أبو هريرة.. صادقٌ وأمينٌ في كلِّ ما رَوى (1-2)

ويشاءُ اللهُ سبحانه وتعالى أن يُهَيِّئَ من ثمرات العلم الحديث ما يُبَرِّئُ ساحةَ أبي هريرة، هذا الصحابي الجليل، من كلِّ ما نُسِبَ إليه من إكثارٍ وأخطاءٍ وأوهامٍ، ليأتي (الحاسوب) ويُثبِتَ أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه، لم يَرْوِ وحده كلَّ هذه الأحاديث التي نُسِبَتْ إليه وبهذه الآلاف، وإنما حقيقةُ الأمر هي أن معظم هذه الأحاديث مكررةٌ، وإذا أُخْرِجَتِ المكرِّرات انتهينا إلى أعدادٍ محدودةٍ، وحتى هذه الأعداد لم ينفردْ في روايتها رضي الله عنه بمفرده، وإنما رواها معه عشراتُ الصحابة رضوان الله عليهم. كما أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يَرْوِ كلَّ هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ مباشرةً، وإنما روى بعضَها عن سيدنا أبي بكرٍ أو عن سيدنا عمر رضي الله عنه أو عن غيرهما من الصحابة، فليس كلُّ حديثٍ يرويه أبو هريرة قد سمعه من النبي ﷺ، وهو حيث يروي أيَّ حديثٍ يرفعه إلى النبي ﷺ بعبارةٍ صريحةٍ، أما إذا قال: قال رسول الله ﷺ دون أن يُصَرِّحَ بالسماع منه فيكون قد سمع الحديث من غيره فرواه عنه دون ذكر الصحابي، أو يقول: حدثني فلانٌ أنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: أو قال..

ولقد ظهرت لنا حقائقُ مهمةٌ عن روايات أبي هريرة، فعندما تتبعنا رواياتَ أبي هريرة وجدنا أن هناك ما يزيد عن ثمانمائة صحابيٍّ وتابعيٍّ رووا عنه الحديثَ وكلُّهم ثقاتٌ. ولكن القضية الأساسية التي أفادتنا عند استخدام الحاسب الآلي هي أنه عندما أُدْخِلَتْ هذه الأحاديثُ الموجودةُ في كتب الحديث الصحاح الستة وجدنا أن أحاديث أبي هريرة بلغت (5374) ثم وجدنا بعد الدراسة بواسطة الحاسوب أن المكرر منها هو (4074) وعلى هذا يبقى العدد غير المكرر (1300) وهذا العدد تتبعناه فوجدنا أن العديد من الصحابة قد رووا نفسَ هذه الأحاديث من غير طريق أبي هريرة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى وبعد أن قمنا بحذف الروايات التي رُوِيَتْ من غير طريق أبي هريرة في كتب الصحاح الستة وجدنا أن ما رواه أبو هريرة وهو غير مكررٍ ولم يروه أيُّ صحابيٍّ آخر هو أقلُّ من عشرة أحاديث.

وهذا في حدِّ ذاته يُظْهِرُ بَراءته مما نُسِبَ إليه من إكثارٍ، وقد ساهم في هذه الدراسة رجالٌ درسوا أحاديثَ أبي هريرة ومنهم محمد ضياء الدين الأعظمي، وقد قام بعمل دراساتٍ دقيقةٍ ومقارنةٍ وبذل جهودًا تستحق التقدير، وقد استفدت من هذه الدراسة.

وقد شاء الله أن نطور العمل في أحاديث أبي هريرة فانتقلنا من الكتب الستة إلى الكتب التسعة، وقد لاحظنا أن الأحاديث في الكتب التسعة المروية عن أبي هريرة هي (8960 حديثًا) منها (8510) بإسنادٍ متصلٍ و (450 حديثًا) بإسنادٍ منقطعٍ، وبعد التدقيق انتهينا إلى أن الأحاديث التي رواها أبو هريرة في كل هذه الكتب التسعة بعد حذف المكرر هي (1475 حديثًا) وقد اشترك في روايتها معه عددٌ من الصحابة. وعندما حذفتُ الأحاديث التي رُوِيَتْ عن طريق صحابة آخرين وصلنا إلى حقيقةٍ مهمةٍ وهي أن ما رواه أبو هريرة مع المكررات في كتب الحديث التسعة هي (253 حديثًا) ثم إن الأحاديث التي انفرد بها أبو هريرة بدون تكرارٍ ولم يروها أحدٌ غيره في الكتب التسعة هي (42 حديثًا) ومازلنا نواصل البحث، ولكن هذه الأمور وهذه الحقائق أزالت كلَّ تلك الشبه والتهم العقيمة والمغرضة التي كانت تُلْصَقُ بأبي هريرة ويتهمونه فيها بالإكثار ويقولون عنه رضي الله عنه إنه روى (8000 حديث) بمفرده .. وبعضهم يقول إنه روى (5000 حديث) بمفرده .. هكذا دون رويةٍ أو تدقيقٍ أو تمحيصٍ.

