احترام الخلفاء والصحابة لأبي هريرة

إنه الصحابي الجليل، والإمام الفقيه، صاحب رسول الله ﷺ وراوية الإسلام، هاجر من أرض دوس في بضعة وثمانين بيتًا، وكانوا قد أسلموا على يد الطفيل بن عمرو الدوسي، فلما وصلوا المدينة في المحرم من سنة سبع للهجرة وجدوا رسول الله ﷺ قد خرج إلى خيبر، فخرج أبو هريرة مع رجال منهم شوقًا إلى لقائه، فوجده عائدًا من فتحها بغنائم كثيرة [¹] وكان مع أبي هريرة غلام قد ضاع عنه، فلما أسلـم طلع الغلام فقال له النبي ﷺ: يا أبا هريرة هذا غلامك قد أتاك، فقال: أما إنـي أشهدك أنه حر!! وهذا من دلائل صدقه وفرحه برؤية النبي ﷺ، وبالهجرة إليه، وهو من دلائل جوده وكرمه وزهده، ثم أنشد بين يدي النبي ﷺ بيتًا قال له حين هاجر عن بلاده إلى الله ورسوله:

يا ليلة من طولها وعنائها     على انها من دارة الكفر نجت

ومنذ ذلك اللقاء المبارك رأى النبي ﷺ في ملامح أبي هريرة الخير والبر والتقوى، فقال: ممن أنت؟ قال: من دوس. قال: ما كنت أرى في دوس أحدًا فيه خير.

وقد امتدت صحبته منذ هذا اللقاء إلى أن توفي رسول الله ﷺ، فهي أربع سنوات وشهران تقريبًا، وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة.

وأحس أبو هريرة بسعادة غامرة بهذا الانتقال من ظلمات الكفر والجاهلية إلى أنوار الإيمان والإسلام، فكرس حياته لهذا الدين، وأعرض عن زينة الحياة الدنيا وزهرتها، وانقطع لخدمة رسول الله ﷺ فقبله وأدناه، وأصبح أبو هريرة يدور معه حيث دار، فكان أعلم الصحابة بحديثه، وأسعد الناس بخدمته والقرب منه، ولقد جاهد معه، فحضر كل غزواته بعد خيبر، وأوى إلى الصفة يعيش مع زاهدًا في الدنيا، مقبلًا على طلب العلم، وحفظ الحديث، يحضر حين يغيبون، ويحفظ حديثه حين ينسون، قال رحمه الله: “قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة، وأقمت معه حتى توفي، أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه، وأنا والله يومئذ مقل، وأصلي خلفه، وأحج معه، فكنت والله أعلم الناس بحديثه”[¹]، وفي رواية أخرى للبخاري: “أن أبا هريرة قال فحضرت والنبي ﷺ مجلسًا فقال: من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئًا سمعه مني، فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إلي، فو الذي نفسي بيده ما نسيت شيئًا سمعته منه بعد!!”[²].

هكذا أحب أبو هريرة رسول الله ﷺ وأخلص له، وتفرغ لخدمته، وقبله رسول الله ﷺ في خاصته المقربين وخصه بدعائه، وبسط ردائه، لما رأى من حبه وإخلاصه وزهده وصدقه وورعه وحرصه على تعلم العلم وحفظ الحديث، فقد روي النسائي بسنده أنه جاء رجل إلى زيد بن ثابت فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد، ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي، فجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا، ودعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سأل صاحباي، وأسألك علمًا لا ينسى.. فقال رسول الله ﷺ: آمين. فقال زيد وصاحبه: ونحن يا رسول الله نسأل علمًا لا ينسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي!!”[³].

وذكر له أمرها، وسأله أن يدعو الله أن يهديها، فقال رسول الله ﷺ: “اللهم اهد أم أبي هريرة”، فخرج مستبشرًا، فلما وصل وجد الباب مغلقًا، وسمع خَضْخَضَةَ الماء، فلما أحست به قالت: مكانك، فلما فرغت ولبست لباسها فتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فرجع إلى النبي ﷺ وهو يبكي من الفرح، فقال: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعوتك، وهدى أمي، فحمد الله وأثنى عليه خيرًا، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين، فقال: “اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليها”[⁴].

قال الإمام ابن حجر في الفتح: “هذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهد الله ذكره، بما قدره أن يكون من رواته” – أي رواة حديثه ﷺ[⁵].

فإذا أضفنا إلى ذلك ما رواه الإمام البخاري عنه رضي الله عنه قال: “قلت: يا رسول من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه”[⁶].

