الأيتامُ والذِّكرياتُ وصَدَى السِّنينَ الخَوَالِي

ما أَجْمَلَ أن نَعُودَ إلى الذِّكرياتِ القَدِيمةِ والأيَّامِ الخَوَالِي، وَنَذْكُرَ بالفضلِ أُولَئِكَ الرِّجالَ الَّذِينَ عَمِلُوا بِرُجُولَةٍ وَوَطَنِيَّةٍ وَصِدْقٍ وَإِيمَانٍ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْوَطَنِ الْعَزِيزِ، وَمِنْ أَجْلِ الأَخْذِ بِيَدِ الضُّعَفَاءِ وَالفُقَرَاءِ. وَلَقَدْ شَعَرْتُ بِاعْتِزَازٍ شَدِيدٍ وَأَنَا أُطَالِعُ سِجِلَّ شَرَفٍ لأَوَّلِ مُجْهُودٍ تَمَّ فِيهِ إِنْشَاءُ دَارِ الأَيْتَامِ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ.. وَقَدْ قَامَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ الْمُخْلِصِينَ بِإِنْشَاءِ هَذِهِ الدَّارِ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ ضَمَّتْ مَجْمُوعَةً مِنَ الأَيْتَامِ الفُقَرَاءِ، وَقَامَتْ بِخَدَمَاتٍ جَلِيلَةٍ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى.. ثُمَّ لِخِدْمَةِ أَطْفَالِ هَذَا الْوَطَنِ.. وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا عَامَ 1355هـ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ تَمَّ اسْتِئْجَارُهُ لإِيْواءِ هَؤُلاءِ الأَطْفَالِ، وَالَّذِينَ بَدَأَ الْمُسَئُولُونَ فِي الدَّارِ يَجْمَعُونَهُمْ مِنَ الأَسْوَاقِ، وَخَاصَّةً الأَطْفَالَ الْمُشَرَّدِينَ، وَيَقُومُونَ بِدِرَاسَةِ حَالَتِهِمْ، وَخَاصَّةً مَنْ فَقَدَ أَبَوَيْهِ وَلَا عَائِلَ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَكْفُلُهُ، فَكَانَتْ هَذِهِ النَّوَاةَ الأُولَى.

وَقَدْ وَرَدَ في سجل الدار أَنَّ صَاحِبَ فِكْرَةِ تَأْسِيسِ الدَّارِ هُوَ الْمَرْحُومُ مَهْدِي بَكْ الْمُصْلِحِ، مُدِيرُ الأَمْنِ العَامِّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللهُ أَوَّلَ مَنْ فَكَّرَ فِيهَا وَعَمِلَ عَلَى إِخْرَاجِهَا إِلَى حَيِّزِ الْوُجُودِ، فَاسْتَصْدَرَ إِذْنًا مِنْ حُكُومَةِ حَضْرَةِ صَاحِبِ الْجَلَالَةِ بِتَأْسِيسِهَا. وَعِنْدَمَا حَمَلَ الْبُشْرَى إِلَى مُسَاعِدِهِ فِي الْعَمَلِ آنَذَاكَ الْعَقِيدِ عَلِي جَمِيلٍ، وَجَدَ مِنْهُ حَمَاسًا كَمَا لَقِيَ مِنْهُ كُلَّ مُعَاوَنَةٍ وَمُؤَازَرَةٍ.

وَبَذَلَ الرَّجُلَانِ مُتَكَاتِفَيْنِ أَقْصَى مَا لَدَيْهِمَا مِنْ جُهْدٍ وَتَضْحِيَاتٍ فِي سَبِيلِ النُّهُوضِ بِهَذَا الْعَمَلِ الْخَيْرِيِّ الْجَبَّارِ، الَّذِي لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ أَمَامَهُ مَفْرُوشًا بِالرَّيَاحِينَ وَالأَزْهَارِ، وَأَخَذَا عَلَى عَاتِقَيْهِمَا السَّيْرَ بِهِ قُدُمًا غَيْرَ آبِهَيْنِ بِمَا يُعْتَرِضُ طَرِيقَهُمَا مِنْ مَصَاعِبَ مَادِّيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ، يَهُونُ عَلَيْهِمَا كُلُّ ذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَا يُؤَدِّيَانِ خِدْمَةً جَلِيلَةً للهِ ثُمَّ لِلْوَطَنِ، حَتَّى أَثْمَرَ عَمَلُهُمَا وَفُتِحَتِ الدَّارُ أَبْوَابَهَا فِي مُسْتَهَلِّ شَهْرِ شَوَّالٍ مِنْ عَامِ 1355هـ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ اسْتُؤْجِرَ لِهَذَا الْغَرَضِ.