وخلاصة ما وصلنا إليه أن أبا هريرة صحابي جليل موثوق الحديث صحيح الرواية دقيق العبارة، أمين في كل ما رواه عن رسول الله ﷺ، وحياته وسيرته.. وورعه وتقواه.. ومدة صحبته لرسول الله ﷺ التي زادت عن أربع سنواتٍ كل هذه شواهدُ بِصِدْقِ أبي هريرة، وحرصه على رواية الحديث بما أكرمه الله من نعمة الحفظ التي دعا له بها رسول الله ﷺ.

ودعونا الآن نلقي الضوء على حياة هذا الصحابي واحترام الصحابة والخلفاء له فهو الصحابي الجليل، والإمام الفقيه، صاحب رسول الله ﷺ وراوية الإسلام، هاجر من أرض دوسٍ في بضعةٍ وثمانين رجلاً، وكانوا قد أسلموا على يد الطفيل بن عمرو الدوسي، فلما وصلوا المدينة في المحرم من سنة سبع للهجرة وجدوا رسولَ الله ﷺ قد خرج إلى خيبر، فخرج أبو هريرة مع رجالٍ منهم شوقًا إلى لقائه، فوجده عائدًا من فتحها بغنائم كثيرةٍ فبايعوه، وبايعه أبو هريرة وواثقه وأحبه، وكان مع أبي هريرة غلامٌ قد ضاع عنه، فلما أسلَمَ طلع الغلام فقال له النبيُّ ﷺ: يا أبا هريرة هذا غلامك قد أتاك، فقال: أما إني أشهدك أنه حر!![2] وهذا من دلائل صدقه وفرحه برؤية النبي ﷺ، وبالهجرة إليه، وهو من دلائل جوده وكرمه وزهده، وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما قدمت المدينة على النبي ﷺ قلت في الطريق:

يا ليلة من طولها وعنائها    على أنها من دارة الكفر نجت

وفي هذا دليلٌ قاطعٌ على أنه أسلم في بلاده على يد الطفيل بن عمرو قبل أن يهاجر وأنه كان مهتمًا بهذه الهجرة، فرحًا بها، كارهاً لبلاده لأنها بلاد كفر.

ومنذ ذلك اللقاء المبارك رأى النبيُّ ﷺ في ملامح أبي هريرة الخير والبر والتقوى، فقال: ممن أنت؟ قال: من دوس. قال: ما كنت أرى في دوس أحدًا فيه خير. [3[

وقد امتدت صحبته منذ هذا اللقاء إلى أن توفي رسول الله ﷺ، فهي أربع سنوات وشهران تقريبًا، وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة، ولهذا فقد استغربت وتَعَجَّبْتُ كثيرًا من كتابٍ وأدباء يقولون إن صحبة أبي هريرة للنبي رسول الله ﷺ بضعة أشهر، فكيف استطاع أن يسمع كل هذه الأحاديث ويحفظها في هذه المدة القصيرة!!.

وأحس أبو هريرة بسعادةٍ غامرةٍ بهذا الانتقال من ظلمات الكفر والجاهلية إلى أنوار الإيمان والإسلام، فكرس حياته لهذا الدين، وأعرض عن زينة الحياة الدنيا وزهرتها، وانقطع لخدمة رسول الله ﷺ فقرَّبه وأدناه، وأصبح أبو هريرة يدور معه حيث دار، فكان أعلم الصحابة بحديثه..، وأسعد الناس بخدمته والقرب منه، ولقد جاهد معه، فحضر كل غزواته بعد خيبر، وأوى إلى الصفة يعيش زاهدًا في الدنيا، مقبلاً على طلب العلم، وحفظ الحديث، يحضر حين يغيبون، ويحفظ حديثه حين ينسون، قال رحمه الله: قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة، وأقمت معه حتى توفي، أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه، وأنا والله يومئذ مقل، وأصلي خلفه، وأحج معه، فكنت والله أعلم الناس بحديثه،[4] وفي رواية أخرى للبخاري: أن أبا هريرة قال فحضرت والنبي ﷺ مجلسًا فقال: من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئًا سمعه مني، فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئًا سمعته منه بعد!![5]