فهذه أعظم شهادة من سيد الخلق ﷺ لأبي هريرة بأنه كان حريصًا على طلب العلم وحفظ الحديث، تتضاءل أمامها كل شهادة، كما أنها دليل على عظيم ثقة النبي ﷺ بأبي هريرة، وأمانته في الرواية، وصدقه فيما يحدث به، وهي دليل على شدة حب أبي هريرة للنبي ﷺ، وتطلعه إلى نوال شفاعته والقرب منه يوم القيامة، وهي فضيلة لا توجد إلا في السابقين وأهل الإحسان الذين يجتهدون ليكونوا في أعلى منازل الجنات، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين سبقت لهم الحسنى من الله عز وجل، وكتبت لهم السعادة قبل الولادة.

ومن الدلائل العظيمة على ثقة النبي ﷺ بأبي هريرة وحبه له أنه بعثه مع العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي في البحرين بعد الفتح، وأوصى به العلاء خيرًا، فقال له العلاء: إن رسول الله ﷺ قد أوصاني بك خيرًا، فانظر ماذا تحب؟ فاختار أن يؤذن للصلوات فقال: أؤذن لك.

فانظر إلى هذه الوصية به ودلالتها على حب النبي ﷺ له؟ وانظر إلى زهد أبي هريرة الذي اختار أن يؤذن للصلوات، لما يعلم من رسول الله ﷺ عن فضل الأذان والمؤذنين وهذا دليل ورعه وزهده وتقواه، وقد كان زاهدًا في الدنيا، معرضًا عن الزينة، تحمل الجوع والحرمان وعاش مع أهل الصفة يتعهدهم ويرعاهم ويحمل إليهم الصدقات، ويبلغهم ما يصدره لهم النبي ﷺ وكان بارًا بأمه غاية البر قبل أن تسلم وبعد إسلامها، وكان عظيم الشكر لله على أنعمه، شديد المحاسبة لنفسه، كثير الذكر الله، كثير العبادة والقيام في الأسحار، كثير التواضع لله، كثير الخوف منه.

عرف الصحابة رضوان الله عليهم لأبي هريرة فضله وقربه من النبي ﷺ، وثقته به، وصدقه وأمانته وزهده وورعه وتقواه، فقد أخرج البخاري أن أبا بكر الصديق بعثه حين حج في الناس قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس: “ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان”[⁷]، وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه قال: “كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة، .. قال: كنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن ولا يطوف بالبيت عريان.. ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك، قال: فكنت أنادي حتى حَصُلَ صوتي!!”[⁸].

وشهد كبار الصحابة لأبي هريرة بالصدق في الحديث عن النبي ﷺ، وبدقة الحفظ، والجرأة على الرواية، فقد سئل طلحة بن عبيد الله فقيل له: يا أبا محمد، أرأيت هذا اليماني، أهو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم، نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، أم هو يقول على رسول الله ما لم يقل؟ فقال طلحة: “أما أن يكون سمع ما لم نسمع، فلا أشك، وسأحدثك عن ذلك: إنا كنا أهل بيوتات وغنم وعمل، كنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار، وكان أبو هريرة مسكينًا ضيفًا على باب رسول ﷺ، يديه مع يده فلا نشك أنه سمع ما لم نسمع، ولا تجد أحدًا فيه خير[⁹] يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل” ومر رجل بطلحة فقال له: لقد أكثر أبو هريرة!! فقال طلحة رضي الله عنه: “قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا!!”[¹⁰].

ومر ابن عمر رضي الله عنهما بأبي هريرة فسمعه يحدث عن أجر الصلاة على الجنازة وتشييعها حتى تدفن فقال: “أبا هريرة انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ”، فأخذ أبو هريرة بيده، وانطلق به إلى عائشة فقال لها: “يا أم المؤمنين أنشدك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان؟” فقالت: “الله نعم!” فقال له ابن عمر: “أَتَّبْت[¹¹] يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه”[¹²].

ويروي حذيفة بن اليمان فيقول: قال رجل لابن عمر: “إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ” فقال له ابن عمر: “أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به، ولكنه اجترأ وجبنا!!”.

وقال: “أبو هريرة خير مني، وأعلم بما يحدث!!”[¹³].

وسمع رجل أبا أيوب يحدث عن أبي هريرة فقال: “وأنت صاحب رسول الله ﷺ؟!!”.

فقال أبو أيوب: “إنه قد سمع، وأن أحدث عنه، عن رسول الله ﷺ أحب إلي أن أحدث عن النبي ﷺ!!” وهذا دليل ثقة أبي أيوب بأبي هريرة، وخشيته من أن يحدث عن رسول الله ﷺ لأن أبا هريرة أحفظ منه.

ومر عمر بن الخطاب في المسجد فوجد حسان ينشد الشعر، فلحظ عليه، فقال حسان: كنت أنشد الشعر وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: “أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟” قال: “اللهم نعم”. فسكت عمر[¹⁴].

