الإسراء والمعراج والعلم الحديث

إن من ينظر إلى قضية الإسراء والمعراج على ضوء العلم الحديث والتطورات الكبيرة في مجال علوم الفيزياء والفضاء على وجه الخصوص يجد أن هناك إجابات عديدة على كل التساؤلات التي أثارتها قريش يوم سمعت رسول الله ﷺ يتحدث عن قصة الإسراء والمعراج. فلقد هزَّ الحدث مكة المكرمة بكاملها وأَذْهَلَ قريشاً وأَرْبَكَهَا وَدَفَعَهَا إلى تكذيب الرسول ﷺ وهم يعلمون أنه الصادق الأمين والصادق المصدوق الذي لم يجربوا عليه كذباً ولا خيانة قط، ولكن الحدث أَذْهَلَهُمْ وكان أكبر من قدرتهم على الاستيعاب، ولهذا عندما قص عليهم رسول الله ﷺ القصة كان جوابهم الاستغراب وقالوا قولتهم المشهورة: “يا محمد نَضْرِبُ لها أكباد الإبل شهراً وتقول بلغتها في ليلة”. أي أنهم استغربوا حدث الإسراء فضلاً عن حدث المعراج، فقد كانت أسرع وسيلة معروفة لديهم هي الإبل تسافر من مكة المكرمة إلى بيت المقدس في شهر، فكيف يقول رسول الله ﷺ إنه ذهب إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء وعاد وفراشه دافئ.

والقصة من الأساس كان فيها سوء فهم وخطأ عظيم من قبل قريش الذين نسبوا الحدث إلى رسول الله ﷺ وإلى قدرته وإمكاناته مع أنه لم يَدَّعِ ولم يقل عليه الصلاة والسلام بأنه سَرَى إلى بيت المقدس أو أنه عَرَجَ إلى السماء بقدرته أو بتفكيره أو إمكاناته، وإنما نسب الحدث إلى الله عز وجل مُسَبِّب الأسباب والقادر على كل شيء، وجاء القرآن ليوضح هذه القضية فكانت آية الإسراء أعظم دليل على كلام رسول الله ﷺ فقد ابتدأت بكلمة “سُبْحَانَ” وهي كلمة عظيمة افتتحت بها هذه السورة ونسبت كل قضية الإسراء والمعراج إلى الله عز وجل ولم تنسبه إلى رسول الله ﷺ ولم تربطه بقدرته أو بتدبيره، وإنما كانت بتدبير العلي القدير.

ومن هنا حدث الخلط على قريش فقد رأت أن مثل هذا الحدث لا يمكن أن يأتيه رسول الله ﷺ وليس من المعقول أن يتم، ولو أدركوا أن نسبة الحدث إلى الله وتفهموه لما كان هناك أي موجب للاستغراب.

ثم إنهم من ناحية أخرى كانت أعظم سرعة يعرفونها هي سرعة الإبل، فلو كانت قريش في عصرنا هذا ورأت السرعات المختلفة التي مكننا الله سبحانه وتعالى منها ودلنا عليها وبدأنا باستعمالها كسرعة السيارات والطائرات والصواريخ إلى غير ذلك من السرعات التي نعرفها اليوم وكانت مجهولة عند قريش في ذلك الوقت، فهل كانوا يستغربون؟ إننا في هذا العصر نستطيع أن نذهب إلى بيت المقدس ونعود في الليلة الواحدة أكثر من مرة باستخدام أي وسيلة من وسائل النقل السريعة في عصرنا هذا، فلو عاشت قريش في هذا العصر الذي نحن فيه لما استغرقت قصة الإسراء ولأدركت أن في علم الله عز وجل وفي قدرة الله عز وجل سرعات يجهلونها كسرعة الصوت وسرعة الضوء. وفي عصرنا الحاضر اليوم نعلم سرعات كثيرة ولكننا ما زلنا نجهل الكثير من السرعات التي في علم الله عز وجل والتي لم نتوصل إليها ولم نستخدمها، وإن كنا نعرف بعضها كالتي ذكرتها.