وَرَاحَ السَّيِّدُ عَلِي جَمِيلٍ يَجُوبُ الأَسْوَاقَ بَحْثًا عَنِ الأَطْفَالِ الْمُشَرَّدِينَ، ثُمَّ يُدْرِسُ حَالَاتِ مَنْ يَجِدُهُ مِنْهُمْ قَدْ فَقَدَ أَبَوَيْهِ وَلَا عَائِلَ لَهُ أَوْ لا يجد مَنْ يَكْفُلُهُ، فَيُلْحِقُهُ بِالدَّارِ.

وَهَكَذَا كَانَتِ النُّوَاةُ الأُولَى لِلدَّارِ.. أَطْفَالٌ يَزِيدُ عَدَدُهُمْ قَلِيلًا عَنِ الْخَمْسِينَ، تَتَرَاوَحُ أَعْمَارُهُمْ بَيْنَ الثَّامِنَةِ وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ.

وَأَشَارَ السِّجِلُّ الفِضِّيُّ لِلدَّارِ أَنَّ الْمَلِكَ عَبْدَ الْعَزِيزِ أَسْكَنَهُ اللهُ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ – كَمَا يَعْلَمُ الْجَمِيعُ – كَانَ سَبَّاقًا إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَدَّ يَدَ الْمُعَوَنَةِ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ وَشَمِلَهَا بِرِعَايَتِهِ السَّامِيَةِ. وَظَلَّ رَحِمَهُ اللهُ يُغْدِقُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ مُنَاسَبَةٍ وَيُوَالِي عَطْفَهُ عَلَيْهَا، حَتَّى أَتَاحَ لَهَا أَنْ تُثْمِرَ خَيْرَ مَا يُرْجَى لِدَارٍ كَهَذِهِ مِنْ ثِمَارٍ قَيِّمَةٍ. وَكَانَ هَذَا دَأْبَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، فَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ خَلِيفَتُهُ حَضْرَةُ صَاحِبِ الْجَلَالَةِ الْمَلِكِ سُعُودٍ ، يُحْبُوهَا بِعَطْفِهِ وَرِعَايَتِهِ الأَبَوِيَّةِ، وَيُسْدِي إِلَيْهَا مُعَوَنَتَهُ الْمَادِّيَّةَ وَالأَدَبِيَّةَ، حَتَّى كَانَ لِهَذِهِ الدَّارِ خَيْرُ عَزَاءٍ لَهَا فِي مُصَابِهَا الْجَلَلِ وَفَقِيدِهَا الْعَظِيمِ. وَكَانَ لِهَذَا أَحْسَنُ الأَثَرِ وَأَبْقَاهُ وَأَقْوَاهُ فِي نُفُوسِ أَبْنَاءِ الدَّارِ وَفِي نَفْسِ كُلِّ مَنْ يُحِبُّ الْخَيْرَ.

وَنَجَحَتِ الْفِكْرَةُ، وَقُوبِلَ إِخْرَاجُهَا إِلَى حَيِّزِ الْوُجُودِ بِصَدًى مَحْمُودٍ فِي نُفُوسِ الْمُوَاطِنِينَ، فَأَخَذُوا يَتَسَابَقُونَ فِي سَبِيلِ إِمْدَادِهَا بِالْعَوْنِ الْمَادِّي، حَتَّى قَوِيَ عُودُهَا وَنَمَا جِذْعُهَا وَاشْتَدَّ جَذْرُهَا، ثُمَّ كَانَ هُنَاكَ مِنَ الْمَالِ مَا يَكْفِي لِبِنَاءِ دَارٍ كَبِيرَةٍ يُنْقَلُ إِلَيْهَا أَبْنَاؤُهَا.

وَبَعْدَ دِرَاسَاتٍ هَنْدَسِيَّةٍ تَمْهِيدِيَّةٍ، أُخِذَ بِأَحْسَنِ مَا قُدِّمَ مِنْ مَخْطَّطَاتٍ، وَفُرِغَ مِنْ بِنَاءِ طَابِقَيْنِ مِنَ الدَّارِ، فَافْتَتَحَهُ بَعْدَ حَجِّ عَامِ 1357هـ الْمَلِكُ عبد العزيز تَغْمَدَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ فِي احْتِفَالٍ جَمِيلٍ جَلِيلٍ، دُعِيَ إِلَيْهِ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ الْبَارِزَةِ مِنْ أَبْنَاءِ الْوَطَنِ وَكِبَارِ الْوَافِدِينَ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ عَامَئِذٍ.