وأخرج البخاري أن عمر رضي الله عنه أتي بامرأة تشم، فقام فقال: “أنشدكم بالله، من سمع من النبي ﷺ في الوشم؟” قال أبو هريرة: “فقمت فقلت: يا أمير المؤمنين أنا سمعت، قال: ما سمعت؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا تَشْمِنِ[¹⁵] ولا تَسْتَوْشِمِنِ[¹⁶]!!”[¹⁷] وغير هؤلاء من كبار الصحابة الذين شهدوا لأبي هريرة ووثقوه ورووا عنه كثيرون جدًا منهم: أبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله ابن عباس، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وعبد الله بن الزبير، والمسور بن مخرمة، وآخرون كثيرون يضيق المجال عن ذكرهم وذكر ما روي عنهم في ذلك.

وهذا يحملنا على القول: إنه لم يكن في الصحابة أحد إلا وهو يثق بأبي هريرة وأمانته ودقة حفظه، وصحة روايته، ولا يوجد في الصحابة كلهم أحد إلا ويحترم أبا هريرة ويقدره ويعلم له فضله في رواية السنة وحفظها.

لقد كان الصحابة كلهم وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون يثقون بأبي هريرة، ويعترفون له بالحفظ والصدق والأمانة، ويعرفون له ملازمته للنبي ﷺ وخدمته له، وحرصه على سماع حديثه وحفظه وروايته، ويعرفون دعاءه له ولأمه، ويعرفون قصة الرداء، والتأمين على دعائه حين سأل الله تعالى علمًا لا ينسى.. ولم يكن فيهم أحد يشك في صدقه وأمانته، إلا ما روي أن عمر رضي الله عنه فإنه كان يتشدد في الرواية عن النبي ﷺ خشية الوقوع في الخطأ أو النسيان أو الزيادة أو النقصان ولو عن غير قصد، ويؤيد هذا أنه كان إذا سئل أن يحدث عن رسول الله ﷺ يقول: أخاف أن أزيد حرفًا أو أنقص، إن رسول الله ﷺ قال: “من كذب علي فهو في النار”.

ولكن عمر رضي الله عنه لم يكن يمنع أحدًا من الصحابة أن يحدث، فهو يخشى كما يقول ابن كثير رحمه الله من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك.

ويؤيد هذا أن سيدنا عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة حين بدأ يكثر من الحديث: “أكنت معنا حين كان النبي ﷺ في مكان كذا؟” قال: “نعم، سمعت النبي ﷺ يقول: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار..” فقال له عمر: “أما إذ ذكرت ذلك، فاذهب فحدث”[¹⁸].

ولكن بعض الناس لأغراض مختلفة حاولوا أن يثيروا الشبهات حول السنة الشريفة، ويشككوا في صحتها، ومن أجل ذلك كذبوا على عمر رضي الله عنه، وزوروا الروايات، فزعموا أن عمر قال لأبي هريرة: “لَتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ، أو لألحقنك بأرض القردة!!” وهذا كذب وافتراء وبهتان عظيم، فإن عمر لم يقل هذا لأبي هريرة ولا شبيها له، بل أذن له بالرواية وقال: “أما إذا ذكرت ذلك فاذهب وحدث” كما سبق أن رأينا.

والصحيح كما روى ابن كثير أن عمر قال لكعب الأحبار: “لَتتركن الرواية عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة!!” والذي حمل عمر على هذا القول أن كعب الأحبار كان يهوديًا من أحبار اليهود في اليمن فأسلم ثم جاء إلى المدينة، ولم تكن له صحبة، وكان كثير الحديث عن أهل الكتاب، وقد انبهر به كثير من الناس وكثروا حوله لما يحدثهم به من الغرائب، فأراد عمر أن يمنع كعبًا من ذلك فقال له “لَتتركن الرواية عن الأول..” ولكن أعداء الإسلام وأعداء السنة حرفوا هذه الرواية فزعموا أن عمر قال لأبي هريرة “لَتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض القردة!!”.

وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وهو فعل مجموعة من المستشرقين وأتباعهم الذين يستحلون الكذب والتزوير للتشكيك في السنة الشريفة وطعنها في الصميم.

ومن المطاعن الأخرى على أبي هريرة رضي الله عنه ما زعموه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استنكر كثرة روايته، ومنعه وضربه بالدرة، وبكل أسف يروج هذا ويتكلم به بعض الناس في المجالس وكأنه قضية مسلمة، وهذا أيضًا كسابقه من الكذب والافتراء والتزوير الفاقع الذي لا يخفى على أحد.. وهو كذب على عمر رضي الله عنه على وجه الخصوص، فقد كان يجل صحابة النبي ﷺ، ويعرف لهم أقدارهم، وكان إذا رأى رأيًا ثم روجع فيه فعلم أنه خطأ تراجع عنه، وكان وقافًا عند الحق، وقد أقر لأبي هريرة بالصدق والحفظ وأذن له في الرواية.