إذاً فكلما نظرنا إلى قصة الإسراء والمعراج بعمق أدركنا أن نسبة الحدث إلى الله عز وجل تجعله يسيراً سهلاً لأنه الفعال سبحانه لما يريد، وقد نسب الحدث كله إلى نفسه عز وجل وإلى قدرته وقال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}[¹].

وأما قصة المعراج والتي قصها علينا رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة، فإن من ينظر بعمق أيضاً إلى الوسيلة التي هيأها الله سبحانه لرسوله ﷺ بقدرته وأمره وبتدبيره وهي البراق، لا نعرف سرعتها حتى اليوم ولكنها دون شك كانت سرعة عظيمة، فهي دابة تضع حافرها حيث ينتهي نظرها، فهي إذاً سرعة غير السرعات التي نعرفها، ووسيلة غير الوسائل التي عرفتها قريش في ذلك الوقت، وما تزال سرعة البراق وإمكاناته غير محسوسة بالنسبة لنا، وكل ما علينا أننا وَثِقْنَا أن الخبر قد صدر عن الله عز وجل، ووثقنا بما روي عن رسول الله ﷺ من الأحاديث الصحيحة فصدقنا وامتثلنا، تماماً كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما قال قولته الشهيرة: “إن كان قالها فقد صدق”. فكان كل همه أن يوثق الحدث ويتأكد أن رسول الله ﷺ قد قال هذا، فلما علم أنه قال لم يتردد هذا الصديق العظيم بل آمن وصدق، لأن رسول الله ﷺ عنده صادق أمين مصدوق، فقبل الرواية وآمن بها ووقف مع رسول الله ﷺ يصدقه ويؤيده، ولهذا سُمِّي الصديق رضي الله عنه.

وإذا ما عدنا إلى قضية السرعات التي بدأنا نعرفها اليوم، ونظرنا إلى قصة الإسراء والمعراج على ضوء العلم الحديث، وكيف أن عالماً من علماء الفيزياء عالج قضية السرعات وعلاقتها بالزمن وهو العالم إينشتاين الذي رأى أنه كلما ازدادت السرعة نقص الزمن، حتى إذا وصلنا إلى سرعة اللانهائية أصبح الزمن صفراً أو تلاشى الزمن كما قال. فإذا السرعة تزداد والزمن يتناقص مع سرعة الزمن، وهكذا إذا نظرنا إلى قصة الإسراء وقصة المعراج نجد أن هناك اليوم ما يقرب لنا المسألة وما يجعلنا نلمس جوانبها المادية التي كانت تخفى على قريش بسبب جهلها بوجود سرعات أخرى غير سرعات الإبل التي كانوا يعرفونها، فجاء العلم الحديث ليكشف لنا أن هناك سرعات كبيرة وعظيمة استخدمنا بعضها ولمسنا البعض الآخر تفوق آلاف المرات السرعات التي كانت متاحة لقريش في ذلك الوقت. ثم أن العلم الحديث كشف لنا حقيقة تزايد السرعة وأنها قد تصل إلى أعظم بكثير من السرعات التي نعرفها اليوم، بل إنها قد تصل إلى السرعة اللانهائية، وعندها يصبح الزمن صفراً.

فمن ينظر إلى قصة الإسراء والمعراج في هذا الزمن الذي نعيش فيه ويناقشها على ضوء المعلومات العلمية المتوفرة لا يستغرب الحدث بل يجده حدثاً معقولاً، خصوصاً إذا ما نُسِب إلى قدرة الله عز وجل، إلى قدرة هذا الرب العظيم خالق الكون وصانع معجزاته التي لا تحصى، الذي يعلم ما لا نعلم، والذي أوضح لنا في أكثر من مناسبة في القرآن الكريم بأن فوق كل ذي علم عليم، وأن في علم الله وقدراته ما لا نعلمه وما لا نعرفه، وإنما هو رهين بما يعلمه الله سبحانه وتعالى لنا وبما يسمح بكشفه من حقائق يدلنا عليها ويثبت بها أفئدتنا، هو الله خالق كل شيء، ومن نظر في خلق الله ودلائل قدرته علم يقيناً أنه على كل شيء قدير.

