الأندلس بين السقوطين

ـ

ينظر بعض العقلاء بعمق إلى قضية سقوط الأندلس وكيف كانت المأساة والظروف التي قادت إلى تلك الكارثة التي قضت على إمبراطورية إسلامية ووجود إسلامي كبير، ولكن البعض الآخر من العقلاء ينظر إلى السقوط الأول وهو يوم سقطت من يد “القوط” وأصبحت في يد المسلمين، وكيف أن السقوط الأول أيضاً كان بسبب الفساد والانحلال والكبرياء والغطرسة والظلم ونهب أموال الناس مما أدى إلى تلك الفجوة الكبيرة والهوة الشاسعة بين الحكام وبين الناس. ولهذا فإني أود في عجالتي هذه أن ألقي الضوء على جانب هام من تاريخ الأندلس، وزاوية خاصة بعد أن حظيت هذا الأسبوع بالاطلاع على كتاب “الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس” الذي قامت بتأليفه الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي، وقام الأستاذ عبد المقصود خوجة بتمويل ترجمته إلى العربية، كما اطلعت على كتاب للأخ الأستاذ محمد صبري الرهبيني بعنوان: “الأندلس (إسبانيا) العلاقات بين المغرب والأندلس تاريخياً وثقافياً وأنثروبولوجياً من العهد القديم والدولة الأموية عبد الرحمن الداخل إلى عهد هشام الثاني” وكذلك كتابه الثاني بعنوان: “الأندلس (أسبانيا) الحقائق التاريخية لانهيار دولة الإسلام في الأندلس منذ بداية الفتح الإسلامي عام 92هـ إلى نهاية الدولة الأموية عام 422هـ”، وقد عشت مع ذكريات الأندلس العطرة، ووقفت لحظات دامعة مع أحداث نهاية الحكم الإسلامي، وقد رغبت في هذه المطالعة أن ألقي الضوء على السقوطين الأول والأخير. فالسقوط الأول كان عام (92 هـ – 711م) عندما سقطت تلك الديار في يد المسلمين من القوط، ثم السقوط الثاني عندما وقف فرناندو وإيزابيلا على باب غرناطة، وأخذت أجراس الكنائس تدق في أنحاء أوربا احتفالاً بسقوط آخر معاقل الإسلام في الأندلس، و”أبو عبد الله” الملك الصغير يقف في حسرة ينظر إلى الملك يضيع من يده، وأمه الحرة تقول له:

أتبكي ملكاً أنت ضيـــــــــــعتَه     أولى بـــك اليوم أن تُـــــــــــقتَّلا

وتقول له:

أبك مثل النساء ملكاً مضاعاً     لم تحافظ عليه مثل الرجال

وهكذا لابد أن ينظر العقلاء لكي يهتدوا إلى العوامل التي تتحكم في حركة المجتمعات لأن الاعتبار بها يشكل حصانة ثقافية تمنع من السقوط، كما إن التعامل مع سنة التداول الحضاري يمثل شرطاً لمعاودة النهوض والاقلاع من جديد، واستئصال شأفة قابلية التردي والنكوص الحضاري. ولا شك في أن النكسة والفاجعة التي ألمت بالأندلس قبل خمسمائة سنة توجب على الأمة المسلمة أخذ العظة أولاً، ووعي الدرس، ثم حماية تاريخها من النهب الفكري والاستلاب الحضاري الذي تعددت وسائله مصداقاً لقول الرسول ﷺ: “توشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”[¹].

