الإسلام والغرب

إن العالم وهو على مشارف القرن الواحد والعشرين يشهد فوضى وعدم استقرار لم
يسبق لهما مثيل.. فالحروب المدمرة والصراعات الحضارية تزيد من تعميق الهوة
بين الثقافات المختلفة وتزرع بذور الحقد بين الإنسان وأخيه الإنسان.

والإسلام بمبادئه العالمية التي تدعو إلى السلام واحترام كرامة الإنسان لا يزال هدفاً
للحملات الإعلامية الغربية التي تسيء إلى صورته وتصد الجماهير الغربية عن
التعرف على حقيقته، ولذلك فنحن في أمس الحاجة إلى مد جسور الحوار السلمي
المتفتح بين الدول الإسلامية والغرب.

لقد انعقدت عدة اجتماعات ومؤتمرات وكُتبت عدة مقالات ومؤلفات حول العلاقة
بين الإسلام والغرب.. غير أننا لا نلمس تقدماً ملحوظاً في الحوار بين الحضارتين
وكشف حقيقة الإسلام ووضع حد للحملات الإعلامية المتتالية التي تستهدف الإسلام

وأهله.. ولعل في كلمة الأمير تشارلز التي ألقاها بمركز الدراسات الإسلامية
بأكسفورد.. ما يدل على هذه الحقيقة.. “إن الأمر المؤسف أنه رغم التقدم
التكنولوجي في وسائل الإعلام خلال النصف الثاني من هذا القرن، وسهولة وسائل
السفر، واختلاط الأجناس، وكشف أسرار هذا الكون، فإن سوء التفاهم بين الإسلام
والغرب لا يزال مستمراً، بل يزيد في التصاعد.”

إن أسلوب التشويه الذي يقصده الإعلام الغربي ضد الإسلام كان مقصوراً على
الكلمة المكتوبة غير أنه توسع ليشمل جميع الوسائل الإعلامية، كما أن الإعلام سواء
الخيالي أو الواقعي يعد من أخطر الأسلحة الموجهة إلى تغيير حقائق الإسلام في
أذهان القراء، كما أن سيطرة الغرب على المحطات الفضائية وسع من رقعة البث
ليصل إلى كافة أنحاء العالم حتى وصل إلى بلاد المسلمين دون أن يلقى أدنى
مواجهة من قبل المسلمين، وأصبح واضحاً للجميع أن الإسلام وأهله أصبح مستهدفاً
في الوقت الذي أصبح فيه المسلمون ضحايا للتشريد والتهجير والتطهير العرقي..

ويمكن تحليل العلاقة بين الإسلام والغرب على ثلاثة مستويات: المستوى الديني
والثقافي والاقتصادي.

الجانب الديني:
إن الصلة التي تربط الإسلام بالغرب أوثق مما قد يتصور الغربيون، إذ أن الدين
يعتبر حجر الزاوية الذي تقوم عليه العلاقة بين المسلمين والمسيحيين واليهود.. فأهل
الديانات الثلاث هم أهل الكتاب وكلنا نعبد إلهاً واحداً ونعتقد أنه خالقنا ونحن
مسئولون أمامه في هذه الدنيا وفي الدار الأخرى.. والإسلام يعني الانقياد الكامل لله
وهو دين جميع الأنبياء قبل محمد ﷺ.. فكل الأنبياء دعوا أقوامهم إلى أمر واحد وهو
الانقياد والاستسلام إلى الله وعبادته وحده.. وقد تلقّى الأنبياء منذ نوح وإبراهيم
وإسماعيل وموسى وعيسى ومحمد (عليهم الصلاة والسلام) رسالة إلهية واحدة.

إن الرسالات التي نزلت على موسى وعيسى (عليهما السلام) قد سبقت الإسلام،
غير أن ما يصطلح عليه باليهودية JUDAISM لم يأت ذكره في نص التوراة بل
كان من اختلاق قوم لم يكونوا من اليهود في فلسطين للتهكم على أتباع موسى
بقولهم: إن دين اليهود الذين يعيشون في مدينة JUDEA هو اليهودية JUDAISM إن
النبي ﷺ لم يذكر هذه الكلمة.. كما أنه لم يأت ذكرها على لسان داوود وسليمان
(عليهما السلام).

وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة “المسيحية” التي لم تذكر أبداً في نص الإنجيل ولم ترد
على لسان المسيح عيسى عليه السلام.. فالرسالة الواحدة التي دعا إليها جميع
الأنبياء المرسلين هي الانقياد الكامل لله وحده، وهذا ما تعنيه كلمة الإسلام بالتحديد..
وليس الإسلام بدعة تاريخية أو تراكماً لفلسفات جاءت قبله. بل هو دين جميع
الأنبياء وإلى خاتم الرسالات جميعاً محمد ﷺ، الذي تلقى القرآن عن الله ليبلغه للناس
أجمعين.

وقد خص القرآن المسيحيين واليهود بمكانة خاصة إذ سماهم أهل الكتاب، وأمرنا
بمعاملتهم باحترام وأخوة:

{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي
أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [¹]

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ
شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ} [²]

{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [³]

ارتباط الإسلام والمسيحية عبر التاريخ:
عندما بزغ فجر الإسلام على جزيرة العرب، كان العالم تقتسمه كل من
الإمبراطورية الرومانية المسيحية والإمبراطورية الفارسية. وقد شهدت سنة 611 م
انتصاراً ساحقاً للفرس على الروم انتهى باحتلال مدن حلب وأنطاكية ودمشق – كما
سقطت مدينة القدس في أيدي الفرس عام 615م الذين أحرقوا كنائسها وقتلوا
المسيحيين وشرّدوهم.. كما استولى الفرس على مصر ووصلوا إلى ليبيا غرباً
والقسطنطينية معقل الإمبراطورية الرومانية شرقاً.. وفي خضم هذا التنافس الشديد
بين القوتين، ساند العرب من قريش الإمبراطورية الفارسية وفرحوا بانهزام الروم
ظناً منهم أن انهزام الإمبراطورية الرومانية سيحد من انتشار الدين الجديد الذي
يدعو إليه محمد ﷺ. كما أن قريش استفادت من هذه الهزيمة وأحكمت سيطرتها على
قوافل التجارة انطلاقاً من اليمن وحتى دمشق بالإضافة إلى مناطق من جزيرة
العرب.

غير أن الرسول ﷺ وأتباعه من المسلمين أظهروا تعاطفاً مع الروم المسيحيين حيث
ساءهم ما لحق بهم من هزيمة.. وحين اعتقد الجميع إن الإمبراطورية الرومانية قد
انتهى أثرها نزل القرآن على محمد يبشر بأن انتصار الفرس لن يطول أمده وأن
النصر سيكون حليف الروم بعد سنوات قليلة:

{غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ
الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [⁴]

ولقد كانت فرحة المسلمين عظيمة بانتصار أهل الكتاب ضد الفرس عُبّاد النار. غير
أن سرعة انتشار نور الإسلام في ربوع الأرض جعل النصارى يخافون على
مصالحهم التجارية فحاولوا تضييق الخناق على المسلمين فحركوا جيوشهم ناحية
مدينة تبوك. فكان المسلمون لهم بالمرصاد إذ أعدوا العدة لمقابلتهم لكن الأمر انتهى
إلى الصلح والسلام.. وتبين هذه الحادثة إن الدافع الحقيقي وراء هذه المواجهة هو
المصلحة الاقتصادية من قبل الروم وخوفهم من قوة هذا الدين الجديد.

كما عرف التاريخ محاولة أخرى للنصارى للقضاء على المسلمين خلال حكم
الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. لكن النصر كان بجانب المسلمين
الذين دخلوا سوريا وفلسطين وجاء الخليفة عمر بنفسه ليستلم مفاتيح القدس.. ومن
مواقفه الخالدة التي كانت من وحي القرآن وتعاليمه أنه امتنع عن الصلاة داخل
كنيسة النصارى خشية أن يستغل بعض المسلمين ذلك المكان ويقيموا على أنقاضه
مسجداً للمسلمين.. كما أصدر أوامره بحماية النصارى وعدم الاعتداء على أحد أو
إيذاء حيوان أو قطع شجرة.. تلك بعض مواقف التسامح بين المسلمين وأهل الكتاب،
والتي توجت بالاحترام والتراحم الذي أبداه المسلمون تجاه أهل الكتاب خلال الحكم
الإسلامي في الأندلس.