ولقد راجعت كتب الحديث، وأخبار عمر وسيرته وأخبار أبي هريرة وسيرته فلم أعثر على أنه منعه من الرواية، أو ضربه بالدرة.. فهذا لا يجوز ترويجه للطعن في صحابي جليل.. وأخشى ما أخشاه أن يخلط بعض الناس بين شدة سيدنا عمر وحرصه على حفظ السنة من الزيادة أو النقص، فيظن أنه كان يمنع الرواية عن النبي ﷺ وقصته مع أبي هريرة حين دخل النبي ﷺ حائطًا فأبطأ عن الصحابة حتى خشوا أن يكون قد أصابه شيء، فكان أبو هريرة أسرع من فزع، فدخل على رسول الله ﷺ، فرآه فسأله عن شأنه، فأخبره بفزع الناس عليه، وأنهم من ورائه، فأعطاه النبي ﷺ نعليه وقال له: “يا أبا هريرة، اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من ورائك يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة”، فكان أول من لقي عمر، فسأله عن النعلين، فقال: “هاتان نعلا رسول الله ﷺ، بعثني بهما، من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشرته بالجنة”، فضرب عمر بيده بين ثدييه قال: “فخررت لأستي[¹⁹]، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بكاء، وركبني عمر – أي لحقني – فقال لي رسول الله ﷺ: مالك يا أبا هريرة؟ فأخبرته خبره.. فقال له رسول الله ﷺ: يا عمر ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا من قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون، قال رسول الله ﷺ: فخلهم”.

فهذه القصة تدل على شدة عمر في دين الله، وخشيته أن يتكل الناس ويدعوا العمل ولا يجوز تحريفها للترويج أنه منع أبا هريرة من رواية الحديث مطلقًا، لا في حياة النبي ﷺ ولا بعد وفاته بل هي شاهد على ثقة النبي ﷺ بأبي هريرة، وشاهد على شدة حب أبي هريرة للنبي ﷺ وشاهد على شجاعته وسبقه للبحث عن رسول الله والاطمئنان عنه فقد رأينا كيف أذن عمر رضي الله عنه له بالرواية حين علم أن أبا هريرة سمع النبي ﷺ يقول: “من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار”.

فلا يجوز أن يفهم أحد من هذا أن عمر رضي الله عنه منع أبا هريرة من الرواية عن رسول الله ﷺ، كما لا يجوز أن يصدق أحد أن عمر ضرب أحدًا، أو حبس أحدًا لمنعه من الرواية عن النبي ﷺ، وكيف يصح هذا وعمر رضي الله عنه أحد رواة السنة الشريفة، قد روى البخاري له. وروى له مسلم وروى له الإمام أحمد في مسنده ثلاثمائة وسبعة عشر حديثًا، ولو طال العمر بسيدنا عمر كما طال بأبي هريرة لزادت مروياته عن ذلك زيادة كبيرة.

بل إن عمر رضي الله عنه كان يثق بأبي هريرة ويسأله في كثير من الأمور كما سبق وذكرنا، وكما أن عمر رضي الله عنه كتب إلى العلاء بن الحضرمي أن يخلف عقبة بن غزوان على البحرين، فخرج العلاء ومعه أبو هريرة، فمات العلاء في الطريق، ورجع أبو هريرة إلى البحرين، ثم كان أبو هريرة في البحرين في إمارة قدامة بن مظعون، ثم ولي عمر أبا هريرة على الصلاة والقضاء.

ثم ولى عمر أبا هريرة أميرًا على البحرين وهجر حين دعا أصحاب رسول الله ﷺ فقال: “إذا لم تعينوني فمن يعينني؟” قالوا: نحن نعينك.. فقال: “يا أبا هريرة ائت البحرين وهجر أنت العام”، وهذا يدل على أن أبا هريرة كان من أعيان الصحابة وأهل الحل والعقد أيام عمر، ولاه البحرين وهجر لأنه كان خبيرًا بها، وموضع ثقة أهلها، ثم عزل عمر أبا هريرة عن البحرين، وحاسبه كما حاسب غيره من عماله وأخذ بعض أموالهم فردها إلى بيت المال، قال ابن سيرين: “فكان يقاسم عماله أموالهم، ثم يعطيهم أفضل من ذلك!!” وذلك أن عمر كان يخشى أن يكون الناس قد راعوا عمالهم في مكاسبهم وتجارتهم، فكان يأخذ منهم ما يأخذ ويضعه في بيت المال تبرئة لذممهم، ثم يعطيهم من بيت المال لتزول عن أموالهم الشبهة.

