احتفاء أهل مكة بذكرى السيدة خديجة

احتفاء أهل مكة بذكرى السيدة خديجة

محمد عبده يماني

لأهل مكة احتفاء كبير واهتمام خاص بحياة الرسول ﷺ وآل بيته الطيبين الطاهرين، وعناية بالسيرة النبوية العطرة، والمناسبات الإسلامية الكبرى. فهم يهتمون بسيرته وعظيم قدره ﷺ، ومن يتتبع عادات أهل مكة وتقاليدهم يجد أن لهم عناية خاصة بذكرى المولد النبوي الشريف، وغزوة بدر وفتح مكة وأمثالهما من المناسبات. ففي شهر ربيع الأول في كل عام يقيمون الدعوات ويعقدون المجالس التي تُقْرَأ فيها السيرة النبوية العطرة، ولكنهم لا يقتصرون على يوم واحد، بل يحتفون بالمولد طوال العام. وتُقْرَأ في هذه المجالس أنواع مختلفة من كتب السيرة من قبل علماء من مختلف أنحاء العالم، وخاصة من اليمن، وحضرموت والمغرب العربي وبعض دول أفريقيا.. يحضرون هذه المجالس.. ويتحدثون عن جوانب من السيرة العطرة. وفي هذه المجالس يقتصرون على قراءة القرآن ثم قراءة السيرة أو أجزاء منها، ويختارون بعض كتب السيرة، ويهتمون اهتماماً بالغاً بجزء المولد منها، وربما قرأوا كتباً خاصة بالمولد، مثل مولد البرزنجي، ومولد العروس، وابن الديبع- وبعد ذلك يطلبون الدعاء من العلماء الموجودين في هذه المناسبة.

وإذا نظرنا في قضية احتفاء أهل مكة بهذه المناسبات الدينية وبالمولد النبوي الشريف على وجه الخصوص، نجد أن هذا الاحتفال والفرح بمولده ﷺ له أصل في السيرة النبوية، فقد احتفى به الرسول ﷺ واهتم به، وكان يصوم اليوم الذي ولد فيه. ولهذا فإننا عندما نرى في هذه الأيام دولاً إسلامية عديدة تحتفي بهذا المولد وتهتم به، فتجعل الأولاد بنين وبنات يحتفون بيوم المولد، ويطالعون سيرة المصطفى ﷺ، ويتتبعون مناقبه وصفاته، ويتذكرون أنه الرحمة المهداة، وأنه النبي الأمي الذي تكاملت في ذاته الإنسانية جميع الصفات الكريمة الكاملة .. والأخلاق الحميدة .. والشمائل العالية، وسمَتْ حتى تجاوزت حدودها الذاتية. فكان المثل الأعلى، وكان كما قال فيه العليم الخبير: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.[¹]

ولا شك أن أفضل أنواع الاحتفاء بهذا المولد الشريف هو قراءة سيرته ﷺ، وربط الناشئة بها، وتعويد الأطفال على محبة رسول الله.. ومتابعة سيرته وسيرة آل بيته الطاهرين وخلفائه الراشدين.. وصحابته الكرام رضوان الله عليهم جميعاً.

والحق أن من الواجب تعويد الأبناء على قراءة السيرة في مختلف أوقات العام، فهذا أدعى لغرس محاسن هذا التاريخ المجيد في أذهانهم وتعلقهم به، وكذلك ربطهم بالسنة المطهرة، وتعويدهم على قراءتها على قدر ما تستوعب عقولهم، تماماً كما نفعل في موضوع قراءة القرآن الكريم وربط الناشئة به. وأفضل ما نعمله في هذا وذاك اتباع سنته ﷺ والاقتداء به، وبما فعل صحابته الكرام والتابعون ومن اتبعهم بإحسان.

ولا شك أن الاجتماع لسماع السيرة النبوية لسيد الأنبياء والمرسلين أمر محبب وفيه الكثير من الفضائل ما دام يتم في جو إسلامي، دون ابتداع أو انحراف. وذكره ﷺ يكون في كل حينٍ، وإن كان في شهر ربيع الأول يكون تعلق الناس بالاستماع إلى السيرة أشد، نظراً لأنه الشهر الذي ولد فيه عليه الصلاة والسلام، ففي شهر ولادته يكون الداعي أقوى لإقبال الناس واجتماعهم وشعورهم الفياض بارتباط الزمان بعضه ببعض، فيتذكرون بالحاضر الماضي، وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.