هكذا أحب أبو هريرة رسولَ الله ﷺ وأخلص له، وتفرغ لخدمته، وأدخله رسول الله ﷺ في خاصته المقربين وخصه بقصة الرداء، وبدعائه له لما رأى من حبه وإخلاصه وزهده وصدقه وورعه وحرصه على تعلم العلم وحفظ الحديث، أما قصة دعائه له فقد روى النسائي بسنده أنه جاء رجل إلى زيد بن ثابت فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد، ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي، فجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا، ودعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سأل صاحباي، وأسألك علمًا لا ينسى.. فقال رسول الله ﷺ: آمين. فقال زيد وصاحبه: ونحن يا رسول الله نسأل علمًا لا ينسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي!!.[6]

وقد أحرز أبو هريرة دعوةً مباركةً من رسول الله ﷺ له ولأمه أن يُحَبِّبَه وأمه إلى المؤمنين والمؤمنات، فقد روى الإمام مسلم والإمام أحمد عن أبي هريرة أنه قال: … أما والله ما خلق الله مؤمنًا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني. قال: وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى علي، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فذكرت له ذلك، فقال رسول الله ﷺ: اللهم اهد أم أبي هريرة، فخرجت عدوًا، فإذا بالباب مجافٌ، وسمعت خَضْخَضَةَ الماء ثم فتحت الباب فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فرجع إلى النبي ﷺ وهو يبكي من الفرح، فقال يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعوتك، وهدى أمي، فحمد الله وأثنى عليه خيرًا، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يُحَبِّبَني وأمي إلى عباده المؤمنين، فقال: اللهم حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحَبِّبْ إليهم المؤمنين، فما خلق مؤمنًا يسمع بي ولا يراني أو يرى أمي إلا وهو يحبني. [7]

قال الإمام ابن حجر في الفتح: هذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهد الله ذكره، بما قدره أن يكون من رواته. – أي رواة حديثه ﷺ.[8]

فإذا أضفنا إلى ذلك ما رواه الإمام البخاري عنه رضي الله عنه قال: قلت، يا رسول من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه. [9]

فهذه أعظم شهادة من سيد الخلق ﷺ لأبي هريرة بأنه كان حريصًا على طلب العلم وحفظ الحديث، تتضاءل أمامها كل شهادة، كما أنها دليل على عظيم ثقة النبي ﷺ بأبي هريرة، وأمانته في الرواية، وصدقه فيما يحدث به، وهي دليل على شدة حب أبي هريرة للنبي ﷺ، وتطلعه إلى نوال شفاعته والقرب منه يوم القيامة، وهي فضيلة لا توجد إلا في السابقين وأهل الإحسان الذين يجتهدون ليكونوا في أعلى منازل الجنات، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين سبقت لهم الحسنى من الله عز وجل، وكتبت لهم السعادة قبل الولادة.

ومن الدلائل العظيمة على ثقة النبي ﷺ بأبي هريرة وحبه له أنه بعثه مع العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي في البحرين بعد الفتح، وأوصى به العلاء خيرًا، فقال له العلاء: إن رسول الله ﷺ قد أوصاني بك خيرًا، فانظر ماذا تحب؟ فاختار أن يؤذن للصلوات فقال: أؤذن لك.

فانظر إلى هذه الوصية به ودلالتها على حب النبي ﷺ له؟ وانظر إلى زهد أبي هريرة الذي اختار أن يؤذن للصلوات، لما يعلم من رسول الله ﷺ عن فضل الأذان والمؤذنين وهذا دليل ورعه وزهده وتقواه، وقد كان زاهدًا في الدنيا، معرضًا عن الزينة، تحمل الجوع والحرمان وعاش مع أهل الصفة يتعهدهم ويرعاهم ويحمل إليهم الصدقات، ويبلغهم ما أمر النبي ﷺ وكان بارًا بأمه غاية البر قبل أن تسلم وبعد إسلامها، وكان عظيم الشكر لله على أنعمه، شديد المحاسبة لنفسه، كثير الذكر لله، كثير العبادة والقيام في الأسحار، كثير التواضع لله، كثير الخوف منه.

وقد عرف الصحابة رضوان الله عليهم لأبي هريرة فضله وقربه من النبي ﷺ، وثقته به، وصدقه وأمانته وزهده وورعه وتقواه، فقد أخرج البخاري أن أبا بكر الصديق بعثه حين حج في الناس قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان،[10] وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة، .. قال: كنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان.. ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صَحِلَ (أي بَحَّ) صوتي!!.[ [11]

وشهد كبار الصحابة لأبي هريرة بالصدق في الحديث عن النبي ﷺ، وبدقة الحفظ، والجرأة على الرواية. وفيما يلي بعض شهادات الصحابة له:-