ومن جهتهم، فقد آوى نصارى الحبشة بقيادة ملكهم النجاشي المسلمين الهاربين من
ظلم قريش. ونود أن نسجل هنا شهادة كُتّاب من الغرب على مواقف المسلمين تجاه
أهل الكتاب. إذ تقول الكاتبة “كارن أرمسترونج” Karen Armstrong في كتابها
“تاريخ الدين” أن المسلمين لم يسعوا أبداً إلى التضييق على المسيحيين واليهود.. كما
يذكر الدكتور إدوارد و. بلايدن Edward W. Blyden في كتابه “الإسلام
والمسيحية والجنس الإفريقي” أنه خلال الحكم الإسلامي في الأندلس، كان
المسيحيون يتمتعون بالتسامح من قبل المسلمين، ليس كحق سياسي بل تماشياً مع
شرائع الإسلام ومقوّماته .. حيث كان للمسيحيين الحق في التجمع حول قسيسيهم
وبناء كنائسهم وديارهم، والاحتكام إلى قوانينهم داخل محاكمهم كلما كان الأمر
يخصهم شخصياً.”[⁵]

نظرة الغرب إلى الإسلام والمسلمين:
إن كلمة الأمير “تشالز” تلخص بحق نظرة الغرب المجحفة ضد الإسلام والمسلمين
فهو يستبعد أن يكون الجهل هو السبب في عدم التفاهم الذي يسود العلاقات بين
الإسلام والغرب.. يقول: “إن سوء الفهم هذا، بالنسبة للغرب لا يمكن أن يكون
حصيلة الجهل، فهناك بليون مسلم في شتى أرجاء العالم، ويعيش الملايين منهم
في بلدان الكومنويلث، ويقيم عدد كبير منهم في أوروبا وأمريكا الشمالية ومن
بينهم حوالي مليون في بريطانيا. إن الجالية الإسلامية في بريطانيا تنمو وتزدهر
منذ عقود فهناك حوالي 500 مسجد في بريطانيا، والاهتمام الشعبي بالثقافة
الإسلامية يتنامى بسرعة.. إن الإسلام يحيط بنا من كل جانب.. ومع ذلك يستمر
الشك والخوف “.

وأود أن أضيف هنا أن الصورة التي نقلها الكتّاب والرحالة الغربيون الأوائل عن
الإسلام قد شكلت طبيعة العلاقات المعقدة بين الإسلام والغرب اليوم.. كما أن الدافع
الحقيقي وراء الأبحاث الغربية عن الإسلام كان ولا يزال يستند إلى برنامج سياسي
واقتصادي يهدف إلى خلق صورة سلبية عن الإسلام أصبح عاملاً فعالاً في تشكيل
الوجدان الغربي ويرى Kail Ellis مدير معهد العلوم العربية والإسلامية بجامعة
فيلانوفا Vilanova بالولايات المتحدة أن “محاولات المستشرقين الغربيين الأولى
للإدعاء بأن الإسلام ليس ديناً سماوياً وأن معتقداته وعباداته مستوحاة من
اليهودية والمسيحية، قد استبدلت اليوم بتوجه جديد يقوم على أساس مصطلحات
جديدة مثل: “الثوريون الإسلاميون” “أنظمة الصلة” الأصوليون الإسلاميون”
“الجهاد الإسلامي” للإشارة إلى الذين يبحثون عن هويتهم الإسلامية..”[⁶]

إن هذه النماذج القليلة من الكتابات الغربية تبين أن هناك خلطاً في ذهن الغربيين بين
الإسلام والعنف. وسيتضح هذا الخلط من خلال النقطيتين التاليتين:

أ- مفهوم الجهاد:
يعتبر هذا المفهوم من أكثر المفاهيم تشويهاً ماضياً وحاضراً حيث أصبح يدل لدى
الغربيين على “الحرب المقدسة ضد الكفار” ومفهوم الجهاد لغة هو بذل الجهد لتقويم
أمر ما ويميز الإسلام بين نوعين من الجهاد: الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر. ويعني
الجهاد الأكبر جهاد النفس ضد الأهواء.. أما الجهاد الأصغر فهو الدفاع عن النفس
ومحاربة المعتدي والظالم وإعطاء الناس حرية اختيار الإسلام عن رضى نفس
ودون إرغام يقول الله تعالى “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”[⁷] ويقول أيضاً: “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ
دِينِ”[⁸]