فالأمة الإسلامية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، بالوقوف وقفة المتدبر عند دلالات سقوط الأندلس الإسلامية، حتى نجعل من الذكريات التاريخية أكثر من كونها مواسم للتباكي على الذي كان في أمسها الزاهر، بل لاستنهاض الهمم لبعث ذلك التحفز الحضاري المتقدم الذي مثلته الأندلس في عصرها الإسلامي المجيد، واسترجاع ذلك التاريخ المشرف، وسيرة الرجال الأفذاذ الذين وضعوا اللبنات الأساسية في صروح العلم، وصنعوا ذلك التراث المجيد، وتركوا الميراث العلمي المشرق، وإذا أردنا أن نستنهض الهمم من جديد فلابد من إمعان النظر في الأسباب التي أدت إلى سقوط الأندلس كيما نأخذ منها الدرس ونستفيد منها العبرة. فالذي يؤكده التاريخ وتثبته الوقائع أن سقوط الأندلس قبل الفتح الإسلامي من أيدي القوط وسقوطها بعد الفتح الإسلامي من أيدي المسلمين يعود في الأساس إلى الفساد والغطرسة والكبرياء وسحق الإنسان وامتهان كرامته. فقد شكل القوط نخبة أرستقراطية حاكمة ضعيفة الصلة بأهل البلاد فالوظائف الكبرى قاصرة عليهم، والتزاوج بينهم وبين رعاياهم محظور، كما ورث القوط عن الرومان نظام الرق الفاسد وكان نظاماً شديد القسوة، يقوم أساساً على امتهان كرامة الإنسان، وعلى هذا النحو أيضاً كانت جباية الضرائب، إذ أن الأرستقراطية القوطية كانت معفاة منها فبقيت تثقل كاهل الرعية.

وهكذا صار القوط لا يراعون إلاً ولا ذمة في رعاياهم فأخذوا يسومونهم الخسف وسوء العذاب. ولنطالع هذا الدرس من وحي الآيات القرآنية: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}[²] ويقول تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ}[³].

ففي منهج الهداية القرآنية ألوان من التأديب الذي نال بعض الأمم والمجتمعات المنحرفة ما يساعد على تنبيه المجتمعات التي لا تزال فيها بقية من عناصر الخير والصلاحية للبقاء، لتعدل عن الانحراف الاجتماعي وتصحح أوضاعها وتزيل ما علق بها من أوضار الفساد حتى تستقيم قناتها أو يتولد منها جيل لم تلحقه عدوى الأمراض الاجتماعية والاستهتار بالقيم الإنسانية. فالذي حدث للقوط أن سلط الله عليهم المسلمين. وسبحان الله كيف يعلمنا أن سقوط الأمم وهلاكها رهين بأدائها لحقوق الله وواجبات شكر النعم. فكفران النعم وبطر المعيشة وغمط الخلق واضطهادهم وإذلالهم واستعبادهم أسباب تؤدي إلى الهلاك.

وهكذا دخل المسلمون الفاتحون أرض الأندلس ليجدوا شعوباً أرهقها شظف العيش وأضناها العذاب بأيدي جلادين نهبوا الثروات وضنوا بالخيرات. وعلى كل حال فإنه لم تمض على حملة الفتح الأول غير ثلاث سنوات حتى أصبحت شبه جزيرة إيبيريا الولاية الجديدة التي أضيفت إلى دولة الإسلام بعد اقتطاعها من قارة أوربا المسيحية.

ومنذ ذلك التاريخ استقر المسلمون في البلاد “لا على أنهم غزاة قدموا للغنيمة ومن ثم فهم ينوون العودة إلى مواطنهم، وإنما هم نواة لمجتمع وليد، وفاتحة لعصر جديد تغير به وجه التاريخ”، فدانت لهم معظم شبه الجزيرة وهي تفتح بسلام وأمان، كما أعيد للشعب كرامته وحياته برفع الأعباء الثقيلة التي كانت قد سحقت الصناعة والزراعة فوضعت عنهم الضرائب الباهظة، وطبق نظام الإسلام بعدالته السماوية ورحمته للعباد، فشيدت المساجد وبنيت الدور السكنية والتكايا وضربت العملة الذهبية كأساس للتعامل النقدي، أما الحركة العلمية فنشطت بصورة كبيرة مما جعل الشعب على اختلاف أنماطه ينخرط في تعليم أصول الدين الجديد، فجلس لذلك العلماء الذين دخلوا بدخول الفاتحين. وهذه هي طبيعة الإسلام مع البيئات البالية، فإذا ما انساب عليها ماؤه الطاهر أحالها إلى حدائق غناء تتغنى بنور المعرفة وبريق الهداية.

وفي فترة وجيزة دونت الدواوين وطبعت الكتب كما نشطت بذلك الحركة الفكرية والأدبية، فتبارى الأدباء شعراً ونثراً كما تناظر العلماء فقهاً أمثال ابن رشد في فلسفته، والوليد الباجي في فقهه، وابن حزم في مناظراته، وأسماء أخرى في ذاكرة التاريخ وغرر في جبين الدهر حضارة زاهية صنعها المسلمون لا شرقية ولا غربية أساسها كتاب مجيد وسنة شريفة: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}[⁴].