وَازْدَادَ عَدَدُ الطَّلَبَةِ مِنَ الأَيْتَامِ، وَضَاقَتْ بِهِمُ الدَّارُ ذَاتُ الطَّابِقَيْنِ، فَفَكَّرَ الْمُسَئُولُونَ عَنِ الدَّارِ فِي بِنَاءِ طَابِقٍ ثَالِثٍ حَتَّى يُفِيَ بِالْحَاجَةِ الْمُلِحَّةِ وَيُجَابِهُ الضَّغْطَ الْمُتَزَايِدَ عَلَيْهَا، فَكَانَ لَهُمْ مَا أَرَادُوا بِإِذْنِ اللهِ، ثُمَّ بِالْمُسَاعَدَاتِ الْمَالِيَّةِ السَّخِيَّةِ الَّتِي تَبَرَّعَ بِهَا الْمَرْحُومُ الْمَلِكُ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَجَلَالَةُ الْمَلِكِ سُعُودٍ وَكَانَ لَا يَزَالُ وَلِيَّاً لِلْعَهْدِ، وَصَاحِبُ السَّمُوِّ الْمَلَكِيِّ الأَمِيرِ فَيْصَلٍ، وَالأَخْيَارِ مِنْ أَبْنَاءِ هَذَا الشَّعْبِ الَّذِينَ رَزَقَهُمُ اللهُ بَسْطَةً فِي الرِّزْقِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهِمْ مَعَالِي الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ السُّلَيْمَانِ، وَمَعَالِي الشَّيْخِ مُحَمَّدِ سُرُورٍ الصَّبَّانِ، جَزَاهُمُ اللهُ جَمِيعًا عَنِ الدَّارِ خَيْرَ الْجَزَاءِ.

وَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ تَشْكِيلُ هَيْئَةٍ تُشْرِفُ عَلَى هَذِهِ الْمُؤَسَّسَةِ إِدَارِيًّا، وَلَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ وَبَرَزَ إِلَى حَيِّزِ الْوُجُودِ فِي عَامِ 1356هـ.. كَمَا شُكِّلَتْ فِي نَفْسِ الْعَامِ هَيْئَةٌ أُخْرَى سُمِّيَتْ بِالْهَيْئَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ، وَرُوعِيَ أَنْ يَكُونَ قِوَامُ الْهَيْئَتَيْنِ رِجَالًا أَكْفَاءَ مِنْ رِجَالَاتِ الْبَلَدِ، عُرِفُوا بِحُسْنِ السِّيرَةِ وَإِنْكَارِ الذَّاتِ.

وَأُلِّفَتِ الْهَيْئَةُ الإِدَارِيَّةُ أَوَّلَ مَا أُلِّفَتْ فِي عَامِ 1356هـ مِنْ:-

مَهْدِي بَكْ الْمُصْلِحِ – رَئِيسًا

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ سُرُورُ الصَّبَّانِ – عُضُوًا

السَّيِّدُ مُحَمَّدُ شَطَا – عُضُوًا

الْعَقِيدُ عَلِي جَمِيلٌ – عُضُوًا

الاسْتاذُ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَشِي – عُضُوًا

الاسْتاذُ عَبْدُ الْقَادِرِ أَبُو الْخَيْرِ – عُضُوًا

وَقَدْ وَرَدَ بِالسِّجِلِّ الْفِضِّيِّ أَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ قَامَتْ بِمَا عُهِدَ إِلَيْهَا مِنْ عَمَلٍ خَيْرٍ قِيَامًا، وَكَانَتْ فَتْرَتُهَا مِنْ أَصْعَبِ الْفَتَرَاتِ، ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّارَ كَانَتْ فِي طَوْرِ التَّأْسِيسِ، وَالَّذِي يَجِبُ أَنْ نُسَجِّلَهُ هُنَا لِهَذِهِ الْهَيْئَةِ بِمِدَادٍ مِنَ الْفَخْرِ هُوَ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي وَضَعَتْ لِلْمُؤَسَّسَةِ نِظَامَهَا الثَّابِتَ الَّذِي لَا يَزَالُ قَائِمًا حَتَّى الْآنَ.

وَظَلَّتِ الْهَيْئَةُ حَتَّى نِهَايَةِ عَامِ 1366هـ، وَفِي مُطْلَعِ عَامِ 1367هـ شُكِّلَ مَجْلِسٌ إِدَارِيٌّ عَالٍ حَلَّ مَحَلَّ الْهَيْئَةِ الإِدَارِيَّةِ مِنْ حَضَرَاتِ السَّادَةِ:-

الرَّئِيسُ: مَعَالِي الشَّيْخِ مُحَمَّدِ سُرُورِ الصَّبَّانِ.

نَائِبُ الرَّئِيسِ: سَعَادَةُ اللَّوَاءِ عَلِي جَمِيلٍ.

الأَعْضَاءُ: سَعَادَةُ الشَّيْخِ صَالِحِ قَزَّازٍ.

سَعَادَةُ الْمَرْحُومِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بَاحَمَدِينَ.

سَعَادَةُ الْمَرْحُومِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ لُبْنَى.