ويذكر الكاتب إدوارد بلايدن في كتابه “المسيحية والإسلام والجنس الإفريقي” ما
يقوله Major Osborn وهو إنجليزي عاش مع المسلمين في الهند من أن مهمة
المسلمين الكبرى هي أن يصبحوا جنداً لله ضد الكفار الذين يستحقون القتل حتى
يتوبوا وأن محمداً عندما أمر أصحابه بكف قتال بعضهم بعضا، كان عليه أن يجد
لهم بديلاً لسل سيوفهم والضرب بها.

وهذا هو السبب الحقيقي في رغبتهم لدخول الجنة وطريق ذلك هو الحرب وأوحى
إليهم بالفوز بعالم الخلد إذا هم أطلقوا العنان لنزواتهم ولا يزال المسلمون يرون
أنفسهم شعب الله المفضل وينظرون إلى اتباع الديانات الأخرى على أنهم حطب
جهنم.. وأنه من واجبهم القضاء عليهم.. وفي السورة التاسعة من القرآن إعلان
الرسول الحرب على أتباع الديانات الأخرى غير الإسلام”[⁹]
ويقوم الإعلام الغربي خاصة في أمريكا بدور فعال في تعميق هوة الخلاف بين
الإسلام والغرب.. وتنشر قنوات البث التلفزيوني من حين لآخر برامج وثائقية
الهدف منها تشويه صورة الجهاد لدى الرأي العام الغربي.. غير أن هناك محاولات
منصفة مثل كتاب “الجهاد في أمريكا” “الإسلام بعد مالكوم إكس” لصاحبه ستيفن
باربوزا حيث يضم دراسات موثقة عن رحلة الجهاد التي مر بها حوالي خمسين
أمريكياً مسلماً لتحقيق هويتهم الإسلامية.

ب- الإسلام في فرنسا:
إن العلاقة التي تربط المسلمين بفرنسا قديمة جداً إذ أن فرنسا تضم أكبر جالية
مسلمة في أوروبا كلها، وقد تمتع المسلمون بمعاملة تميزت بالإحسان وحسن الجوار
كما أصبح الجيل الثاني والثالث من أبناء وأحفاد المسلمين مواطنين فرنسيين لهم
حقوقهم التي يحفظها لهم القانون الفرنسي غير أن حالة المسلمين خلال السنوات
الأخيرة قد أصبحت سيئة وأعلنت حرب ضارية ضدهم.. ويعتبر الحجاب الهدف
الرئيسي لهذه الحرب وهو أظهر مثال على الظلم الذي يعانيه المسلمون في فرنسا.

ومن المفارقات الكبيرة أن هذه الحملة تتعارض مع مبدأ الحرية الذي قامت عليه
الثورة الفرنسية.. كما أن القرار الوزاري الفرنسي يناقض مبدأ حرية التدين الذي
يقره إعلان حقوق الإنسان والدستور الفرنسي.. ويشير الأستاذ فرنسيس لامان
Francis Lamam رئيس جمعية “الإسلام والغرب” بباريس أن القرار الوزاري
يحرم ارتداء أي رموز دينية قد تكون مثيرة.. ويعتقد أصحاب هذا القرار أن ارتداء
الحجاب ظاهرة مثيرة على عكس وضع الصليب على الصدر كما يفعل
المسيحيون.. ولذلك فإن الفتاة المسلمة التي تضع حجابها يعتقد أنها تسبب الإثارة
والفوضى وهذا الموقف يدل على أن فرنسا تتظاهر بجهل مغزى الحجاب عند
المسلمين وأن ارتداءه مظهر تعبدي وليس رمزاً دينياً.

الحوار مع الغرب عن حقوق الإنسان في الإسلام:
لا شك أن العالم الإسلامي تحذوه الرغبة الشديدة في مد جسور التفاهم مع الغرب
وربط علاقات التعاون الودية بين المسلمين والغرب.. وتجدر الإشارة هنا إلى سلسلة
من المؤتمرات التي كانت بدايتها بمدينة الرياض ثم تلتها لقاءات أخرى في باريس،
مدينة الفاتيكان، وجنيف، وستراسبورغ حول موضوع حقوق الإنسان في الإسلام.