ثم أراد عمر رضي الله عنه أن يولي أبا هريرة، فقال له: “ألا تعمل؟” قال: قلت: “لا”، قال: “قد عمل من هو خير منك، يوسف”، فقلت: “إن يوسف نبي ابن نبي، وأنا ابن أميمة.. وأخشى أن أقول بغير علم، وأحكم بغير حلم، وأخشى أن يضرب ظهري، وتشتم عرضي، وينتزع مالي!!”.

هكذا رفض أبو هريرة الإمارة لعمر، ولو كان عمر قد جرب عليه خيانة ما دعاه ليوليه مرة أخرى!! فهل يريد الطاعنون بأبي هريرة برهانًا أقوى من هذا على ثقة عمر به وتوليته إياه!!.

ومثل هذه الساقطة ساقطة أخرى تشبث بها أعداء الإسلام من المستشرقين وأعداء السنة، فزعموا أن عمر حبس ثلاثة من كبار الصحابة، ليمنعهم من رواية السنة الشريفة، هم عبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو ذر، وقد بين ابن حزم كذب هذه الرواية فقال: “إن الخبر في نفسه ظاهر الكذب لأنه لا يخلو أن يكون قد اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه.. أو يكون نهى عن نفس الحديث، وعن تبليغ السنة، وألزمهم كتمانها وجحدها، وهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك”،

إن هذا الزعم يخالف المشهور عن سيدنا عمر رضي الله عنه من حرصه على نشر الإسلام ورواية السنة، ولقد أرسل عبد الله بن مسعود وهو من كبار علماء الصحابة ورواة السنة وله مكانة كبيرة في نفس عمر، أرسله إلى الكوفة معلمًا ووزيرًا، ليعلم الناس الدين والأحكام المستمدة من الكتاب والسنة وقد امتن على أهل العراق بإرساله إليهم فقال: “أما بعد فإني بعثت إليكم عمارًا أميرًا، وعبد الله معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ، فاسمعوا لهما، واقتدوا بهما، وإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي”.

فهل آن لأبناء المسلمين، أن يراجعوا سيرة الصحابة بدقة ويتعمقون في فهمها ويتأكدون من كل رواية يعتمدون عليها وبخاصة أولئك الذين يخوضون في الصحابة الكرام بغير علم، ويتكلمون في الدين بغير فقه، ويصدقون الخائنين الكاذبين، أعداء الله وأعداء رسوله من المستشرقين والمستغربين فيما يزورونه باسم العلم وباسم حرية البحث العلمي، وهم ألد أعداء الإسلام، وألد أعداء المسلمين، والله عز وجل يحذرنا منهم فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}[²⁰].

ولنتذكر جميعًا وصية رسول الله ﷺ: “الله.. الله في أصحابي”[²¹].

أبو هريرة ومروياته في ضوء العلم الحديث:

ولقد أكرمني الله سبحانه وتعالى بدراسات قمت بها حول أحاديث هذا الصحابي الجليل، وتعاونت فيها مع مجموعة من الرجال والنساء في جمهورية مصر العربية، وفي المملكة العربية السعودية، وفي المملكة الأردنية الهاشمية، وقد كانت الفكرة الأساسية هي استخدام الحاسب الآلي لتحليل جميع الأحاديث التي نسبت إلى أبي هريرة رضي الله عنه في كتب الحديث، وقد بدأنا في أول الأمر بالكتب الأمهات الستة وهي: (صحيح البخاري وصحيح مسلم والنسائي وابن ماجة وأبو داود والترمذي)

ثم انتقلنا إلى دراسة أحاديث أبي هريرة في كتب الحديث التسعة المعتمدة وهي الأمهات الستة السابقة بالإضافة إلى (موطأ مالك، ومسند الإمام أحمد، والدارمي)، وقد أكرمنا الله سبحانه وتعالى باستخدام الحاسب لمعرفة حقائق مهمة عن عدد الأحاديث المروية عن أبي هريرة بسند متصل، وقد بلغت (8506 حديث) والأحاديث التي رويت عن أبي هريرة بسند منقطع وقد بلغت (454 حديث) وبذلك يكون مجمل الأحاديث التي رويت عن أبي هريرة في الكتب التسعة (8960 حديث)، ورجعنا في ذلك إلى أعمال الموسوعة العلمية لصخر وكذلك الموسوعة الذهبية للتراث، وركزنا العمل على أحاديث هذا الصحابي الجليل أبي هريرة الذي اشتهر بالورع وصدق الإيمان والتقوى والمروءة والأخلاق والحفظ لأحاديث رسول الله ﷺ وكان من أقرب الصحابة لرسول الله ومن الذين تأدبوا بآدابه ﷺ.