وَبَقِيَ هَذَا الْمَجْلِسُ الأَعْلَى لِلدَّارِ قَائِمًا حَتَّى عَامِ 1374هـ، حَيْثُ أُعِيدَ تَشْكِيلُهُ مَرَّةً ثَانِيَةً مِنْ حَضَرَاتِ السَّادَةِ:-

الرَّئِيسُ: سَعَادَةُ اللَّوَاءِ عَلِي بَكْ جَمِيلٍ.

الأَعْضَاءُ:

سَعَادَةُ الاسْتاذِ مُحَمَّدِ سَعِيدِ الْعَامُودِيِّ – رَئِيسُ تَحْرِيرِ مَجَلَّةِ الْحَجِّ.

سَعَادَةُ الاسْتاذِ أَحْمَدَ مُحَمَّدِ جَمَالٍ – عُضُوُ مَجْلِسِ الشُّورَى.

سَعَادَةُ الاسْتاذِ فُؤَادَ رِضَا – عُضُوُ مَجْلِسِ الشُّورَى.

سَعَادَةُ الاسْتاذِ مُحَمَّدِ فِدَا – مُدِيرُ مِنْطَقَةِ الطَّائِفِ التَّعْلِيمِيَّةِ.

وَكَانَ هَذَا بِمُوَافَقَةِ حَضْرَةِ صَاحِبِ السَّمُوِّ الْمَلَكِيِّ رَئِيسِ مَجْلِسِ الْوُزَرَاءِ الْمُعَظَّمِ.

وَسُبْحَانَ اللهِ كَيْفَ وَقَفَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ خَلْفَ هَذِهِ الْفِكْرَةِ وَبَدَأُوا دَعْمَهَا، أَمْثَالَ الأَمِيرِ عَبْدِ اللهِ الْفَيْصَلِ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ السُّلَيْمَانِ وَزِيرِ الْمَالِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ سُرُورٍ الصَّبَّانِ وَكَانَ وَزِيرًا لِلْمَالِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَفِي عَامِ 1355هـ شُكِّلَتْ هَيْئَةُ التَّعْلِيمِ، وَأُسْنِدَتْ إِدَارَةُ الدَّارِ إِلَى الشَّيْخِ جَمَالِ كَتوعَةَ رَحِمَهُ اللهُ، تُسَاعِدُهُ نُخْبَةٌ مُمْتَازَةٌ مِمَّنْ لَهُمْ خِبْرَةٌ فِي التَّدْرِيسِ. ثُمَّ تَعَاقَبَ عَلَى إِدَارَةِ الدَّارِ كُلٌّ مِنْ:

الاسْتاذِ عُمَرَ رَفِيعٍ.

الاسْتاذِ عَبْدِ اللهِ خُوجَةَ.

الاسْتاذِ عُمَرَ عَبْدِ الْجَبَّارِ.

الاسْتاذِ عَبْدِ الْقَادِرِ أَبِي الْخَيْرِ.

الاسْتاذِ طَلْعَتِ عَلِي جَمِيلٍ.

الاسْتاذِ مَحْمُودِ قَارِي.

أَمَّا الَّذِينَ تَوَلَّوْا إِدَارَةَ التَّعْلِيمِ وَأَسْهَمُوا فِي رَفْعِ مُسْتَوَاهُ، فَهُمُ السَّادَةُ:-

الاسْتاذُ مُحَمَّدُ عَلِي قُطْبٍ.

الاسْتاذُ عَلِي عَوَضٍ.

الاسْتاذُ عَبْدُ الْفَتَّاحِ خِيَاطٍ.

الاسْتاذُ عَبْدُ الْمَالِكِ الطَّرَابُلْسِيِّ.

الاسْتاذُ عَبْدُ اللهِ فِدَا رَحِمَهُ اللهُ.

الاسْتاذُ زُبَيْرُ رِفَاعِيٍ.

وَكَانَ مُوَظَّفُو الدَّارِ يَتَكَوَّنُونَ مِنْ:-

قِسْمِ الْمُحَاسَبَةِ:

1. رَئِيسُ الْمُحَاسَبَةِ الْعَامَّةِ: الاسْتاذُ عَبْدُ الْقَادِرِ أَبُو الْخَيْرِ.

2. أَمِينُ الصُّنْدُوقِ: السَّيِّدُ مُحَمَّدُ الْعَلَمِيِّ.

3. كَاتِبُ الْمُحَاسَبَةِ بِالْوِكَالَةِ: السَّيِّدُ صَالِحُ صُخَيْرِي.

الإِدَارَةِ:

1. الْمُدِيرُ: الاسْتاذُ مَحْمُودُ قَارِي.

2. الْمُعَاوِنُ: الاسْتاذُ صَالِحُ صُخَيْرِي.

3. كَاتِبٌ: الاسْتاذُ صِدِّيقُ سِنْدِي.

قِسْمِ الْمُسْتَوْدَعِ:

1. الْمَأْمُورُ: الاسْتاذُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ سِنْدِي.

