الدين الأيوبي وكان شافعياً فحوله إلى تدريس المذاهب الأربعة كبقية مساجد مصر، وظل على ذلك حتى 1969م – وكان حتى القرن التاسع عشر تقوم الدراسة فيه وفي المساجد الملحقة به على شكل حلقات تلتف كل حلقة حول شيخ مشهود له من شيوخه وأقرانه بسعة العلم والورع والإتقان ولديه إجازة بالتعليم.
فيختار الشيخ من العلوم والفنون ما يشاء – يدرسها إما من كتاب يرتضيه – أو يملي على تلاميذه من حصيلة عمره ما تفوق فيه وكان الطالب حراً في اختيار الأستاذ الذي يجلس في حلقته والعلم الذي يريد دراسته – وينتقل من شيخ إلى شيخ – ومن علم إلى علم ومن كتاب إلى كتاب في سني تطول أو تقصر حسب اجتهاده وقدرته على التحصيل والاستيعاب – حتى إذا رضي الشيوخ عن طالب ورأوه قد حصل من دروسهم ما يؤهله للتدريس واستوعب علومهم – عقدوا له مجلساً علنياً – كأنه مناقشة أطروحة الدكتوراه الآن – وكلفوه بإلقاء درس يحضره شيوخه وزملاؤه – ومن خلال درسه يناقشه الشيوخ في كل العلوم والفنون التي أجيز فيها من أعلامها – فإذا انتهى الدرس ورضي الشيوخ عن تلميذهم – شهدوا له بأنه عالم وأذنوا له أن يتخذ لنفسه حلقة يدرس فيها لمن يتتلمذون عليه ما يشاء من العلوم.
ومن العجيب أنه وحتى بعد أن اعترفوا به عالماً – وأجلسوه إلى عمود بالمسجد ليعلم مثلهم – نراه بعد فراغه من التدريس في حلقته – يتجه إلى حلقات شيوخه – فيجلس فيها مستمعاً كأنه ما زال طالباً – طيلة حياة شيوخه – ولا ننسى هنا أن نذكر أن كل علوم العصر كانت تدرس في حلقات الأزهر، فهذه حلقات للغة بفنونها ومستوياتها وبجوارها حلقات في العلم الشرعي من قرآن وقراءات وتفسير وحديث وفقه وأصول وعقيدة – ومن حولها ومعها حلقات في التاريخ والسيرة والمنطق والفلسفة والتصوف والفرائض والرياضيات والفلك والطب والتقويم وعلم الأدوية – وغير ذلك مما يهم الأمة.
وتكتب الرسائل والأمهات في كل فن وتوضع المتون للعلوم نظماً ونثراً وتبسط في شروح وحواش وتعليقات وتقارير حسب ما يراه هؤلاء الأعلام نافعاً للطلاب في شتى مستوياتهم – ويتخرج في تلك الحلقات كل من تحتاج إليهم الأمة من علماء وقضاة ومحتسبين ومفتين، وأطباء وفلكيين – وصيادلة ومؤرخين ومحدثين ومفسرين وباحثين في طبائع المادة وعلوم النبات – والبصريات والميكانيكا وكانوا يسمونها علم الحيل، وغير ذلك من العلوم.
وظل الأمر هكذا.. فتثري حلقات المساجد في القاهرة وبقية المدن الكبيرة على نهج الأزهر – حياة الناس وعقولهم بكل ما يحتاجونه من علم وعمل فلما جاءت حروب الصليبيين والتتار هاجر كثير من علماء المشرق إلى مصر فأثروا الحياة العلمية بنتاجهم ليعوضوا ما دمر أو أحرق على يد التتار والصليبيين من آلاف الكتب بل ملايينها فأملوا ما في صدورهم من المعارف حتى لا تضيع، وحدث مثل هذا بعد ضياع الأندلس إذ هاجر كثير من الأعلام إلى القاهرة فاجتمع للأزهر وفيه علوم ونتاج المشارقة والمغاربة – وأصبح منذ ذلك الوقت رمزاً للعلم – وقلعة لحماية الشريعة ومنهلاً للفكر الإسلامي بشتى تياراته ومذاهبه وأصبحت الرحلة إليه حلم كل من يطلب العلم – ونبغ فيه نوابغ من الرجال والنساء – تصدروا للدرس والعلم والتأليف والبحث إلى أن جاءت مرحلة الخمود والعجمة – فانحسرت عن ساحاته كثير من الحلقات وغاب عن أروقته كثير من العلوم العملية – وانحنى الأزهر على ما بقى عنده من علوم اللغة والشريعة مبتعداً عن شؤون الحياة مكتفياً بحراسة هذا التراث.