أعود فأقول: إن الطعن في الصحابة طعن في الدين والتهجم عليهم تهجم على الدين طعن بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية ومن هؤلاء الصحابة بل من خيرتهم أبو هريرة رضي الله عنه فهو الصحابي الجليل المعروف بالورع وصدق الإيمان والتقوى والمروءة والأخلاق والتأدب بآداب الإسلام، آتاه الله قلبًا واعيًا وحفظًا دقيقًا صائبًا وقد دعا له الرسول ﷺ بالحفظ فكان لا ينسى، تفرغ للسماع من النبي ﷺ وكان حريصًا أن لا يفوته حديث وشهد له بذلك رسول الله ﷺ: “لقد علمت من حرصك على الحديث أن لا يسألني هذا السؤال غيرك”[²²]، ولذا نقل لنا الأحاديث الكثيرة فقد صحب النبي ﷺ على ملء بطنه ولازم النبي ﷺ ملازمة تامة، أسلم قبل الهجرة بسنين، وهجرته إلى المدينة كانت سنة سبع من الهجرة يوم خيبر وصحبه أربع سنين وليال، قال الذهبي: “وهذا أصح فمنذ فتح خيبر إلى الوفاة أربعة أعوام وليال”، وقد تميز رضي الله عنه بحفظ وسعة رواية ودقة شهد له بها الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فقد قال طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة: “لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع”.

وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبي هريرة: “أنت كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأحفظنا لحديثه”[²³]. (قال الترمذي هذا حديث حسن).

وروي هذا عن عمر رضي الله عنه أيضًا قال حذيفة بن اليمان: قال رجل لابن عمر: “إن أبا هريرة كثير الحديث عن رسول الله ﷺ” فقال ابن عمر: “أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به ولكن اجترأ وجبنا”..

وقد روى عنه بعض الصحابة قبل أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس:

أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: البخاري ومسلم ومسند أحمد

عبد الله بن عباس: البخاري

عبد الله بن الزبير: مسند أحمد

أنس بن مالك: البخاري ومسلم

واثلة بن الأسقع: ابن ماجه

المسور بن مخرمة: مسند أحمد

أبو أسامة سهل بن حنيف: مسلم ومسند أحمد

أبو الورد المازني المصري: مسند أحمد

محمد بن إياس بن البكر: أبو داود

عبد الله بن عتبة بن مسعود: أبو داود

عبد الله بن عمر: الترمذي المستدرك

وعند الحاكم أسماء الذين رووا عن أبي هريرة منهم: زيد بن ثابت، عبد الله بن عمرو، أبي بن كعب، عائشة، عقبة بن الحارث، وأبو موسى الأشعري، والسائب بن زيد وأبو نضرة الغفاري وأبو رهم الغفاري وشداد بن الهادي وأبو رزي العقيلي وعمر بن الحكم والحجاج الأسلمي وعبد الله بن الحكم والأغر الجهني والشريد بن سويد رضي الله عنهم. (جـ35ـ أبو هريرة).

وقال ابن حزم: “أبو هريرة أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ”.

وقال الشافعي: “أبو هريرة أحفظ من روى الأحاديث في دهره”.

وقد تابع عمر بن الخطاب أبا هريرة حتى تأكد من دقته وخشيته لربه فسمح له بالحديث، واختبره مروان بن الحكم، وحديث أبي الزعيزعة واضح جدًا وهو كاتب مروان قال: “إن مروان أرسلني إلى أبي هريرة فجعل يسأله وأجلسني خلف السرير وأنا أكتب حتى إذا كان رأس الحول دعا به فأقعده من وراء الحجاب فجعل يسأل عن ذلك الكتاب فما زاد ولا أنقص ولا قدم ولا أخر قلت: هكذا فليكن الحفظ”.

ووثقه ابن عباس وتلاميذ ابن عباس يروون عنه: مجاهد وطاوس وعطاء بن أبي رباح والشعبي ونافع بن جبر بن مطعم وسهل بن حنيف وابن سيرين وغيرهم.

ووثقه أبو سعيد الخدري وتلاميذ أبي سعيد الخدري يروون عنه منهم: عطاء بن زيد الليثي وأبو عثمان النهدي.

ووثقه ابن مسعود الذي قال فيه ﷺ: “ما حدثكم به ابن أم عبد فصدقوه” وتلاميذ ابن مسعود يروون عنه منهم: محمد بن كعب القرظي وقيس بن حازم.