2. الْكَاتِبُ: الاسْتاذُ عَلِي بَاشَمَاخ.

3. مَأْمُورُ الْمُشْتَرَيَاتِ: الاسْتاذُ مُحَمَّدُ عَبْدِ اللهِ خَمِيسٍ.

قِسْمِ الدِّرَاسَةِ:

الْمُدَرِّسُونَ:

1. مُدِيرُ الدِّرَاسَةِ: الاسْتاذُ زُبَيْرُ الرِّفَاعِي.

2. مُدَرِّسٌ: الاسْتاذُ خَالِدُ عَبْدِهِ.

3. مُدَرِّسٌ: الاسْتاذُ مُحَمَّدُ مُوسَى.

4. مُدَرِّسٌ: الاسْتاذُ حُسَيْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ.

5. مُدَرِّسٌ: الاسْتاذُ مُحَمَّدُ مُحْيِي الدِّينِ.

6. مُدَرِّسٌ: الاسْتاذُ بَاشَا نَاجِي.

7. مُدَرِّسٌ: الاسْتاذُ مُحَمَّدُ عَطِيَّةَ الْفَرَا.

8. مُدَرِّسُ الرِّيَاضَةِ: الاسْتاذُ السَّيِّدُ عَلِي طَلَبَةَ.

9. مُدَرِّسُ الآلَاتِ النَّاسِخَةِ: مُحَمَّدُ عَبْدِ اللهِ خَمِيسٍ.

قِسْمِ الْمُرَاقَبَةِ:

1. مُرَاقِبُ الأَعْمَالِ الْعَامَّةِ: الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ حَامِدٍ.

2. الْمُسَاعِدُ: الشَّيْخُ عَلِي هِزَاعٍ.

وَفِي الدَّارِ عَشَرَةُ مُرَاقِبِينَ دَوْرِيِّينَ يَتَنَاوَبُونَ الْمُرَاقَبَةَ لَيْلًا وَنَهَارًا.

قِسْمِ الطَّهْوِ:

1. الطَّاهِي: صِدِّيقُ أَحْمَدَ مَغْرِبِيٍّ.

2. الْمُعَاوِنُ: عَبْدُ الْكَرِيمِ شَرَفِ الدِّينِ.

3. مُرَاقِبُ الطَّهْوِ: عَبْدُ الْقَادِرِ عَبْدِ اللهِ.

قِسْمِ الْغَسِيلِ وَالْكِيِّ:

غَسَّالٌ وَكَوَّاءٌ: إِسْمَاعِيلُ حَافِظٍ.

غَسَّالٌ وَكَوَّاءٌ: سُلَيْمَانُ نَوْفَلٍ.

وَهُنَاكَ سَبْعَةُ مُوَظَّفِينَ آخَرِينَ يَقُومُونَ بِالنَّظَافَةِ وَالْفِرَاشَةِ وَالصِّيَانَةِ.

وَقَدْ أَشَارَ السِّجِلُّ الْفِضِّيُّ لِلدَّارِ أَنَّ الْمَنْهَجَ الدِّرَاسِيَّ لِلْمُؤَسَّسَةِ قَدْ وُضِعَ عَلَى أَسَاسٍ يُتَّفَقُ وَمَنْهَجَ وَزَارَةِ الْمَعَارِفِ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ تَمْكِينُ الطَّلَبَةِ الَّذِينَ يَتَخَرَّجُونَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ مِنَ الْجُلُوسِ مَعَ زُمَلَائِهِمْ خِرِّيجِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الْمَدَارِسِ الْحُكُومِيَّةِ فِي الامْتِحَانَاتِ. وَيَحْسُنُ بِنَا أَنْ نُوَضِّحَ أَنَّ الْمَوَادَّ الَّتِي تُدَرَّسُ فِي الدَّارِ هِيَ:-

الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.

التَّجْوِيدُ.

الْفِقْهُ.

التَّوْحِيدُ.

الْحَدِيثُ.

الْمَحْفُوظَاتُ.

الإِنْشَاءُ.

التَّارِيخُ.

الْحِسَابُ.

الْخَطُّ.

الإِمْلَاءُ.

الْجُغْرَافِيَا.

الْقَوَاعِدُ وَتَشْمَلُ النَّحْوَ وَالصَّرْفَ.

الْهَنْدَسَةُ.

الرِّيَاضَةُ الْبَدَنِيَّةُ.

