أبو هريرة.. صادقٌ وأمينٌ في كلِّ ما رَوى (2-2)

نواصل الحديث عن هذا الصحابي الجليل الذي اتُّهم بالإكثار في الحديث واتهمه بعضُ المغرضين في أمانته وروايته للحديث مع أنه رضي الله عنه كان صادقًا ودقيقًا وأمينًا في كل ما رواه، وقد أثبتت الدراسات الحديثة دقة روايته وأنه لم ينفرد برواية تلك الآلاف من الأحاديث والتي ظهر أن معظمها مكرر، ثم إن هناك عددًا كبيرًا رواه صحابة آخرون معه [1].

ودعونا نواصل الحديث عن هذا الصحابي وحياته وفضله، فقد كان الصحابة كلهم وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون يثقون بأبي هريرة، ويعترفون له بالحفظ والصدق والأمانة، ويعرفون له ملازمته للنبي ﷺ وخدمته له، وحرصه على سماع حديثه وحفظه وروايته، ويعرفون دعاءه له ولأمه، ويعرفون قصة الرداء، والتأمين على دعائه حين سأل الله تعالى علمًا لا ينسى.. ولم يكن فيهم أحد يشك في صدقه وأمانته، وكان عمر رضي الله عنه يتشدد في الرواية عن النبي ﷺ خشية الوقوع في الخطأ أو النسيان أو الزيادة أو النقصان ولو عن غير قصد، ويؤيد هذا أنه كان إذا سئل أن يحدث عن رسول الله ﷺ يقول: أخاف أن أزيد حرفًا وأنقص، إن رسول الله ﷺ قال: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار.[2]

ولكن عمر رضي الله عنه لم يكن يمنع أحدًا من الصحابة أن يحدث، فهو يخشى كما يقول ابن كثير رحمه الله من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك.[3]

ويؤيد هذا أن سيدنا عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة حين بدأ يكثر من الحديث: أكنت معنا حين كان النبي ﷺ في مكان كذا؟ قال: نعم، سمعت النبي ﷺ يقول: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار.. فقال له عمر: أما إذ ذكرت ذلك، فاذهب فحدث.[4]

ولكن بعض الناس لأغراض مختلفة حاولوا أن يثيروا الشبهات حول السنة الشريفة، ويشككوا في صحتها، ومن أجل ذلك كذبوا على عمر رضي الله عنه، وزوروا الروايات، فزعموا أن عمر قال لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ، أو لألحقنك بأرض القردة!! وهذا كذب وافتراء وبهتان عظيم، فإن عمر لم يقل هذا لأبي هريرة ولا شبيها له، بل أذن له بالرواية وقال: أما إذا ذكرت ذلك فاذهب وحدث كما رأينا آنفًا.

والصحيح كما روى ابن كثير أن عمر قال لكعب الأحبار: لتتركن الرواية عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة!![5] والذي حمل عمر على هذا القول: أن كعب الأحبار كان يهوديًا من أحبار اليهود في اليمن، فأسلم ثم جاء إلى المدينة، ولم تكن له صحبة، وكان كثير الحديث عن أهل الكتاب، وقد انبهر به كثير من الناس وكثروا حوله لما يحدثهم به من الغرائب، فأراد عمر أن يمنع كعبًا من ذلك، فقال له لتتركن الرواية عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة..

ولكن أعداء الإسلام وأعداء السنة حرفوا هذه الرواية فزعموا أن عمر قال لأبي هريرة لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض القردة!!.

وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وهو فعل بعض المستشرقين وأتباعهم الذين يستحلون الكذب والتزوير للتشكيك في السنة الشريفة وطعنها في الصميم.

ومن المطاعن الأخرى على أبي هريرة رضي الله عنه ما زعموه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استنكر كثرة روايته، ومنعه وضربه بالدرة، وبكل أسف يروج هذا ويتكلم به بعض الناس في المجالس وكأنه قضية مسلمة، وهذا أيضًا كسابقه من الكذب والافتراء والتزوير الفاقع الذي لا يخفى على أحد من الدارسين والعلماء، وهو كذب على عمر رضي الله عنه على وجه الخصوص، فقد كان يجل صحابة النبي ﷺ، ويعرف لهم أقدارهم، وكان إذا رأى رأيًا ثم روجع فيه فعلم أنه خطأ تراجع عنه، وكان وقافًا عند الحق، وقد أقر لأبي هريرة بالصدق والحفظ وأذن له في الرواية.