وقال البخاري: “روي عن أبي هريرة نحو الثمانمائة من أهل العلم وكان أحفظ من روى الحديث في عصره”، وفي صحيح البخاري أن أبا هريرة قال: “لم يكن من أصحاب النبي ﷺ أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب”[²⁴]. (البخاري ومسلم).

وقد روى الحاكم والإمام أحمد ما يدل على أن الحديث كان مكتوبًا عنده، قال ابن حجر: “لا يلزم من وجود الحديث مكتوبًا عنده أن يكون بخطه وقد ثبت أنه لم يكتب فتعين أن يكون المكتوب عنده بغير خطه”.

فتعديل الصحابة له واضح جدًا والصحابة كلهم عدول، وتعديل علماء التابعين له واضح أيضًا وتعديل المحدثين (الذين يزنون الرجال بميزان أدق من ميزان الذهب والفضة) له بل ثناؤهم ومدحهم واضح أيضًا، وإن الطعن بأبي هريرة بعدما سمعت أيها القارئ شهادة الرسول ﷺ بحرصه على الحديث، وشهادة الصحابة بتزكيته، ثم علماء التابعين وتابع التابعين الذين هم خير القرون بتزكيته، طعن بهؤلاء جميعًا وليس لها مجال إلا العداوة للإسلام والطعن بالإسلام والدس على الإسلام، وإني أخشى أن ينطبق على هؤلاء ما قال أحد العلماء بأن الذي يطعن بأبي هريرة زنديق.

فإن إكثار الرواية عن رسول الله ﷺ شيء طبيعي ممن هذه صفاته ومنزلته ومكانته وإذا علمنا أن الأحاديث المروية عن أبي هريرة مكررة من جهة:

1. أن الحديث يرويه عن أبي هريرة عدد قد يصل إلى العشرين بل والخمس والعشرين ويعد المكرر بعدد التكرار.

2. أن الحديث يرويه عن النبي ﷺ عدد من الصحابة يشاركون أبا هريرة في روايته عن النبي ﷺ (فربما يعد الحديث بعدد المشاركين أيضًا)؟

3. وهناك أحاديث مروية عن أبي هريرة لم يصح لها سند فهي منقطعة ولكن محسوبة بالعدد.

4. وقد ذكر الأعظمي أن الذين أحصوا أحاديث أبي هريرة من ستة كتب: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وكان المجموع عندهم 5374 كما جاء عن ابن حزم وابن الجوزي مع المكرر طبعًا، وأن أحمد شاكر أحصى أحاديث الكتب الستة مع مسند الإمام أحمد بعد حذف المكرر 1579 في مسند الإمام أحمد بعد حذف المكرر في مسند الإمام أحمد بعد حذف المكرر، فأين هذا مما ذكره ابن الجوزي جــ61، 62.

ويقول الدكتور الأعظمي: روايات أبي هريرة بالمسند مع الكتب الستة لم تتجاوز (1500) بعد حذف المكرر مع أنه في مسند الإمام أحمد وحده 3833 بتكرار الأسانيد، وينتقل الدكتور الأعظمي عن بشار عواد وزملائه الذين صنفوا المسند الجامع 21 كتاب جـ64-65 قام بتحقيقه محمد مصطفى الأعظمي فبلغ عدد أحاديث أبي هريرة في هذه الكتب مع التكرار 2740، ولما قام أحد تلاميذي بترقيم عدد المتون فبلغ العدد 1580 حديثًا فقط جـ65 ويقول محمد ضياء الرحمن الأعظمي: “بعد دراستي للكتب الستة مع مسند الإمام أحمد وصلت نتيجة مشجعة وهي أن معظم مرويات لها شواهد كثيرة من الصحابة الآخرين تصل أحيانًا إلى خمسة وعشرين شاهدة، وقد علمت أن مجموع ما في الكتب الستة مع مسند الإمام أحمد لم تتجاوز 1500 بعد حذف المكرر” انتهى كلام الأعظمي.

ويذكر الشيخ خليل ملا خاطر: “إن هذه الألوف من الأحاديث التي رواها أبو هريرة ليست هي مستقلة إنما هي طرق متعددة لتلك الأحاديث لأن علماء الحديث يعدون الحديث الواحد إذا ورد من طرق مختلفة أحاديث بعدد تلك الطرق فمثلاً حديث الذبابة رواه حسب علمي أربعة من الصحابة وجاء حسب جمعي لها من حوالي 68 طريقًا فيعده أهل الحديث 68 حديثًا بينما هو في الحقيقة حديث واحد جاء عن أربعة من الصحابة، فتلك الأحاديث التي رواها أبو هريرة أكثر من 5372 حديثًا وهي في الواقع ترجع إلى حوالي (1270-1300) حديثًا”، ثم يروى عن السيد المنتصر الكتاني أن أبا هريرة لم ينفرد إلا بعدد أصابع اليدين (7-8 من الأحاديث).