ومع تعلق المسلمين بالاحتفاء بالمولد الشريف في شهر ربيع الأول، إلا أن أهل العلم لا يقولون بسنية الاحتفاء بالمولد الشريف في ليلة مخصصة فقط، إذ يجب الاحتفاء به ﷺ في كل وقت وحين نتذكره ونصلي عليه بأمر الله عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.[²] ولا شك أن محبة رسول الله ﷺ والفرح بمولده وسيرته أمر يجلب الخير للمسلم، وذلك لأن الكافر قد انتفع به، فهذا أبو لهب عندما سمع بولادة سيدنا محمد ﷺ فرح واعتق جاريته ثويبة التي بشرته بمولده. فقد أورد ابن حجر في “الفتح” عن السهيلي أن العباس قال: لما مات أبو لهب أريته في منامي بعد حول في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني في كل يوم اثنين. قال ابن حجر: وذلك أن النبي ﷺ ولد يوم الاثنين، وكانت ثويبة بشرت أبا لهب بمولده فأعتقها.[³] وفي ذلك يقول الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي:

     إذا كان هذا كافـرًا جاء ذمُّهُ         وَتَبَّتْ يَدَاهُ فِي الجَحِيمِ مُخَلَّدَا

     أَتَى أَنَّهُ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ دَائِمًا         يُخَفَّفُ عَنْهُ لِلسُّرُورِ بِأَحْمَدَا

     فَمَا الظَنُّ بِالعَبْدِ الَّذِي كَانَ عُمُرُهُ         بِأَحْمَدَ مَسْرُورًا وَمَاتَ مُوَحِّدَا

وقد روى هذه القصة أيضاً الإمام عبد الرزاق الصنعاني في “المصنف”[⁴]، والحافظ في “الدلائل”، وابن كثير في “السيرة النبوية” من “البداية والنهاية”[⁵]، والحافظ البغوي في “شرح السنة”[⁶]، وابن هشام، والعامري في “بهجة المحافل”[⁷]، والبيهقي. وهي – وإن كانت مرسلة – إلا أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها، ولكونها في المناقب والخصائص، لا في الحلال والحرام، وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب والأحكام.

  الثاني:   أنه ﷺ كان يعظم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود إذ سعد به كل موجود. وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام، كما جاء في الحديث عن أبي قتادة: أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: “فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ”.[⁸]

وهذا في معنى الاحتفاء به، إلا أن الصورة مختلفة، ولكنها في المعنى موجودة، سواء كان ذلك بصيام، أو إطعام طعام، أو اجتماع على ذكر، أو صلاة على النبي ﷺ وسماع شمائله الشريفة.

  الثالث:   أن الفرح به ﷺ مطلوب بأمر القرآن من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.[⁹] فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة، والنبي ﷺ أعظم الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.[¹⁰]

  الرابع:   أن النبي ﷺ يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت، فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها، وتعظيم يومها، لأجلها ولأنه ظرف لها.

وقد أصل ﷺ هذه القاعدة بنفسه، كما صرح في الحديث: أنه ﷺ لما وصل إلى المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك، فقيل له: إنهم يصومونه لأن الله تعالى نجى فيه نبيهم وأغرق عدوهم، فهم يصومونه شكراً لله على النعمة، فقال ﷺ: “نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ”.[¹¹]

  الخامس:   أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.[¹²]

وإذا ما رجعنا إلى أمهات كتب السيرة وتتبعنا ما قاله العلماء والمؤرخون والمحققون في هذا المجال، نجد أنهم فصلوا القول في ذلك وأوضحوا أهمية ومشروعية الاحتفاء بمثل هذه المناسبات لتذكير الناشئة وربطهم بالأحداث والمناسبات الدينية في هذا العصر الذي كثرت فيه الاحتفالات وتنوعت فيه الاحتفاءات. وأن الجلوس وسماع القرآن وقراءة الحديث النبوي الشريف ومعرفة شمائله ﷺ وصفاته من الأمور التي تسهم في كمال الإيمان به ﷺ. وتتبع السيرة النبوية الشريفة يعمق المحبة ويرسخها في النفوس المؤمنة.