وهكذا كان الإسراء والمعراج تلك المعجزة العظمى والحدث الكبير قد تم بفعل الله، وجاء النص من القرآن الكريم منذ الكلمة الأولى “سُبْحَانَ” إعلاناً واضحاً بأن خبر الإسراء والمعراج منسوب إلى قدرة الله وحده، المنزه في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله عن المشابهة للخلق. فالخلق خاضعون لنواميس الكون وقوانين الطبيعة التي هي من صنعه، أما هو فإنه فوق النواميس والقوانين كلها لأنها من صنعه وهي خاضعة له، فمحال على الله أن تخضع أفعاله وإرادته لها، وهذا هو الأمر المنطقي الذي يشهد به الواقع المحسوس: أن من يملك القدرة على وضع القانون يملك القدرة على إلغائه أو تعديله حسبما يشاء، ومن باب أولى أن الله تعالى منزه عن أن تكون أفعاله مشابهة لأفعال المخلوقين أو أن تقاس بما تقاس به أفعال خلقه.. النار تحرق، والسكين تقطع، والماء ينحدر إلى أسفل ويكون مستوياً، والعصا جامدة ليس بها حياة، والعجوز العقيم لا تلد، والجنين لا يتكون إلا باجتماع نصفي خلية أحدهما من الرجل والأخرى من الأنثى، والسماء لا تمطر حجارة بل ماء فراتاً، وليس بمقدور أحد من الخلق سواء كان بشراً أو ملكاً أو جناً أن يغير سنة من هذه السنن مهما ارتقى بعلمه، أو عظم بخلقه، أو تفنن في اختراعه. كل هذه أمور معقولة لا يتطرق إليها الشك، ولا يعدل العقل عنها إلى نقيض، لماذا؟ لأنها نواميس ثابتة، وحقائق مسلمة بدأ العلم فيها وأعاد فما وجد إلى تغييرها من سبيل، ولا إلى إلغائها أو تجاوزها من مسلك: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}[²].

والتحدي قائم إلى قيام الساعة، ولكن الله وحده هو الذي يملك أن يغير هذه السنن أو يبدلها أو يلغيها، فإرادته مطلقة وأمره نافذ: {إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}[³].

قدرة الله هذه سَلَبَتِ النار قدرتها على الإحراق فكانت برداً وسلاماً على إبراهيم، وجعلت ماء البحر يرتفع جبلين من الماء على جانبي الطريق في البحر اللجي لموسى وقومه، وسلبت من السكين قدرتها على القطع في ذبح إسماعيل، وقلبت العصا حية تسعى تبتلع عشرات القناطير من العصي والحبال، وجعلت العجوز العقيم تنجب يحيى، ومريم الطاهرة تلد عيسى بن مريم من غير أب، والسماء تمطر حجارة على قوم لوط، والناقة تخرج من الصخرة لنبي الله صالح، وهكذا سائر معجزات الأنبياء، لا تخضع لسلطان المادة، ولا تحدها نواميس الكون، تجري بقدرة الله تعالى إثباتاً لصدق رسله إلى خلقه، ورحمة بعباده ليؤمنوا به ويعبدوه ويسبحوه بكرة وأصيلاً.