وَتَخَرَّجَ مِنَ الْمَدْرَسَةِ عَشَرَاتُ الطُّلَّابِ، وَأَخَذُوا يُسَاهِمُونَ فِي نَهْضَةِ هَذَا الْوَطَنِ، وَكَتَبَ عَنْهُمُ الاسْتاذُ أَحْمَدُ إِبْرَاهِيمَ الْغَزَّاوِيُّ مُسَاعِدُ جَلَالَةِ الْمَلِكِ وَنَائِبُ رَئِيسِ مَجْلِسِ الشُّورَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَقَالَ: [¹]

“إِنَّ الْيَتِيمَ مَكْفُولٌ بِرِعَايَةِ اللهِ وَعَوْنِهِ وَعِنَايَتِهِ – وَهَذَا أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَسَيِّدُ أَبْنَاءِ آدَمَ وَحَوَّاءَ (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ. وَهُوَ مِنْ عُلُوِّ مَكَانَتِهِ وَرَفْعَةِ شَأْنِهِ (رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إِنَّمَا نَشَأَ (يَتِيمًا) وَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ بِالاصْطِفَاءِ.. قَالَ تَعَالَى: “أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى” فَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ أُمَّتِهِ آوَاهُ اللهُ وَهَدَاهُ وَأَغْنَاهُ.. وَمَا كَانَ الْيَتِيمُ إِلَّا بُوتَقَةً يَنْصَهَرُ فِيهَا الرِّجَالُ الأَفْذَاذُ.. وَيَتَمَيَّزُ مِنْهُمُ الْمُتَفَوِّقُونَ فِي كُلِّ مَيْدَانٍ.. وَالْمُجِلُّونَ عِنْدَ كُلِّ سِبَاقٍ.

وَبَعْدُ: فَإِنِّي لَأَجِدُ نَفْسِي تُحَفِّزُنِي إِلَى الاعْتِرَافِ بِالْفَضْلِ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ وَفَّقَهُمُ اللهُ لِهَذَا الْعَمَلِ الطَّيِّبِ الْمُفِيدِ.. وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ.. وَقَرَّ عُيُونَهُمْ بِمَا بَذَلُوا فِيهِ جُهُودَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَسَهَرُوا عَلَيْهِ اللَّيَالِيَ الطِّوَالَ وَاحْتَمَلُوا بِسَبَبِهِ شَتَّى الْمَتَاعِبِ.. وَعَوَّضَ اللهُ صَبْرَهُمْ.. وَضَاعَفَ أَجْرَهُمْ.. فَجَمَعَ اللهُ لَهُمْ بِذَلِكَ بَيْنَ الثَّوَابِ الْمُضَاعَفِ.. وَالانْتِاجِ الْمُبَارَكِ.. وَالشُّكْرِ الْمُخَلَّدِ مِنْ كُلِّ مَنْ لَا يُبْخِسُ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ. وَعَلَى رَأْسِهِمْ وَفِي طَلِيعَتِهِمْ جَلَالَةُ الْمَلِكِ الرَّاحِلِ طَيِّبِ الذِّكْرِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَخَلِيفَتُهُ الْبَارُّ جَلَالَةُ الْمَلِكِ سُعُودٍ الْمُفَدَّى، وَحَضْرَةُ صَاحِبِ السَّمُوِّ الْمَلَكِيِّ وَلِيِّ الْعَهْدِ الْمَحْبُوبِ.

إِنَّ تَارِيخَ إِنْشَاءِ هَذِهِ الدَّارِ.. وَبِنَائِهَا.. وَتَطَوُّرِهَا وَتَقَدُّمِهَا مِنْ شَأْنِ الْقَائِمِينَ عَلَيْهَا معروضا فِي مُخْتَلِفِ أَدْوَارِهِ فِي هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ الْكَرِيمَةِ. لِيَعْلَمِ الشَّعْبُ قَاطِبَةً الْمَدَى الَّذِي بَلَغَتْهُ خِلَالَ هَذِهِ الْحِقْبَةِ الْقَصِيرَةِ مِنَ الزَّمَنِ بِفَضْلِ مَا تُوُفِّرَ لَهَا مِنْ رِعَايَةٍ وَعِنَايَةٍ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ كِبَارِ الْمُسَئُولِينَ الْغَيُورِينَ الَّذِينَ كَرَّسُوا لَهَا مِنْ أَوْقَاتِهِمْ وَضَحَّوْا مِنْ رَاحَتِهِمْ وَابْتَغَوْا بِذَلِكَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَجْهَ اللهِ الَّذِي لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا: وَمِنَ الْحَقِّ عَلَى كُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُحْرِصَ عَلَى تَعْضِيدِ وَتَشْجِيعِ هَذِهِ الْمُؤَسَّسَةِ الْكَرِيمَةِ مَا وَسِعَهُ الْجُهْدُ وَأَمْكَنَتْهُ الْمُسَاعَدَةُ.