ومن هذا المنطلق فإنني أحس بأن هذه العادات التي تعود عليها الناس في مكة من الاهتمام والاحتفاء بمولد سيدنا محمد ﷺ، أو مولد السيدة خديجة ذات المواقف العظيمة، أو مولد السيدة فاطمة الزهراء الملقبة بأم أبيها، كلها من الأمور التي يستفاد منها في هذه المناسبات التاريخية العظيمة؛ لأنها تذكر الناس والناشئة بصورة خاصة، وتجذب اهتمامهم إلى أمجاد الإسلام وأحداثه وتاريخ الأمة الإسلامية، وترسخ القيم والمثل في نفوسهم عن طريق استعراض تلك الأمجاد أمام أعينهم، وتبسيط الأحداث لهم، ومن خلال رواية السيرة المحمدية وسير آل البيت والصحابة الكرام، فتصل إلى قلوبهم وعقولهم، وتعرفهم على مناقبه ﷺ وصفاته وأخلاقه، وأخلاق صحابته ومن حوله ومواقفهم الخالدة!!

وقد أسهمت هذه المجالس إسهاماً كبيراً في ربط الناس بالسيرة النبوية، ولا سيما الناشئة منهم.. في هذه المجالس يلتزم بالآداب الإسلامية، فلا يحدث اختلاط، ولا تقع مخالفات شرعية والحمد لله.

كما يحرص الناس في هذه المجالس على سماع القرآن، وفي بعض الأحيان يطلبون من الحاضرين أن يقرؤوا سوراً من القرآن، وعلى الأخص سورة (يس) و(الرحمن)، ويهدون ثوابها إلى روح رسول الله ﷺ، وإلى أرواح أموات الحاضرين والغائبين من المسلمين.

كما أن لأهل مكة احتفاء وعناية بذكرى (بدر)، فيعقدون لها مجالس في اليوم السابع عشر من رمضان.

وبعضهم يعقدها ليلة السابع عشر من رمضان، وتقرأ في هذه المجالس أحداث غزوة بدر، وسيرة أهل بدر، وأسماء أهل بدر. وفي ذلك ما فيه من الدروس والعبر العظيمة.

  سيرة السيدة خديجة: 

أما المجالس التي تقرأ فيها سيرة السيدة خديجة، فإن المجلس يبدأ بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، بل ويتناوب مجموعة من القراء تلاوة ما تيسر منه دون تخصيص؛ لأن القرآن كله رحمة وشفاء لما في الصدور.

ثم يقوم أحد الحاضرين من العلماء بالدعاء، ثم تبدأ مجموعة من المنشدين بأداء قصائد مختارة في مناقب أم المؤمنين الطاهرة. ثم تقرأ مناقبها كما جاءت في بعض الكتب، وأشهر تلك الكتب، هو كتاب (البشرى) في مناقب السيدة خديجة الكبرى لمؤلفه الدكتور السيد محمد علوي المالكي.

وها نحن أولاء نقدم مقتطفات من هذا الكتاب، توضح بعض الملامح لهذه المجالس وطبيعتها.. فأول ما يبدأون به:

“بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي شرف هذا الوجود ببعثة أكرم نبي وأعز مولود، سيدنا ومولانا محمد النبي المحمود، ذي الشفاعة العظمى والحوض المورود، عنصر الفضائل المشهود.. ثم الصلاة على النبي وآله وصحابته وأزواجه وذريته.”

ثم يخصون صاحبة الذكرى خديجة، ويذكرون فضائلها ومناقبها، قائلين:

وخديجة التي تشرفت بعشرته وصحبته، وفازت بخدمته، وشهدت يوم بعثته، وقامت بتأييده في دعوته، ومؤازرته ونصرته.. وبعد ذلك ينتقلون إلى اسمها ونسبها ولقبها: سيدتنا خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، الأسدية.

وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم من بني غالب بن لؤي.

وقد حفظها الله تعالى من أرجاس الجاهلية، فأحاط عرض هذه السيدة الزكية وصانه من كل أذية وبليه، برعايته، ولذلك كانت تلقب بالسيدة الطاهرة.

ثم ينتقلون إلى مولدها:

وقد ولدت رضي الله عنها قبل ولادته بنحو خمس عشرة سنة، فنشأت في بيت طاهر طيب الأعراق..

فكانت رضي الله عنها متكاملة حسناً وعقلاً وجمالاً وفضلاً، حازمة في جميع أمورها.

وظهرت أسرار تلك الأخلاق المرضية والأوصاف الحسنة الزكية فيما بلغته بين قومها في الجاهلية من مكانة عليَّة، ورتبة سَنِيَّة.