حتى اتصلت بروافد مصر الثقافة الغربية خاصة الفرنسية على عهد محمد علي باشا وأرسلت البعوث من طلاب الأزهر لاستكمال الدراسة في فنون لم تعد تدرس فيه أو ضعف شأنها وعادوا من بعثاتهم فأنشئت المدارس خارج المساجد لتخريج أفواج في تلك الفنون الغائبة أو الضعيفة فرأينا مدرسة الألسن ومدرسة الطب والمهندسخانة وسمعنا عن رفاعة الطهطاوي وعبد الله فكري وعلي مبارك وغيرهم وأنشئت مدارس دار العلوم والقضاء الشرعي والمعلمين فانحصر دور الأزهر في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بمقدار ما أخذت هذه المدارس من تخصصات رغم أن طلابها جميعاً من نوابغ طلاب الأزهر ثم زاد الأمر بإنشاء الجامعة الأهلية التي أصبحت جامعة فؤاد على أساس علماني استشراقي فاستقطبت نوابغ الأزهر أكثر وأكثر وازدادت عزلة رجاله وضاقت فرصهم في الحياة العامة فحاول بعض علمائه تطوير الدراسة ومنهم محمد عبده ثم محمد مصطفى المراغي ووضع ما سمي أيامها بالنظام ثم أقيمت كليات خارج المسجد وقسمت العلوم التي رؤي الاستمرار فيها إلى علوم لغة تقوم بها كلية اللغة العربية وعلوم الفقه وأصوله وتقوم به كلية الشريعة وعلوم العقيدة والقرآن والسنة وتقوم بها كلية أصول الدين واستمر الأمر كذلك وكان المستوى لدى الخريجين جيداً وفي الأعوام ما بعد 1960 رؤي تطوير الدراسة في الكليات والمعاهد فأضيفت بعض المواد وأدخل تدريس المذهب الجعفري في كلية الشريعة وعدلت المناهج في المعاهد الابتدائية والثانوية فأضيف إليها تدريس مناهج المدارس المدنية مما أدى إلى تخفيف مقررات المواد اللغوية والشرعية وعدم الالتزام بحفظ القرآن قبل الالتحاق بالمعاهد الأزهرية بل أبيح التحاق حملة الثانوية العامة بكليات الأزهر وقد أنشئت في تلك الفترة كليات جديدة في فنون أخرى شملت كل ما يدرس في كليات الجامعة المدنية، ولما كان خريجو هذه الكليات الجديدة من صيدلة وطب وهندسة وزراعة وإدارة ولغات يجدون فرصهم بعد التخرج أوسع وحياة أرغد وأيسر اتجه المتفوقون من طلاب المعاهد إليها ولم يبق للكليات الأصلية في الأزهر إلا من لا تقبله كليات القمة هذا مما أدى إلى تدني مستوى الخريجين في كليات اللغة والشريعة وأصول الدين خاصة وقد خففت المناهج في المعاهد ثم في الكليات وأصبح بعض الخريجين لا يحسن أن يقرأ القرآن فضلاً عن أن يفسره أو أن يحفظه مما دفع الدكتور عبد الحليم محمود رحمه الله إلى إعادة لزوم حفظ القرآن قبل التخرج بل وجعله شرطاً لابتعاث خريجي تلك المرحلة ومن قبله رأى الشيخ الباقوري رحمه الله أن يعيد شيئاً من الأزهر القديم إلى الحياة فأنشأ حلقات للدراسة في أروقة الجامع الأزهر من جديد وسماها كلية الدراسات الإسلامية وجعل فيها قسماً حراً لا يخضع الطالب فيه لقيود أو شروط أو سن مثل ما كان يسمى بالقسم العام في الأزهر حتى الخمسينات.
وزاد الطين بلة قبول من لم يجد وإمكانات في الجامعات من أصحاب المجاميع الدنيا من خريجي المدارس الثانوية العامة فأدخلوا في كليات الأزهر وتخرجوا أميين في اللغة والشريعة مما دفع الدكتور عبد الحليم محمود فأصدر قرار منع قبولهم في جامعة الأزهر عموماً.
ولما ظهر تدني المستوى في الخريجين في هذه الأيام انفتح باب النظر والحوار في قضية التطوير والتطوير سنة الحياة ولكن التطوير يجب أن يكون حركة إلى الأمام لا تقهقراً إلى الخلف فليست المسألة أن نغير الواقع بل أن نغير إلى ما هو أحسن ومعيار ما هو أحسن هو تحقيق هدف ما أنشئ الأزهر لتحقيقه.
إن الأزهر الشريف مؤسسة إسلامية عالمية قامت منذ عصر صلاح الدين على نشر العلم ووسائله من اللغة ومناهج البحث وأسهمت في تعليم علوم الحياة بعد أساس من العلم الشرعي فسارت في منطلق شرعي وظلت بقايا هذا الاتجاه حتى الثلث الأخير من القرن، وآخر هذه البقايا علم الفلك الذي لم يلغ إلا في الستينات وترك تدريسه لكليات العلوم بعد أن كان من مواد كلية الشريعة ونحن لسنا ضد تدريس أي مادة في الأزهر ولكنا نرى وضع ضمانات ومرغبات حتى يتجه بعض المتفوقين من طلاب المعاهد إلى الدراسة في الكليات الشرعية واللغوية حتى لا تصبح ملجأ لمن لم يجدوا غيرها فيتخرجون في فروع لم يختاروها ولا تأهلوا لها ولا أحسنوها والواقع يشهد بذلك.