ونحن بدراستنا الجديدة وجدنا أن العدد بالكتب التسعة البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والموطأ ومسند الإمام أحمد والدارمي (8960 حديث) والمروي بسند متصل(8510) وبسند منقطع (450) وبعد التمحيص وحذف المكرر أصبح العدد /1415/ وهي التي رواها أبو هريرة وقد اشترك بروايتها عن النبي ﷺ عد معه عدد من الصحابة والأحاديث التي انفرد بها مع التكرار /253/ فإذا حذفنا المكرر وهو 213 وجدنا المنفرد 40 حديثًا فصار المجموع 1415+40= 1455 وسنتابع الأمر في الموسوعة الذهبية (عمان) ولعلنا نصل إلى ما ذكره الشيخ خليل ملا خاطر عن السيد المنتصر الكتاني بأن المنفرد لم يتجاوز سبعة أو ثمانية أحاديث.

هذا وإنا سننشر أحاديث أبي هريرة بعد حذف المكرر والتي اشترك بروايتها عن الرسول ﷺ غير أبي هريرة وسننشر الأحاديث التي انفرد بها أبو هريرة بعد حذف المكرر أيضًا ليرى القراء أن الطعن بأبي هريرة ليس له ما يبرره إلا العداء للإسلام وللحق وللهدى ولا يقدم عليه إلا ملحد أو مارق والذين تكلموا بكلمات الطعن بأبي هريرة هم المستشرقون وأذنابهم من العلمانيين الذين لا يقفون عند حدود الله ولا يخافون الله ولا يحسبون للأخرة حسابًا ولا يخطر على بالهم ما أعده الله لأهل الفرية عقابًا وعذابًا وإذا انبرى أهل العلم والغيرة والإيمان بالدفاع عن أبي هريرة كالدكتور مصطفى السباعي والدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي والدكتور خليل ملا خاطر والدكتور محمد مصطفى الأعظمي والدكتور عبد المنعم صالح العلي العزي وكثيرون غيرهم فهذا قليل لما يجب علينا نحو أبي هريرة رضي الله عنه وإني أحمد الله أن أكرمني الله سبحانه بأن أخصص جهدًا ووقتًا وأعمل بكل ما أستطيع للدفاع عن أبي هريرة وأرى هذا إلزامًا علي فالدفاع عنه دفاع عن سنته

فالدفاع عنه دفاعٌ عن سنته ، وعن مصدرٍ عظيم من مصادر هذا الدين، وحفظٌ لأمانة العلم التي حمّلها الله لهذه الأمة. ومن هنا كان الواجب على أهل الإنصاف أن يتحرّوا الحق، وأن يزنوا الأقوال بميزان العلم والعدل، بعيدًا عن الأهواء والشبهات. نسأل الله أن يرزقنا الصدق في القول والإخلاص في العمل، وأن يجزي الصحابي الجليل أبا هريرة رضي الله عنه خير الجزاء، وأن يجعلنا من الذابّين عن سنّة نبيه بالحكمة والبيان، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

الحواشي:

[¹]ابن سعد – الطبقات الكبرى (ج 4 / ص 334 – 335)

[²] صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، حديث (119)

[³] سنن النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء، حديث (1300)

[⁴] صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي هريرة، حديث (2491)

[⁵] فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، جـ7، صـ84

[⁶] صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، حديث (99)

[⁷] صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، حديث (112)

[⁸] مسند الإمام أحمد، مسند أبي هريرة، حديث (7560)

[⁹] تحتاج إلى مراجعة النص الأصلي

[¹⁰] المستدرك على الصحيحين، الحاكم، جـ3، صـ512

[¹¹] في الأصل: “أتت” والصواب “أتبت” بمعنى اتبعت

[¹²] صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، حديث (945)

[¹³] تاريخ دمشق، ابن عساكر، جـ67، صـ223

[¹⁴] سير أعلام النبلاء، الذهبي، جـ2، صـ432

[¹⁵] لا تَشْمِنِ: أي لا تطلبي الشمة (الوشم)

[¹⁶] لا تَسْتَوْشِمِنِ: أي لا تطلبي الوشم

[¹⁷] صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب الوشم، حديث (5546)

[¹⁸] تاريخ المدينة، ابن شبة، جـ3، صـ1004

[¹⁹] فخررت لأستي: أي خفت على نفسي او سقطت على عجزي

[²⁰] سورة آل عمران، الآية: 118

[²¹] مسند الإمام أحمد، حديث (22002)

[²²] صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصص، حديث (6043)

[²³] سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أبي هريرة، حديث (3797)

[²⁴] صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، حديث (113)