ثم يذكرون بداية ارتباطها بالرسول ﷺ:

وقد أراد الله تعالى لهذه السيدة الطاهرة أن تجمع بين شرف الدنيا وعز الآخرة، حين وصلت إليها أخبار سيد المرسلين بأنه التقي النقي الأمين، فما كان منها إلا أن بعثت إليه وعرضت عليه أن يتجر لها في مالها.. فقبل عليه الصلاة والسلام، وخرج بتجارتها مع غلامها ميسرة، الذي حدثها بما شاهد من بعض علامات النبوة.

وينتقلون بعدها إلى قصة زواجها من الحبيب المصطفى:

ولما أراد الله تعالى لها السعادة الأبدية، والشرف والفضل على نساء البرية.. فاختارت لنفسها سيد ولد آدم أجمعين، الذي تكاملت فيه خصال الكمال والجلال.. فما كان منها إلا أن أرسلت له نفيسة بنت منية وسيطاً إليه، فقالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما في يدي شيء، فقالت: فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال: ومن؟.. قالت: خديجة. وألهمه الله الجواب الموفق، فكانت خطوة مباركة موفقة، فشاور أعمامه، فتقدم حمزة فكلم عمها، ثم ذاع الخبر واشتهر الأمر، وحضر رؤساء قريش يتقدمهم أبو طالب.

وأصدقها رسول الله ﷺ عشرين بكرة، وقيل: اثنتي عشرة أوقية من ذهب ونصف.

وتزوج نبينا الأمين سيدتنا أم المؤمنين خديجة وقد أتم خمساً وعشرين وأتمت هي الأربعين.

وبعد ذلك يذكرون أزواجها قبل الرسول ﷺ وأولادها منهم، ثم ينتقلون إلى حياتها مع الرسول ﷺ، بادئين بإرهاصات النبوة التي أشهرها الرؤيا الصادقة، إذ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يجاور في كل سنة شهراً في غار حراء، مشتغلاً بالعبادة والتفكر في ملكوت الأرض والسماء.

وكان إذا خرج إلى حراء، تتكفل خديجة بكل حاجاته، وتحقق له كافة رغباته، وتهيء له الطعام والشراب، وتيسر له ما تستطيع من الأسباب، فينقطع لمقصوده ويقبل على معبوده.

كانت على ثقة من أنه سيكون له شأن عظيم يتحدث عنه المسافر والمقيم.. فما أكمل الأربعين حتى جاء اليوم الذي هيأته القدرة الربانية لإبلاغ الرسالة السماوية، حين فاجأه الوحي في غار حراء..

فرجع إلى زوجته.. وفؤاده يرجف وقال: زملوني، زملوني..

فزملته ثم يأتي الكلام عن موقفها مع الرسول ﷺ في تثبيته وتأييده، وأن الذي جاءه هو الحق، وأن الله لا يخزيه أبداً، لأنه يصل الرحم، ويحمل الكل ويكسب المعدوم،

ويأتي بعد ذلك الحديث عن ذهابها به إلى ورقة.

ثم اختبارها للملك حين طلبت من الرسول أن يجلس عن يمينها ثم في حجرها ثم كشفت عن رأسها حتى تأكدت أنه ملك، وليس بشيطان.

ثم يأتي الحديث عن مزاياها وخصالها، وأنها أول من آمن على الإطلاق، وأنها وقفت معه تواسيه، وتهون عليه المشاق، وتبعث الطمأنينة في نفسه. وأنها.. وأنها أول من صلى معه قبل أن تفرض الصلوات الخمس. وأنها أفضل أزواج المصطفى عليه الصلاة والسلام. وأن (خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة) كما روى الشيخان عن سيدنا علي رضي الله عنه.[¹³]

ومن خصائصها أن أولاده جميعاً منها – ما عدا إبراهيم فهو من السيدة مارية القبطية.

ويمضي الحديث بالتفصيل عن أولاده ﷺ، وأنهم كلهم ماتوا صغاراً، إلا بناته الأربع: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء رضي الله عنهن. وأن نسله قد انحصر في ابنته فاطمة من الحسن والحسين، رضي الله عنهم أجمعين.

وبعد ذلك يذكرون مكانة السيدة خديجة في قلب المصطفى ﷺ، ووفاءه لها وحفظه عهدها حتى بعد وفاتها بدهر طويل.

ثم عندما يصلون إلى وفاتها يقرؤون هذا الجزء:

ولما تمت لها الكمالات الباهرة، وتوطنت الرتبة السامية العليَّة الفاخرة، وامتدت أنوارها وآياتها المتكاثرة، توفيت رضي الله عنها في اليوم الحادي عشر من رمضان قبل هجرة سيد ولد عدنان بثلاث سنين على الأصح من الأقاويل، وقيل بأربع وقيل بسبع على ما قيل.