وإني لأرى أنه لا بد لمن يختار الدراسة في معاهد الأزهر ألا يتخرج فيها حتى يحسن اللغة ويفهم فنونها وعلوم الشريعة وأصولها حتى إذا تخرج في كليات الأزهر من أي كلية كان أهلاً لأن يؤم الناس ويعلمهم قرآنهم ودينهم لأن الهدف من إنشاء الكليات الحديثة ليس تخريج صيدلي أو طبيب أو مهندس وإنما الهدف تخريج حَرَفي يستطيع من خلال تخصصه أن يكون داعية واعياً ناجحاً وإلا فالجامعات الأخرى تخرج لنا أصحاب هذه التخصصات بوفرة تجعل عندنا فائضاً منهم ولكن خريج الأزهر يمتاز عن غيره بأنه مجيد للغة العربية، عالم بالشريعة، ومتمكن في مهنته التي درسها.
وهناك قضية مهمة ونحن قد دخلنا إلى القرن الحالي بكل تحدياته وعلومه وتطوراته واتصالاته ومواصلاته، ولهذا فمن الواجب العناية بتدريس الحاسب الآلي (الكمبيوتر) لطلاب الأزهر وتدريبهم عليه، وتعليمهم كيفية الحصول على المعلومات التي يريدونها، وكيف يستخدمونها في تعليمهم وبحثهم ودعوتهم وكذلك تعليمهم أصول الحوار مع العالم وأدب الحوار ولغة الحوار، فالتحديات أمامنا كبيرة وخريج الأزهر المؤهل الواعي والعالم والمدرب المتمكن هو وأمثاله عدة هذه المعركة المرحلة القادمة.
والتمكن من اللغات أمر لازم لأننا بصدد تخريج داعية عصري واللغة هي وسيلته في عرض دعوته والتميز في دراسة وسائل العصر أمر لازم لكل التخصصات فالحاسوب مثلاً والتعامل مع الإنترنت وما يستجد هو من ميسرات التحصيل ومما يعين على اتساع المعرفة وجودة البحث.
والخلاصة أننا نتمنى تطوير الأزهر ولكن بطريقة لا تفرغه من مضمونه ولا تضيع الهدف منه ولا تهمل التراث ومصادره بدعوى التيسير ونحدد لذلك نقاطاً موجزة كمعالم للتطوير المنشود نطرحها للمناقشة والنظر.
فأول شيء هو حفظ القرآن مجوداً لأنه أساس كل الدراسات التي أنشئ الأزهر من أجلها ومحور العلوم اللغوية والشرعية كلها.
وثاني شيء هو أن تواصل الأجيال على الأساس الوحيد للتطور المثمر ومهما ألف المعاصرون من كتب ميسرة فلا بد من ربطها عملياً بكتب التراث والالتزام بتدريس قدر صالح منها وإلا ستصبح بالنسبة لخريجي التطوير كالكتب المكتوبة باللاتينية لمن لا يعرفها ومفتاح البحث هو كتب التراث.
والأمر الثالث هو إعادة تأهيل من تخرجوا في فترة الضعف بعد دراسة مستأنية لما ينقصهم لأنهم هم الذين سيعلمون الأجيال الحالية.
رابع الأمور وضع المناهج المتكاملة التي تؤهل الدارسين ليكونوا متخصصين فيما يدرسونه لا مجرد ناجحين بلجان الرأفة أو بأسلوب تخفيف المناهج ولست أدري كيف يتخرج من لم يدرس فقه المذاهب ومعرفة أسباب الخلاف بينها ومنزع الاختيار للمذهب مقارناً بمثله في المذهب الآخر ويقتصر باختيار مؤلف معاصر لما يراه ثم نطلب من هذا الخريج أن يكون إماماً أو داعية في مجتمعات متعددة المذاهب.
وآخر الأمور التي أحب أن يراعيها التطوير هو أن يبدأ الطالب في اكتساب حب القراءة من خلال المسابقات والمنافسات التي يوضع لها مقابل في درجات التخرج ويتعود على البحث المنظم ويصبح البحث مادة إجبارية تمارس في كل المستويات بقدرها ممارسة حقيقية لا آلية ولا شكلية ويشارك الطالب مع زملائه دائماً مع أستاذهم في قاعة بحث تقوم على الحوار والمناقشة لا مجرد نقل ملخصات تقدم على أنها بحث.
هذه هي البداية في رأيي ولا بد أن عند غيري من أبناء الأزهر والغيورين على دوره وعلى قيمة المعرفة من مقترحات وآراء آمل أن يدلوا بها عسى الله أن يجعل من ورائها الخير والصلاح وعلى الله قصد السبيل.
