اتقوا الله في أبي هريرة!!

أبو هريرة صحابي جليل، صحب رسول الله ﷺ، وكان قريبًا منه، وقد أحبه رسول الله ﷺ، ودعا له بالحفظ، وكان رضي الله عنه زاهدًا في الدنيا، ومن أهل الصفة، وكثيرًا ما كان يتحمل آلام الجوع حتى لا يفوتَه شيء من حديث رسول الله ﷺ.

وقد صحب النبي ﷺ وحفظ الكثير من أحاديثه، وآتاه الله قلبًا واعيًا، وحفظًا دقيقًا، وعُرِف بالصدق والإيمان والتقوى، والمروءة، والأخلاق، ولهذا فإنه أمر مؤسف أن نلاحظ بين وقت وآخر تهجم بعض المستشرقين وبكل أسف بعض الكتاب من المسلمين الذين لم يدرسوا حياة هذا الصحابي الجليل دراسة صحيحة، ولم يعرفوا حقائق ناصعة عن روايته ودقته، ولهذا فقد أخذوا بكل أسف يغمزون ويلمزون، وهذا أمر خطير لأن رسول الله ﷺ قال: “… مَنْ آذَى أَصْحَابِي فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ…” [¹] ومن هنا فإننا نلاحظ أن بعض هؤلاء الناس قد أسرفوا على أنفسهم وعمدوا إلى اتهام أبي هريرة رضي الله عنه بالإكثار في الحديث النبوي، وانه قد روى الآلاف من الأحاديث منفردًا عن رسول الله ﷺ. ومن هنا ينفذون إلى الطعن فيه، وتصويره بأنه رجل أسرف في الحديث، وهذا أمر غير صحيح، بل هو تزوير وتدليس على هذا الرجل الذي خدم الحديث النبوي وأخلص في الرواية وصحب رسول الله ﷺ على ملء بطنه، وكان يتحمل ألم الجوع حتى لا يفوتَه شيء من حديث رسول الله ﷺ. وقد أخرج البخاري عنه انه قال: “وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ عَلَى الْأَرْضِ بِكَبِدِي مِنَ الْجُوعِ، وَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي” [²].

فقد كان رضي الله عنه حريصًا على العلم، وشهد له النبي ﷺ، فقد روى ابن كثير في البداية والنهاية أن النبي ﷺ قال له: “أَلَا تَسْأَلُنِي مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ الَّتِي سَأَلَنِي أَصْحَابُكَ؟” فقال أبو هريرة: فقلت له أسألك أن تعلمني مما علمك الله [³].

وكان كثير الحفظ لا ينسى، فقد دعا فقال: اللهم إني أسألك علمًا لا ينسى. وأمَّن الرسول ﷺ على دعائه. وقد دعا له النبي ﷺ أن لا ينسى كما روى البخاري ومسلم، قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله إني لأسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه. قال ﷺ: “ابْسُطْ رِدَاءَكَ” فبسطته، ثم قال: “ضُمَّهُ إِلَى صَدْرِكَ” فضممته، فما نسيت شيئًا بعد ذلك [⁴].

“وكان الرسول ﷺ يحب أبا هريرة وقد دعا له بالحفظ وعدم النسيان وهذه ميزة مهمة لهذا الصحابي الجليل فقد روى ابن حجر في الإصابة: أنه جاء رجل إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فقال: عُودُوا لِلَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي فجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا، ودعا أبو هريرة فقال: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ مَا سَأَلَ صَاحِبَايَ وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لَا يُنْسَى، فقال رسول الله ﷺ: آمين… فقال زيد وصاحبه: ونحن يا رسول الله نسأل علمًا لا ينسى… فقال: سَبَقَكُمْ بِهَا الْغُلَامُ الدَّوْسِيُّ” [⁵].

فأبو هريرة إذن محفوف بالعناية الإلهية، والدعوات النبوية، فإذا أضفنا إلى ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة في الدلالة على حبه لرسول الله ﷺ، وحرصه على نوال شفاعته الخاصة التي لا ينالها إلا الذين سبقت لهم الحسنى من الله فكانوا أسعد الناس بهذه الشفاعة، وهم الذين تكون شفاعته ﷺ بهم شفاعة تشريف وتكريم وعلو درجات، وقرب من رسول الله ﷺ، وليست شفاعة من ذنوب أو شفاعة من كبيرة أو كبائر وقد كان جواب النبي ﷺ شهادة عظيمة منه لأبي هريرة رضي الله عنه.