ولم يصل عليها ﷺ؛ لأنها لم تشرع الصلاة على الميت في ذلك الأوان، ونزل النبي ﷺ في قبرها، وسوى عليها التراب، وأحسن نزلها – وهي فضيلة لها دون غيرها من أمهات المؤمنين – رضي الله تعالى عنهن – أجمعين إلى يوم الدين. وكان لها من العمر خمس وستون، ودفنت بمقبرة المعلاة المعروفة بالحجون. وهذا – وإن كان ثبت بطريق الآحاد – إلا أنه اشتهر كل الاشتهار بين كافة العباد.

وحين يصلون إلى هذا الموقف يدعون الله أن يجزيها خيراً عن المسلمين لما قدمته لرسول الله ﷺ.

ثم يدعون بهذا الدعاء:

“الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لا تطاع إلا بإذنك ولا تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس وأخذت بالنواصي وكتبت الآثار، ونسخت الآجال، القلوب بك مفضية والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت. والأمر ما قضيت والخلق خلقك والعبد عبدك وأنت الله الغفور الرحيم. نسألك بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض وبكل حق هو لك وبحق السائلين عليك أن تقيلنا وتجيرنا من النار بقدرتك يا أرحم الراحمين.

اللهم نحمدك على ما هديت، ونشكرك على جزيل ما أسديت، ونستعينك على رعاية ما أسبغت من النعم، ونستهديك الشكر على ما كفيت من النقم، ونعوذ بك من عثرات اللسان وغفلات الجنان، ومن غدرات الزمان، ونسألك اللطف فيما قضيت وقدرت، والمعونة على ما أمضيت، ونستغفرك من قول يعقبه الندم أو فعل تزل به القدم، فأنت الثقة لمن توكل عليك، والعصمة لمن فوض أمره إليك، وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. اللهم افتح مسامع قلوبنا لذكرك، وارزقنا طاعتك وطاعة نبيك سيدنا محمد ﷺ، وعملاً بكتابك واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ.

اللهم اجعلنا نخشاك كأنا نراك أبداً حتى نلقاك، وأسعدنا بتقواك، ولا تشقنا بمعصيتك.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى وحسن الظن وحسن الخلق.

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.

اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء وعضال الداء وخيبة الرجاء.

اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

اللهم جمل أمورنا ما أحييتنا، وعافنا ما أبقيتنا، وبارك لنا فيما خولتنا، واحفظ علينا ما أوليتنا، وارحمنا إذا توفيتنا، وسامحنا إذا حاسبتنا، ولا تسلبنا الإيمان وقد هديتنا.

اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتلم بها شعثنا، وترد بها الفتن عنا، وتصلح بها حالنا، وتحفظ بها غائبنا، وترفع بها شاهدنا، وتبيض بها وجوهنا، وتزكي بها أعمالنا، وتلهمنا بها رشدنا، وتعصمنا بها من كل سوء.

اللهم أعطنا إيماناً صادقاً، ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة ننال بها شرف كرامتك.

اللهم إنا نسألك الفوز عند القضاء، ونزل الشهداء، ومرافقة الأنبياء، والنصر على الأعداء.

اللهم خذ بأيدينا في المضائق، واكشف لنا وجوه الحقائق، ووفقنا لما تحب وترضى، واعصمنا من الزلل، ولا تسلبنا ستر إحسانك، وقنا مصارع السوء، واكفنا كيد الخائنين وشماتة الأضداد، والطف بنا في سائر تصرفاتنا، واكفنا من جميع جهاتنا يا أرحم الراحمين.

اللهم أعطنا من الدنيا ما تقينا به فتنتها، وتغنينا به عن أهلها، ويكون بلاغاً لنا إلى ما هو خير منها، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك.

اللهم إنا نسألك نعمة تامة، ورحمة شاملة، وعافية دائمة، وعيشاً رغيداً، وعمراً سعيداً، وإحساناً تاماً، وإنعاماً عاماً، وعملاً صالحاً، وعلماً نافعاً، ورزقاً واسعاً.

اللهم كن لنا ولا تكن علينا، واختم بالسعادة آجالنا، وحقق بالزيادة أعمالنا، واقرن بالعافية غدونا وأصالنا، واجعل إلى رحمتك مصيرنا ومآلنا، وأصبب سجال عفوك على ذنوبنا، ومن علينا بإصلاح أعمالنا، واستر عيوبنا، واجعل التقوى زادنا، وفي دينك اجتهادنا، وعليك توكلنا واعتمادنا.