ولقد راجعت كتب الحديث، وأخبار عمر وسيرته وأخبار أبي هريرة وسيرته فلم أعثر على أنه منعه من الرواية، أو ضربه بالدرة.. فهذا لا يجوز ترويجه للطعن في صحابي جليل.. وأخشى ما أخشاه أن يخلط بعض الناس بين شدة سيدنا عمر وحرصه على حفظ السنة من الزيادة أو النقص، فيظن أنه كان يمنع الرواية عن النبي ﷺ، ولعمر مع أبي هريرة قصة رواها الإمام مسلم في صحيحه خلاصتها أن النبي ﷺ دخل بستانًا – حائطًا – فأبطأ عن الصحابة حتى خشوا أن يكون قد أصابه شيء، فكان أبو هريرة أسرع من فزع، فدخل على رسول الله ﷺ، فرآه فسأله عن شأنه، فأخبره بفزع الصحابة عليه، وأنهم من ورائه، فأعطاه النبي ﷺ نعليه وقال له: يا أبا هريرة، اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من ورائك يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقي عمر، فسأله عن النعلين، فقال: هاتان نعلا رسول الله ﷺ، بعثني بهما، من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثدييه قال أبو هريرة فحزرت لاستي، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بكاء، وركبني عمر – أي لحقني – فقال لي رسول الله ﷺ: مالك يا أبا هريرة؟ فأخبرته خبره.. فقال له رسول الله ﷺ: يا عمر ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا من قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون، قال رسول الله ﷺ فخلهم.[6]

فهذه القصة تدل على شدة عمر في دين الله، وخشيته أن يتكل الناس على بشارة النبي ﷺ، ويدعوا العمل ولا يجوز تحريفها للترويج أنه منع أبا هريرة من رواية الحديث مطلقًا، لا في حياة النبي ﷺ، ولا بعد وفاته، بل هي شاهد على ثقة النبي ﷺ بأبي هريرة، وشاهد على شدة حب أبي هريرة للنبي ﷺ، وشاهد على شجاعته وسبقه للبحث عن رسول الله والاطمئنان عنه فقد رأينا كيف أذن عمر رضي الله عنه، له بالرواية حين اطمأن أن أبا هريرة سمع النبي ﷺ يقول: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار.

فلا يجوز أن يفهم أحد من هذا أن عمر رضي الله عنه منع أبا هريرة من الرواية عن رسول الله ﷺ، كما لا يجوز أن يصدق أحد أن عمر ضرب أحدًا، أو حبس أحدًا من الصحابة لمنعه من الرواية عن النبي ﷺ، وكيف يصح هذا وعمر رضي الله عنه أحد رواة السنة الشريفة، قد روى البخاري له، وروى له مسلم وروى له الإمام أحمد في مسنده ثلاثمائة وسبعة عشر حديثًا، ولو طال العمر بسيدنا عمر كما طال بأبي هريرة لزادت مروياته عن ذلك زيادة كبيرة.

بل إن عمر رضي الله عنه كان يثق بأبي هريرة ويسأله في كثير من الأمور كما سبق وذكرنا، كما أن عمر رضي الله عنه كتب إلى العلاء بن الحضرمي أن يخلف عقبة بن غزوان على البحرين، فخرج العلاء ومعه أبو هريرة، فمات العلاء في الطريق، ورجع أبو هريرة إلى البحرين، ثم كان أبو هريرة في البحرين في إمارة قدامة بن مظعون، فولي عمر أبا هريرة على الصلاة والقضاء!!.[7]

ثم هناك حقيقة مهمة وهي أن سيدنا عمر قد ولى أبا هريرة أميرًا على البحرين وهجر حين دعا أصحاب رسول الله ﷺ فقال: إذا لم تعينوني فمن يعينني؟ قالوا: نحن نعينك.. فقال يا أبا هريرة ائت البحرين وهجر أنت العام.[8]

وهذا يدل على أن أبا هريرة كان من أعيان الصحابة وأهل الحل والعقد أيام عمر، ولاه البحرين وهجر لأنه كان خبيرًا بها، وموضع ثقة أهلها، ثم عزل عمر أبا هريرة عن البحرين، وحاسبه كما حاسب غيره من عماله وأخذ بعض أموالهم فردها إلى بيت المال.

قال ابن سيرين: فكان يقاسم عماله أموالهم، ثم يعطيهم أفضل من ذلك!![9] وذلك أن عمر كان يخشى أن يكون الناس قد راعوا عمالهم في مكاسبهم وتجارتهم، فكان يأخذ منهم ما يأخذ ويضعه في بيت المال، ثم يعطيهم من بيت المال لتزول عن أموالهم الشبهة، وهذا من شدة ورع عمر رضي الله عنه، وشدة حبه للصحابة ونصحه لهم!