وسبب إكثاره من الحديث عدم نسيانه الصحبة وملازمته لرسول الله ﷺ وتأمين الرسول ﷺ على دعائه ودعاء الرسول له ﷺ. فقد روى البخاري ومسلم: “إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَصْحَبُ الرَّسُولَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي” [⁶].

“ولو حسبنا عدد أيام هذه الصحبة لوجدنا أنها تبلغ أكثر من ألف وأربعمائة وستين يوماً ولو قسمنا هذه الأحاديث على هذه الأيام وجدنا أنه يروي كل يوم ما يقارب ثلاثة أحاديث ونصفاً، وفي كل مائة يوم (367) حديثاً أو أنه كان يحفظ مائة حديث في كل سبعة وعشرين يوماً، فهل يستغرب أن يحفظ أبو هريرة رضي الله عنه كل يوم أربعة أحاديث مع ما رأينا من قصة الكساء، وقصة الدعاء، وما رأينا من حرصه على العلم، وحرصه على حفظ الأحاديث الشريفة، ومع ما رأينا من انقطاعه لخدمة النبي ﷺ وسماع أقواله، وزهده في الدنيا، وعيشه مع أهل الصفة، وصبره على الجوع في سبيل ذلك؟.”

ولذا فإني أستغرب من الذين يطعنون في هذا الصحابي الجليل كيف يطعن بمن وثقه النبي ﷺ وشهد له بالحرص على الحديث، ووثقه صحابة النبي ﷺ، وقال طلحة بن عبيد الله (أحد العشرة المبشرين بالجنة والمُلَقَّب: طلحة الخير): لا أشك بأن أبا هريرة سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل [⁷].

وشهد له عبد الله بن عمر فيقول: يا أبا هريرة أنت كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأحفظنا لحديثه [⁸]. وحذيفة بن اليمان يوثقه ويزكيه وينقل تزكية ابن عمر له وقال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث. فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به، ولكنه اجترأ وجبنا [⁹].

واعتمده أبو بكر رضي الله عنه بتبليغ الحديث لما كان أميرًا على الحج: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان [¹⁰]، ووثقه كثير من الصحابة ورووا عنه وكثير من التابعين رووا عنه كذلك حتى قال البخاري: روى عنه الثمانمائة من كبار أهل العلم من الصحابة والتابعين، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره [¹¹].

وقبله قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في عصره [¹²]، ومن هنا فإني أحذر الذين يطعنون في هذا الصحابي بأن الطعن بأبي هريرة طعن بالنبي ﷺ الذي وثقه، وطعن بكبار الصحابة والتابعين الذين رووا عنه ووثقوه، وتطاول على السنة الشريفة.

وإذا كان هؤلاء الذين يطعنون في أبي هريرة من خلال عدد مروياته وقد بلغت أكثر من خمسة آلاف رواية ويذكرون أنه عدد لم يجتمع لأصدق الصحابة فوجدوا على زعمهم طريقًا للطعن، فلو علم أهل الإنصاف أن أبا هريرة لم ينفرد بروايته عن رسول الله ﷺ هذه الأحاديث بل اشترك برواية أكثرها صحابي أو صحابيان أو ثلاثة أو أكثر رووا نفس الحديث عن النبي ﷺ ولم ينفرد إلا بأقل من عشرة أحاديث بتحقيق السيد المنتصر الكتاني [¹³]، وأن باقي الأحاديث اشترك في روايتها مع أبي هريرة بالرواية عن النبي ﷺ واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أكثر كما أن هذه الأحاديث مكررة مما يجعل العدد غير المكرر محدودًا لا يتجاوز 1336 كما يذكر الدكتور الأعظمي [¹⁴]، واشترك مع أبي هريرة في رواية هذه الأحاديث عن النبي ﷺ واحد أو اثنان أو ثلاثة. ومثالًا على ذلك حديث الذبابة فقد زادت طرقه حتى قال بعض الذين درسوا طرق هذا الحديث ورواياته بأنها بلغت ثمانية وستين حديثًا فحديث واحد يبدو وكأنه ثمانية وستون حديثًا وهذا مثله كثير في كتب الحديث، مع أنه حديث واحد ولكنها روايات وطرق مختلفة لنفس الحديث.