كل هذه المعجزات قامت وتواترت الأخبار بوقوعها وشهدها أصحابها حين وقوعها، فمنهم من آمن ومنهم من كفر رغم وقوع المعجزة وشهادة العين. وهذا هو الشأن في معجزة الإسراء والمعراج التي أكرم الله بها محمداً ﷺ رحمة به ومواساة له، وتسرية عنه، وتجديداً لعزيمته وصبره بعد أن اشتد أذى قومه وجرأتهم عليه، وبلغت الأذية غايتها والفرور مداه، وبعد أن تضاعف حزنه وألمه بوفاة عمه أبي طالب الذي حماه ودافع عنه حتى آخر لحظة في حياته، وبعد وفاة السيدة العظيمة والزوجة الكريمة خديجة رضي الله عنها التي وجد فيها الأنيس والصديق والنصير تثبته وتشد أزره وتكفيه مؤونة السعي للمعاش، وبعد أن أشفق على الدعوة التي صمت الآذان عن سماعها، وبعد خيبة الأمل في استجابة ثقيف في الطائف، وبعد عودته إلى مكة في جوار المطعم بن عدي أحد سادات قريش.

جاءت معجزة الإسراء والمعراج في هذه الظروف العصيبة، لترى رسول الله ﷺ أنه ليس وحده، وأنه يستمد قوته من العلي القدير الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وأن دعوته منتصرة لا محالة، ولتريه أن قدرة الله تعالى لا تخضع لقيود الزمان والمكان والمادة، ولتريه من آيات الله الكبرى في السماوات العلا ما لم تره عين مخلوق قبله، ولترفعه إلى منزلة رفيعة لم يبلغها أحد قبله ولن يبلغها أحد أبداً.

وجاءت معجزة الإسراء والمعراج لتفاجئ حس المؤمن كلما رانت على قلبه قيود المادة أن وراء هذا الكون إلهاً لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولتقول للعلم والعلماء: سيروا في الأرض وتأملوا في السموات لتروا أن الله على كل شيء قدير، وأن قانون الله في الفعل غير قانون المخلوقين في الفعل، وجاءت الآيات لترسخ هذا المفهوم وأن فوق كل ذي علم عليم، وأن منزلة العلماء عند الله رفيعة: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[⁴]، {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}[⁵].

وبصرف النظر عن قدرة قريش على الاستيعاب وجهلها في ذلك الوقت لأسرار رحلة الإسراء والمعراج ونسبتها إلى الله عز وجل، فإن هناك من الأحداث ما رواه الرسول ﷺ وما كان دليلاً واضحاً على صدقه، ولكن غطرسة قريش وكبرياءها أدت إلى عدم قبول الحدث ورفضه رغم كل ما حدث به رسول الله ﷺ من أحاديث صادقة يعرفونها كوصفه لبيت المقدس، ورؤيته للإبل التي شاهدها في الطريق، ونحو ذلك. كل هذه الأمور رفضتها قريش وظلت في جحودها وإنكارها وغطرستها وكبريائها ورفضها للحدث جملة وتفصيلاً. وعندما تحدث ﷺ بقصة الإسراء والمعراج ذهب صناديد قريش إلى سيدنا أبي بكر الصديق وقالوا له: “إن محمداً زعم أنه قد ذهب الليلة إلى بيت المقدس وصعد إلى السماء”. فقال قولته الشهيرة: “والله لئن كان قاله لقد صدق”. ثم ذهب هذا الحبيب الصديق إلى رسول الله ﷺ ليسأله ويتوثق منه، ثم طلب من رسول الله ﷺ أن يصف له بيت المقدس فوصفه له بتلك الدقة المتناهية، وقال ﷺ: “فرفع لي حتى نظرت إليه”. فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر: “صدقت، أشهد أنك رسول الله”. حتى إذا انتهى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: “وأنت يا أبا بكر الصديق”. فيومئذ سماه الصديق.