ثم أراد عمر رضي الله عنه أن يولي أبا هريرة، فقال له: ألا تعمل؟ قال قلت: لا، قال قد عمل من هو خير منك، يوسف، فقلت: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا ابن أميمة.. وأخشى أن أقول بغير علم، وأحكم بغير حلم، وأخشى أن يضرب ظهري، وتشتم عرضي، وينتزع مالي!!.[10]

هكذا رفض أبو هريرة الإمارة لعمر، ولو كان عمر قد جرب عليه خيانة ما دعاه ليوليه مرة أخرى!! فهل يريد الطاعنون بأبي هريرة برهانًا أقوى من هذا على ثقة عمر به وتوليته إياه!!.

ومثل هذه الساقطة ساقطة أخرى تشبث بها أعداء الإسلام من المستشرقين وأعداء السنة، فزعموا أن عمر حبس ثلاثة من كبار الصحابة، ليمنعهم من رواية السنة الشريفة، هم عبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو ذر.

وقد بين ابن حزم كذب هذه الرواية فقال: إن الخبر في نفسه ظاهر الكذب لأنه لا يخلو أن يكون قد اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه.. أو يكون نهى عن نفس الحديث، وعن تبليغ السنة، وألزمهم كتمانها وجحدها، وهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك![11]

إن هذا الزعم يخالف المشهور عن سيدنا عمر رضي الله عنه من حرصه على نشر الإسلام ورواية السنة، ولقد أرسل عبد الله بن مسعود وهو من كبار علماء الصحابة ورواة السنة، وله مكانة كبيرة في نفس عمر، أرسله إلى الكوفة معلما ووزيرا، ليعلم الناس الدين والأحكام المستمدة من الكتاب والسنة، وقد امتن على أهل العراق بإرساله إليهم فقال: أما بعد فإني بعثت إليكم عمارًا أميرًا، وعبد الله معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ، فاسمعوا لهما، واقتدوا بهما، وإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي.[12]

وهذا دليل حرص عمر رضي الله عنه على نشر السنة وتعليمها للناس، فكيف يزعم الزاعمون أنه كان يمنع من رواية السنة وتبليغها؟!!

فهل آن لأبناء المسلمين أن يراجعوا سيرة الصحابة بدقة ويتعمقوا في فهمها ويتأكدوا من كل رواية يعتمدون عليها وبخاصة أولئك الذين يخوضون في الصحابة الكرام بغير علم، ويتكلمون في الدين بغير فقه، ويصدقون الخائنين الكاذبين، أعداء الله وأعداء رسوله من بعض المغرضين من المستشرقين فيما يزورونه باسم العلم وباسم حرية البحث العلمي وأكثرهم قساوسة وأصحاب ألقاب دينية من يهودية ونصرانية وموظفون في وزارات خارجية الدول الاستعمارية، أو في الوزارات المتخصصة بإدارة المستعمرات، وهم ألد أعداء الإسلام، وألد أعداء المسلمين، والله عز وجل يحذرنا منهم فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.[13]

ولنتذكر جميعًا وصية رسول الله ﷺ: الله.. الله في أصحابي.[14]

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الهوامش:

[1] محمد عبده يماني، “أبو هريرة والحقيقة الكاملة”.

[2] رواه البخاري في كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ.

[3] ابن كثير، البداية والنهاية، جـ8/صـ107.

[4] رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء، ترجمة أبي هريرة.

[5] ابن كثير، البداية والنهاية، جـ8/صـ108.

[6] رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين.

[7] ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ترجمة أبي هريرة.

[8] ابن سعد، الطبقات الكبرى، جـ4/صـ327.

[9] ابن سيرين، كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي.

[10] رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب كراهية الإمارة.

[11] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، جـ4/صـ160.

[12] رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى، جـ3/صـ156.

[13] سورة آل عمران، الآية: 118.

[14] رواه الترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب الصحابة.

قائمة المصادر:

1. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري.

2. مسلم، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم.

3. الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي.

4. الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء.

5. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية.

6. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب.

7. ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى.

8. ابن حزم، علي بن أحمد، الفصل في الملل والأهواء والنحل.

9. يماني، محمد عبده، أبو هريرة والحقيقة الكاملة.