اللهم ثبتنا على نهج الاستقامة، وأعذنا من موجبات الندامة يوم القيامة، وخفف عنا ثقل الأوزار، وارزقنا عيشة الأبرار، واكفنا واصرف عنا شر الأشرار، واعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار، يا عزيز يا غفار، يا كريم يا ستار، يا حليم يا جبار، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم كما مننت على السيدة خديجة بتمام التصديق والإيمان بنبيك سيدنا محمد ﷺ، فمن علينا بذلك يا قديم الإحسان. وكما تفضلت عليها بتعظيم حرمته، وحفظ عهده وذمته، ونصر حزبه ودعوته، ومتابعة سبيله وسنته، وتأييد كلمته وحجته، فتفضل علينا بذلك، واكتب لنا من ذلك الحظ الأوفر والنصيب الأكبر، ووفقنا للاستمساك بسنته ولزوم ملته حتى نموت عليها، واحشرنا في زمرته، وتحت لوائه، واجعلنا من رفقائه، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه، وانفعنا بمحبته، وتب علينا، واحفظنا من جميع البلاء والبلواء والفتن ما ظهر منها وما بطن، واغفر لنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.”

ولما رأى هذه الرسالة شيخنا العلامة الشيخ محمد نور سيف أحد كبار العلماء المدرسين بالمسجد الحرام قال:

         أيا مهدي البشرى سعدت لك البشرى      بِنَيْلِ الرِّضَا مِنْ تِلْكَ الْجَدَّةِ الْكُبْرَى

         وَدُمْتَ قَرِيرَ الْعَيْنِ يَا مَنْ تُحِبُّهَا      تَفُوزُ بِمَا تَرْجُو بِدُنْيَاكَ وَالْأُخْرَى

ولقد تعاقبت الأجيال في مكة المكرمة تحتفى وتعنى وتهتم بمولد السيدة خديجة.. وكان هذا الاحتفاء في الزمن الماضي يأخذ شكل الاحتفال.. فكان الناس يتجمعون في المسجد الحرام في يوم مولد السيدة خديجة، ثم يخرجون إلى باب السلام.. ويقفون هناك وينتظرون حضور الحاكم أو الوالي أو الأمير.. ثم يسيرون في اتجاه مقابر المعلاة في موكب مهيب.. يهللون ويكبرون فيه وينشدون الأناشيد.. ثم إذا وصلوا إلى المعلاة يتجهون إلى ناحية قبر السيدة خديجة.. وعندها يخرج سدنة مقام السيدة خديجة وهم آل الباروم، فيستقبلون الموكب ويقف الجميع يقرأ الفاتحة ويس، ثم يدعون للسيدة خديجة ويسألون الله أن يجزيها خيراً على كل ما فعلته مع رسول الله ﷺ ثم يعودون إلى الحرم.. أو إلى منازلهم.

وقد توقفت كل هذه الاحتفالات منذ زمن طويل، وأزيلت القباب والمباني التي كانت مقامة على قبر السيدة خديجة أو حولها للسدنة.. وما يزال القبر الشريف محفوظاً ومعتنى به في نفس المكان، يزوره الناس ممن يرغب ويسلمون عليها رضي الله عنها وأرضاها.

  الحواشي: 

[¹] سورة القلم، الآية: 4.

[²] سورة الأحزاب، الآية: 56.

[³] ابن حجر العسقلاني، “فتح الباري بشرح صحيح البخاري”، دار المعرفة، بيروت، ج 9، ص 146.

[⁴] عبد الرزاق الصنعاني، “المصنف”، المجلس العلمي، ج 7، ص 224.

[⁵] ابن كثير، “البداية والنهاية”، دار الفكر، ج 1، ص 134.

[⁶] البغوي، “شرح السنة”، المكتب الإسلامي، ج 9، ص 76.

[⁷] العامري، “بهجة المحافل”، ج 1، ص 41.

[⁸] أخرجه مسلم في “صحيحه”، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر…، حديث رقم (1162).

[⁹] سورة يونس، الآية: 58.

[¹⁰] سورة الأنبياء، الآية: 107.

[¹¹] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب الصوم، باب صوم يوم عاشوراء، حديث رقم (2004).

[¹²] سورة الأحزاب، الآية: 56.

[¹³] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3432)، ومسلم في “صحيحه”، كتاب الفضائل، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، حديث رقم (2432).