وَإِنِّي كَمُوَاطِنٍ – لَأَزِفُ التَّهَانِيَ الْخَالِصَةَ إِلَى كُلِّ مَنْ يَهُمُّهُ أَمْرُهَا وَيُسَرُّهُ تَقَدُّمُهَا بِمَا أَتَمَّهُ اللهُ بَيْنَ صُفُوفِهَا مِنْ إِعْدَادٍ وَاسْتِعْدَادٍ.. وَمَا تُلَقِنُهُ فِيهَا أَبْنَاؤُهَا مِنْ عُلُومٍ وَفُنُونٍ.. وَمَا تَحَلَّوْا بِهِ مِنْ أَخْلَاقٍ كَرِيمَةٍ وَصِفَاتٍ مُسْتَقِيمَةٍ وَبِمَا بَرْهَنُوا عَلَيْهِ مِنْ كَفَاءَاتٍ وَمُؤَهِّلَاتٍ تَمْتَازُ بِالرُّجُولَةِ وَالْبُطُولَةِ فِي كُلِّ عَمَلٍ زَاوَلَهُ الْخِرِّيجُونَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الْعَظِيمَةِ.

وَأَدْعُو اللهَ مُخْلِصًا أَنْ يُبَارِكَ فِي مَسَاعِيهِمْ وَأَنْ يَتَوَلَّى حُسْنَ جَزَائِهِمْ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُسَمِّيَ أَحَدًا رَغْبَةً فِي الإِبْقَاءِ عَلَى الْعَمَلِ الْبَارِّ الصَّالِحِ بَعِيدًا عَنِ الشَّوَائِبِ الْخَاصَّةِ، فَإِنَّ اللهَ الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ لَكَفِيلٌ بِمَثُوبَةِ وَإِعَانَةِ كُلِّ مُصْلِحٍ.. وَكُلِّ مُحْسِنٍ.. وَكُلِّ مُشَجِّعٍ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى. سَوَاءٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ مَثِيلَاتِهَا الَّتِي عُمِّمَتْ بِشَتَّى أَنْحَاءِ البلاد “.

كَمَا كَتَبَ عَنْهُمُ الاسْتاذُ عَبْدُ الْقُدُّوسِ الأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ مَجَلَّةِ الْمَنْهَلِ الْغَرَاءِ، فَقَالَ: [²]

“وَدَارُ الأَيْتَامِ الْخَيْرِيَّةُ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ أَذْكُرُ ارْهاصَاتِ إِنْشَائِهَا، وَأَتَذَكَّرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْوَطَنِيَّ الْمُخْلِصَ الَّذِي قَامَ مُبَاشَرَةً بِتَرَاتِيبِ إِنْشَائِهَا، وَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَعْبَاءِ تَنْظِيمِهَا وَتَوْسِعَتِهَا ، وَقَامَ فِي هِمَّةٍ لَا تَعْرِفُ الْكَلَلَ بِتَرْقِيَةِ مُسْتَوَاهَا حَتَّى أَخْرَجَتْ عَشَرَاتِ الْمُثَقَّفِينَ وَعَشَرَاتٍ مِنْ ضُبَّاطِ الأَمْنِ الَّذِينَ أَسْهَمُوا فِي رَفْعِ رَايَةِ الْوَطَنِ بِالْمُسَاهَمَةِ فِي أَعْمَالِ تَدْعِيمِ دَعَائِمِ الأَمْنِ وَالاسْتِقْرَارِ فِي أَرْجَاءِ الْمَمْلَكَةِ.. أَعْرِفُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْعَامِلَ الدَّءُوبَ الَّذِي كَانَ وَمَا زَالَ إِحْدَى دَعَائِمِ نَهْضَةِ الْوَطَنِ السُّعُودِيِّ فِي شَتَّى الْمَجَالَاتِ بِمَا عُرِفَ عَنْ نَشَاطِهِ، وَبِمَا عُرِفَ عَنْ وَطَنِيَّتِهِ، وَبِمَا عُرِفَ عَنْ إِخْلَاصِهِ، وَبِمَا عُرِفَ عَنْ حِرْصِهِ عَلَى تَقَدُّمِ مَرَافِقِ الْبِلَادِ، وَمُسَاهَمَتِهِ فِي كُلِّ تَقَدُّمٍ يُرَادُ.

ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُخْلِصُ الْعَامِلُ الَّذِي أَسَّسَ فِعْلًا دَارَ الأَيْتَامِ وَرَعَاهَا، ضَابِطًا كَبِيرًا فِي الأَمْنِ الْعَامِّ، ثُمَّ مُدِيرًا عَامًّا لِلأَمْنِ الْعَامِّ، ثُمَّ عُضُوًا مُحْتَرَمًا فِي مَجْلِسِ الشُّورَى، ثُمَّ رَئِيسًا لِدِيْوَانِ التَّشْرِيفَاتِ الْمَلَكِيَّةِ.. إِنَّهُ سَعَادَةُ اللَّوَاءِ عَلِي جَمِيلٍ.