1. سئل طلحة بن عبد الله فقيل له: يا أبا محمد، أرأيت هذا اليماني، أهو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم، نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، أم هو يقول على رسول الله ما لم يقل؟ فقال طلحة: أما أن يكون سمع ما لم نسمع، فلا أشك، وسأحدثك عن ذلك: إنا كنا أهل بيوتات وغنم وعمل، كنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار، وكان أبو هريرة مسكينًا ضيفًا على باب رسول ﷺ، يده مع يده فلا نشك أنه سمع ما لم نسمع، ولا تجد أحدًا فيه خيرٍ يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل. ومر رجل بطلحة فقال له: لقد أكثر أبو هريرة!! فقال طلحة رضي الله عنه: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا!!. [12]

ففي الرواية الأولى شهادة من سيدنا طلحة لأبي هريرة بأنه كان ملازمًا لرسول الله ﷺ وأنه سمع أكثر مما سمع غيره، وفي الثانية شهادة له بدقة الحفظ، والثقة في الرواية.

2. مر ابن عمر رضي الله عنهما بأبي هريرة فسمعه يحدث عن أجر الصلاة على الجنازة وتشييعها حتى تدفن فقال: أبا هريرة انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ، فأخذ أبو هريرة بيده، وانطلق به إلى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان؟ فقالت: اللهم نعم! فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه.  [13]

فهاتان شهادتان: واحدة من عائشة، وواحدة من ابن عمر!!

ويروي حذيفة بن اليمان فيقول: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ فقال له ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به، ولكنه اجترأ وجبنا!!.

وقال: أبو هريرة خير مني، وأعلم بما يحدث!!.[14] وهذا تواضع من ابن عمر، واعتراف بأن أبا هريرة يحدث عن حفظ وعلم وثقة بما يحفظ!!

3. سمع رجل أبا أيوب يحدث عن أبي هريرة فقال: وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟!!.

فقال أبو أيوب: إنه قد سمع، وأن أحدث عنه، عن رسول الله ﷺ أحب إلي أن أحدث عن النبي ﷺ !! وهذا دليل ثقة أبي أيوب بأبي هريرة، وخشيته من أن يحدث عن رسول الله ﷺ لأن أبا هريرة أحفظ منه. [15]

4. مر عمر بن الخطاب في المسجد فوجد حسان ينشد الشعر، فلحظ عليه، فقال حسان: كنت أنشد الشعر وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟ قال اللهم نعم. فسكت عمر.[16] وفي سكوت عمر رضي الله عنه إقرار بصدق أبي هريرة وثقة به، وفي هذا أبلغ الرد على من زعم أن عمر نهى أبا هريرة عن رواية الحديث، وضربه عليه!!.

وأخرج البخاري أن عمر رضي الله عنه أتي بامرأة تَشِمُ، فقام فقال: أنشدكم بالله، من سمع من النبي ﷺ في الوشم؟ قال أبو هريرة: فقمت فقلت: يا أمير المؤمنين أنا سمعت، قال: ما سمعت؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا تَشِمْنَ ولا تَسْتَوْشِمْنَ!!  [17]

والذين شهدوا لأبي هريرة من كبار الصحابة غير هؤلاء كثيرون جدًا منهم: أبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله ابن عباس، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، و عبد الله بن الزبير، والمسور بن مخرمة، وآخرون كثيرون يضيق المجال عن ذكرهم وذكر ما روي عنهم في ذلك!!.

وهذا يحملنا على القول: إنه لم يكن في الصحابة أحد إلا وهو يثق بأبي هريرة وأمانته ودقة حفظه، وصحة روايته، ولا يوجد في الصحابة كلهم أحد إلا ويحترم أبا هريرة ويقدره ويعلم له فضله في رواية السنة وحفظها.

الهوامش:

[1] محمد عبده يماني، “أبو هريرة والحقيقة الكاملة”

[2] رواه البخاري في الأدب المفرد، واللفظ له.

[3] رواه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.

[4] رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب أبي هريرة.

[5] رواه البخاري في كتاب العلم، باب بركة العلم.

[6] رواه النسائي في كتاب السهو، باب الدعاء.

[7] رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي هريرة، وأحمد في مسنده.

[8] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، شرح صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة.

[9] رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل.

[10] رواه البخاري في كتاب الحج، باب حجة الوداع.

[11] رواه أحمد في مسنده، مسند العشرة المبشرين بالجنة.

[12] رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب أبي هريرة.

[13] رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة.

[14] رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء.

[15] رواه ابن عبد البر في الاستيعاب.

[16] رواه البخاري في كتاب الأدب، باب الانتصار للرسول ﷺ.

[17] رواه البخاري في كتاب اللباس، باب الوشم.

قائمة المصادر:

1. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري.

2. مسلم، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم.

3. النسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي.

4. أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد.

5. ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري.

6. الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء.

7. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب.

8. يماني، محمد عبده، أبو هريرة والحقيقة الكاملة.