ثم إنه ﷺ ذكر لهم الطريق التي سلكها إلى بيت المقدس، فقالوا له: “ما آية ذلك يا محمد؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط”. قال: “آية ذلك إني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا فأنفرهم حس الدابة فند لهم بعير فدللتهم عليه، وأنا موجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياماً، وإناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء، فشربت ما فيه ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن يصوب من البيضاء ثنية التنعيم، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما سوداء والأخرى برقاء”. قال: فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءاً ماء ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين وهم بمكة فقالوا: “صدق والله، لقد انفرنا في الوادي الذي ذكر وند لنا بعير فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه”.

هذه هي إذن قصة الإسراء والمعراج، عندما ننظر لها في ضوء العلم الحديث نجد أن العلم يكشف لنا الكثير من أسرار هذه الرحلة التي ما تزال زاخرة بالأحداث العظيمة، ولكننا نؤمن بأن الله عز وجل هو الذي هيأ لنبيه ﷺ هذه الرحلة المباركة والمعجزة العظمى، وكان رسول الله ﷺ محمولاً بقدرة الله في إسرائه وعروجه، ولم يدع أنه هو الذي فعل ذلك، ولم ينسب الفعل إلى جبريل عليه السلام، وإنما كان جبريل رفيق النبي ﷺ خلال هذه الرحلة، ولا إلى أي مخلوق آخر، وقد جاء النص في ذلك صريحاً واضحاً: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[⁶].

ومن ينظر من ناحية أخرى في قصة الإسراء والمعراج والسرعة التي تمت فيها، ثم يربط ذلك بما حدث مع سيدنا سليمان في قصة بلقيس وعرشها، وكيف أن عفريتاً من الجن قال لسيدنا سليمان عليه السلام إنه يستطيع أن ينقل عرش بلقيس من مكانه في اليمن ثم يأتي به إلى سيدنا سليمان في القدس عبر هذه المسافات الطويلة قبل أن يقوم من مقامه، ثم جاء الذي عنده علم من الكتاب لينقل هذا العرش في جزء من الثانية بما علمه الله عز وجل، فالسرعة التي تحققت في ذلك هي سرعة كبيرة عظيمة لا نعرفها حتى اليوم، وليس بقدرة العلم الحديث ما يسمح بنقل هذه الكتلة وبهذه السرعة، ولكنها تمت بعلم الله عز وجل الذي علمه لمخلوق من خلقه، فلم ينسب الحدث إلى الرجل نفسه ولا إلى سيدنا سليمان، وإنما نسبه إلى الله عز وجل بما علمه لهذا المخلوق: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي}[⁷]. فالعمل منسوب إلى علم الله الذي علم ذلك المخلوق صنع هذا الإنجاز العظيم، فهو لم يصنعه بعلمه ولا بقدرته، وقد نسب سليمان عليه السلام هذا العمل إلى الله حين قال: {هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}[⁸].

وهكذا كلما سرنا مع هذه الرحلة العظيمة التي درسها الكثير من العلماء والفقهاء والأدباء على مر العصور، وجدنا فيها معيناً صافياً وثروة زاخرة من المعلومات تستحق أن تناقش وتعلم لنا ولاولادنا على مر الزمان، وكم من العلماء الذين ألقوا الضوء وحاولوا شرح هذه المعجزة والقصة العظيمة، ولكن ما يقال وما يشار يظل دون عظمة هذه المعجزة التي تمت بفعل الله وبقدرة الله وبعلم الله، تأييداً لهذا الحبيب ﷺ وتثبيتاً له عليه أفضل الصلاة والسلام. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وثبتنا اللهم على الإيمان والعمل الصالح، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وعليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  الحواشي: 

[¹] سورة الإسراء، الآية: ١.

[²] سورة الأحزاب، الآية: ٦٢.

[³] سورة البقرة، الآية: ١١٧.

[⁴] سورة الزمر، الآية: ٩.

[⁵] سورة المجادلة، الآية: ١١.

[⁶] سورة الإسراء، الآية: ١.

[⁷] سورة النمل، الآية: ٤٠.

[⁸] سورة النمل، الآية: ٤٠.