وبالإضافة إلى حفظه رضي الله عنه، فقد ثبت أنه كتب الحديث في آخر أيامه، وكان يرجع إليه كلما سأله سائل، وقد روى الحاكم والإمام أحمد ما يدل أن الحديث كان مكتوبًا عند أبي هريرة قال ابن حجر لا يلزم من وجود الحديث مكتوبًا عنده أن يكون بخطه فقد ثبت أنه لم يكتب فتعين أن يكون المكتوب عنده بخط غيره، وكان يرجع في آخر أيامه إلى ما كُتب من الحديث [¹⁵].

وختامًا فإن الذي يطعن بأبي هريرة بعد ظهور الحجج القاطعة لا شك بأنه مخطئ فأبو هريرة صحابي جليل والنبي ﷺ يقول: “اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِي مَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ” [¹⁶] ويقول أيضًا: “اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِي لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَلَنْ يُبْلِغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ” [¹⁷] “إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى الْعَالَمِينَ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ” [¹⁸].

وقد حرص بعض أعداء الإسلام من الذين أثاروا الشبهة حول روايات أبي هريرة للترويج عن قضية إكثار أبي هريرة في الحديث وكان هدفهم ضرب الإسلام، فالذي يطعن بأبي هريرة يطعن بثمانمائة من كبار العلماء من الصحابة والتابعين، والأمر أكبر من ذلك بكثير عند أهل العلم، لأنه يستهدف السنة النبوية.

فقد صرح القرطبي بأن الطاعن في رواية الصحابي طاعن في الدين خارج عن الشريعة مبطل للقرآن [¹⁹]، بل قال بعضهم من السلف: إجلال أبي هريرة إجلال للنبي ﷺ، واتهام أبي هريرة فيما يرويه ازدراء على رسول الله ﷺ وعلى ما جاء به.

وختامًا فإني أضع هذه المعلومات بين يدي القارئ الكريم حتى يتبين له الحق، ويعلم خطأ وافتراء الذين يتهمون هذا الصحابي الذي صدقه رسول الله ﷺ، وقربه وصحبه ودعا له ولو لم يعلم فيه خيرًا لما فعل كل ذلك. والقضية ليست قضية عاطفة وإنما حقائق نضعها أمام القارئ ولا أملك إلا أن أقول اتقوا الله في صحابة رسول الله ﷺ ولا تتجرأوا ولا تتهموا ولا تلقوا القول على عواهنه.

والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،

الحواشي:

[¹] رواه الطبراني في المعجم الكبير، حديث رقم 12180

[²] رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه، حديث رقم 6452

[³] ابن كثير، البداية والنهاية، ج8، صفحة 103

[⁴] رواه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب حفظ العلم، حديث رقم 118

[⁵] ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ج7، صفحة 432

[⁶] رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه، حديث رقم 6451

[⁷] ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج4، صفحة 177

[⁸] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2، صفحة 432

[⁹] المرجع السابق، ج2، صفحة 433

[¹⁰] رواه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب لا يحج بعد العام مشرك، حديث رقم 1622

[¹¹] ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج12، صفحة 265

[¹²] الشافعي، الأم، ج7، صفحة 287

[¹³] المنتصر الكتاني، أبو هريرة راوية الإسلام، صفحة 156

[¹⁴] الدكتور الأعظمي، دراسات في الحديث النبوي، صفحة 203

[¹⁵] ابن حجر، فتح الباري، ج1، صفحة 214

[¹⁶] رواه الترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب مناقب الصحابة، حديث رقم 3862

[¹⁷] رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل الصحابة ثم الذين يلونهم، حديث رقم 2541

[¹⁸] رواه الترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر وعمر، حديث رقم 3687

[¹⁹] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج16، صفحة 322