وهكذا استمر هذا العطاء ثمانية قرون غير أن أعداء الإسلام الذين مازالوا يضمرون له شراً ولحضارته لم يغمض لهم جفن ولم تهدأ لهم ثائرة، فأخذوا يكيدون المكايد ويدسون الدسائس ويحيكون المؤامرات بين أمراء المسلمين وولاتهم. وكانت بداية النهاية من هنا. فدب الخلاف وبدأ التنافس على سدة الحكم الذي أضحى مغنماً تقاتل عليه الآباء والأبناء والأعمام والأخوال. فانحلت بذلك عرى الدولة وتفككت وحدتها وأصبح حب الدنيا هو الطاغي على الناس. كما عادت مرة ثانية مسارح اللهو والغناء والطرب فصارت الغانيات يتدخلن في شئون الحكم. كأنما تناسى أولئك أنهم حملة رسالة وأصحاب مبادئ. وكأنهم لم يستفيدوا من درس سقوط دولة القوط. بل تناسوا آيات الله الكونية وأن زوال النعم مرهون بأداء شكرها وكفرانها موجب لزوالها. فكانت عناية الله وعونه لهم عندما كانوا أنصاره، فلما ابتعدوا عن منهجه وشغلتهم شهواتهم ونزواتهم أضحوا لقمة سائغة في أيدي أعدائهم. وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}[⁵].

وفي هذا المقام أود أن أشير إلى حقيقة غاية في الأهمية ذلك أن سقوط الأمم يخضع لأسباب كثيرة، وليس لسبب واحد محدد. فهناك أسباب جوهرية وأخرى مساعدة على السقوط، كما أن هناك أسباب عامة تتصل بسنن الله الكونية. وأسباب خاصة تتصل بالقسمات المميزة لكل أمة وبطبيعتها الحضارية وتراثها الخاص وبمستوى التحديات البيئية والنفسية والفكرية التي تحيط بها.

وقد سقطت غرناطة وطرد المسلمون من الأندلس الإسلامية. وكأن العرب طردوا من الأندلس بلا أسباب، وكأن سنن الله الكونية كانت بعيدة عنهم. فلم يكن سقوطهم عقاباً من الله. كلا فسقوطهم على هذا النحو كان متوقعاً. فماذا بعد استشراء الفساد في كل جانب من جوانب الحياة. فغلبة العوامل العنصرية على الأخوة الإسلامية كالصراع بين العرب والبربر، والعدنانيين والقحطانيين، والعرب والمولدين كان له أثره البيِّن في تفتيت وحدة الأمة. كذلك ضعف العقيدة الإسلامية في النفوس والضمائر وتطويعها لخدمة القومية، والتكاثر المادي وتبديد طاقة الأمة في بناء المظاهر المترفة، وفساد القلوب والضمائر، وانتشار الأمراض القلبية من الحقد والبغضاء، والانحلال والخمور.

كما أن أهم أسباب سقوط غرناطة ترجع إلى الحكام وتقريبهم للسفهاء والمارقين، وإبعادهم للأتقياء والعقلاء والصالحين، وسهرهم على الملذات وتضييعهم المروءات وجرأتهم على حرمات الله. كما ظهر الفساد في البر والبحر. والأسباب كثيرة لا يحصيها إلا دارس بصير. غير أني أرجع فأقول أن المسلمين في الأندلس فسدوا حتى بطروا وتنافسوا وأصابتهم الكبرياء والغطرسة وتطاحنوا على الدنيا. فالذي حلَّ بهم كان عقاباً من الله بسبب ما كسبته أيديهم وكفرانهم لنعم المولى عز وجل. وصدق الله القائل: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}[⁶].

  الحواشي: 

[¹] رواه أبو داود في سننه (4297)، وأحمد في مسنده (16762).

[²] سورة النحل، الآية: 112.

[³] سورة القصص، الآية: 58.

[⁴] سورة المائدة، الآية: 15.

[⁵] سورة الإسراء، الآية: 16.

[⁶] سورة النحل، الآية: 112.