ويرجع الفضل في بدء هذه السلسلة من اللقاءات والحوارات إلى الجمعية الفرنسية
السعودية التي نظمت أول مؤتمر بالرياض بتاريخ 22 مارس 1972.. وقد شارك
في أعمال هذا المؤتمر قسم حقوق الإنسان بالمجلس الأوروبي.. وقد قدم
المشاركون، بما فيهم ممثلون عن المملكة العربية السعودية، مذكرة إلى المؤتمر
حول حقوق الإنسان في الإسلام وتطبيق ذلك في السعودية.. وقد شجعت نتائج
المؤتمر المشاركين من أوروبا وطلبوا من المملكة العربية السعودية تنظيم لقاءات
أخرى في مدن أوروبية قصد تنوير الرأي العام الغربي حول حقيقة الإسلام وحمايته
لحقوق الإنسان بهدف توثيق التفاهم المشترك والتعاون في مجال حماية حقوق
الإنسان لصالح الإنسانية كلها.

ثم جاء المؤتمر الأول في مدينة الفاتيكان تحت عنوان “الحوار بين أوروبا
والإسلام” وقد مثل الجانب الأوروبي Pope Paul VI البابا بولس السادس
ومجموعة من رجال الدين والقساوسة، كما مثل جانب المسلمين عدد من علماء
السعودية ورجال الفكر والقانون.. وقد أكد البابا أن الفاتيكان لا يدعم إرسال
منصرين إلى بلاد المسلمين لتنصيرهم بل إن هناك متطرفين مسيحيين يسعون إلى
ذلك كما أن هناك متطرفين من المسلمين.. ودعا إلى توحيد الجهود لإيصال رسالة
الحق الإلهية لمن لم تصلهم بعد.

وتلا هذا المؤتمر لقاءان آخران في كل من باريس وجنيف ثم مؤتمر ستراسبورغ..
وقد اتفق الجميع أن نتائج المؤتمر الأخير تتماشى مع ما يدعو إليه القرآن الكريم في
قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [¹⁰]

كما أن كرامة الإنسان من أقدس المبادئ التي يدعو إليها الإسلام في قوله تعالى:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ
عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [¹¹]

والمقياس العدل في تفضيل الناس بعضهم عن بعض هو التقوى إذ يقول الرسول
الكريم ﷺ: “لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى”[¹²]
وقال أيضاً “مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ”[¹³]

وفي مجال العدل والإنصاف وتأدية حقوق الناس، نقرأ قوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا
بِالْعَدْلِ} [¹⁴]
وقوله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا
تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [¹⁵]

الجانب الاقتصادي:
يتجاوز عدد المسلمين في العالم البليون نسمة ويحتوي العالم الإسلامي على موارد
معدنية وطبيعية هائلة مما يسهل عملية التعاون مع الغرب.. وجدير بالذكر أن أكثر
واردات الغرب من البترول تأتي من العالم الإسلامي واستقرار مصادر هذه
الواردات بالغ الأهمية بالنسبة للغرب، ومن جهته فإن العالم الإسلامي في حاجة
ماسة إلى تكنولوجيا الغرب وخبراته العلمية، فالتعاون واحترام الآخر هما الشرطان
الوحيدان لضمان مصالح الطرفين معاً، إضافة إلى أن الفلسفة الاقتصادية التي يقوم
عليها الإسلام في معاملاته سوف تسهم في تطور النظام الاقتصادي العالمي الجديد،

إذ أن الإنسان في المفهوم الإسلامي هو خليفة الله على أرضه، والخيرات التي
أودعها الله في هذه الأرض مسخرة لخدمة الإنسان وليس العكس.. فالإنسان مكرم
كما أسلفنا وكل شيء في الوجود مسخر له.. فهدف التنمية الاقتصادية في الإسلام
ليس فقط الربح بل الإنسان ذلك الخليفة على الأرض.

الجانب الحضاري:
إن حديثي عن أزمة حضارية في الغرب لا يأتي من منطلق الناقد الاجتماعي بل
بواقع شعور إنساني يرى أن خير طرف من الأطراف سوف يعم الطرف الآخر وأن
أي أذى يلحق بالغرب سيسبب ضرراً للعالم الإسلامي، فالعالم أصبح قرية صغيرة
واختلاط الشعوب وتبادل الأفكار والعادات الاجتماعية أصبح أمراً يسيراً ومكثفاً،
فالإجرام وتعاطي المخدرات والحمل المبكر، وأبناء الزنا والتشريد والعنصرية
العرقية، كلها ظواهر اجتماعية تنتقل من بلد إلى بلد وتقضي على الإنسانية جمعاء
في آخر المطاف.. فالإحصائيات تدل أن القتل الذي يقدم عليه المراهقون في أمريكا
مثلاً قد زاد بشكل مخيف، وأن سن هؤلاء المراهقين لا يتجاوز السابعة عشرة عاماً،
وقد خصصت الإدارة الأمريكية مؤخراً مبلغ سبعة بلايين لمحاربة الإجرام مما يدل
دلالة واضحة على خطورة الوضع الاجتماعي في أمريكا.

كما أن السجون لا تقوم بواجب الإصلاح الاجتماعي المنوط بها.. ويحكي مالكوم
إكس عن تجربته في السجن ويؤكد أن المسجون يزيد حقداً على المجتمع واستعداداً
لارتكاب الجرائم.. إلا أن مالكوم إكس وجد الخلاص في الإسلام الذي غير مجرى
حياته كلها.

ماذا يمكن أن يقدم الإسلام للغرب؟
إن القيم الأخلاقية والاجتماعية التي يؤسس عليها الإسلام بنيانه سوف تكون سنداً
للغرب في استعادة استقراره الاجتماعي والنفسي وإعطاء الإنسان قيمته الحقيقية
التي يستحقها والتي تقوم على فكرة الخلافة في الأرض، إضافة إلى أن تطبيق

العقوبات القانونية ضد المجرمين قد تضاءل بشكل ملحوظ وفقد تأثيره في ردع
المجرمين.

غير أن الشريعة الإسلامية تقوم على أساس الأخلاق والتي لا تزال موضع احترام
وتقديس المسلمين.. فمبدأ “الحرام” لا يزال ينبض بالحياة في الضمير المسلم وهو
الوسيلة المثلى للغرب لكي يستعيد أسسه الأخلاقية التي هي في الحقيقة تعاليم إلهية.
كما أن الإسلام يحتفظ للأب والأم بواجب الاحترام والتقدير من الأبناء وبذلك تظل
الأسرة متكاثفة متماسكة حتى بعد أن يكبر الأبناء.. والأسرة هي لبنة المجتمع الأولى
فبصلاحها يستقيم المجتمع كله.

إن أسباب التأخي والتآلف بين الغرب والإسلام لا شك كثيرة، وفي مقدور كل جانب
أن يسهم في توثيق التعاون والترابط ومد الجسور نحو مستقبل أفضل.. إنه من
مفارقات هذا العصر التكنولوجي أن يضل العالم حبيس جهل وضيق أفق، مما يسبب
ضياع الموارد الطبيعية والإنسانية معاً.

إن الاحترام المتبادل هو الطريق الوحيد نحو عالم سعيد للأجيال القادمة.. عالم يخلو
من العنف والقتل والحروب والآفات الاجتماعية والكراهية.

الحواشي:

[¹] سورة العنكبوت، الآية: 46
[²] سورة آل عمران، الآية: 64
[³] سورة البقرة، الآية: 136
[⁴] سورة الروم، الآية: 2-4

[⁵] كتاب “المسيحية والإسلام والجنس الإفريقي”، إدوارد و. بلايدن، ص 123
[⁶] كتاب “الفاتيكان والإسلام والغرب”، كايل إليس، ص 19
[⁷] سورة البقرة، الآية: 256
[⁸] سورة الكافرون، الآية: 6
[⁹] كتاب “المسيحية والإسلام والجنس الإفريقي”، إدوارد و. بلايدن، ص 121
[¹⁰] سورة الحجرات، الآية: 13
[¹¹] سورة الإسراء، الآية: 70
[¹²] مسند الإمام أحمد، رقم 22978
[¹³] صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب إثم من عذب ذميا بغير حق، رقم 3166
[¹⁴] سورة النساء، الآية: 58
[¹⁵] سورة المائدة، الآية: 8