رَحِمَ اللهُ الرِّجَالَ الَّذِينَ سَاهَمُوا فِي إِنْشَاءِ وَرِعَايَةِ هَذِهِ الدَّارِ، وَجَزَاهُمُ اللهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ عَلَى كُلِّ جُهْدٍ قَامُوا بِهِ. وَأُحَيِّي أَسَاتِذَتَهَا وَمُدِيرِيهَا وَمُوَظَّفِيهَا، وَأُحَيِّي مَعَهُمْ مَجْلِسَ إِدَارَاتِهَا، وَكُلَّ مَنْ شَارَكَ فِي أَدَاءِ مِهَمَّتِهَا بِالْمَالِ أَوْ بِغَيْرِ الْمَالِ.. وَأَذْكُرُ فِيمَنْ أَذْكُرُ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ ذَلِكَ الْمُوَاطِنَ الْعَامِلَ الاسْتاذَ عَبْدَ الْقَادِرِ أَبَا الْخَيْرِ، الَّذِي عَايَشَ الدَّارَ وَثَبَتَ فِي إِدَارَةِ أَعْمَالِهَا وَتَسْيِيرِ دَفْتَهَا بِتَوْجِيهَاتِ سَعَادَةِ اللَّوَاءِ عَلِي جَمِيلٍ وَبِإِشْرَافِهِ وَبِتَقْدِيرِهِ أَمَدًا مَدِيدًا، بَرَغْمَ مَا يَتَحَمَّلُهُ مِنْ مَتَاعِبَ وَمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ أَعْمَالٍ، وَإِنَّنَا نَرْجُو لِلدَّارِ الازْدِهَارَ وَنَرْجُو أَنْ تَسْتَمِرَّ حَتَّى تُحْتَفَى وَنَحْتَفِيَ مَعَهَا بِيُوبِيلِهَا الذَّهَبِيِّ.. إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ “.

كَمَا كَتَبَ عَنْهَا الاسْتاذُ مُحَمَّدُ سَعِيدِ الْعَامُودِيُّ، مُدِيرُ مَجَلَّةِ الْحَجِّ وَنَائِبُ رَئِيسِ الْمَجْلِسِ الإِدَارِيِّ الأَعْلَى لِدَارِ الأَيْتَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَالَ: [³]

“كَانَتْ دَارُ الأَيْتَامِ الْخَيْرِيَّةُ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ أَوَّلَ دَارٍ أُقِيمَتْ بِهَذِهِ الْمَمْلَكَةِ – بَعْدَ دَارِ أَيْتَامِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ – إِذْ تَمَّ إِنْشَاؤُهَا فِي عَامِ (1355هـ) وَحَازَتْ مِنْ عَطْفِ جَلَالَةِ الْمُغْفُورِ لَهُ الْمَلِكِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ سُعُودٍ وَمَا ظَلَّ يُسْدِيهِ إِلَيْهَا مِنْ مَزِيدِ عِنَايَتِهِ بِهَا، مَا أَتَاحَ لَهَا الثَّبَاتَ وَالاسْتِقْرَارَ.

وَنَفْسُ الْعَطْفِ، وَنَفْسُ الْعِنَايَةِ، مَا زَالَتْ تَحْظَى بِهِمَا هَذِهِ الدَّارُ مِنْ جَلَالَةِ الْمَلِكِ سُعُودٍ الْمُعَظَّمِ. وَوَلِيِّ عَهْدِهِ الْمَحْبُوبِ سَمُوِّ الأَمِيرِ فَيْصَلٍ رَئِيسِ مَجْلِسِ الْوُزَرَاءِ. كَمَا لَاقَتْ مِنْ تَشْجِيعِ الْخَيْرِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ مَا جَعَلَ أَثَرَهَا يَنْمُو وَيَزْدَادُ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ وَالأَيَّامِ.

وَلِلرَّجُلِ الطَّيِّبِ الذِّكْرِ الْمَرْحُومِ (مَهْدِي الْمُصْلِحِ) رَئِيسِهَا السَّابِقِ فَضْلٌ كَبِيرٌ فِي تَأْسِيسِ هَذِهِ الدَّارِ وَالْعَمَلِ عَلَى تَقْوِيَتِهَا وَتَدْعِيمِهَا، وَلِرَفِيقِهِ فِي هَذَا الْعَمَلِ الطَّيِّبِ الْمُبَرُورِ سِيَادَةِ اللَّوَاءِ عَلِي جَمِيلٍ – رَئِيسِهَا حَالِيَّا – جُهُودٌ مُبَارَكَةٌ مَلْمُوسَةٌ فِي هَذَا الْمَضْمَارِ يَعْرِفُهَا لَهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ. وَمَا يَزَالُ اللَّوَاءُ عَلِي جَمِيلٍ يُوْلِيهَا مِنْ هَذِهِ الْجُهُودِ الْعَظِيمَةِ مَا هُوَ خَلِيقٌ أَنْ يَزِيدَ مِنْ إِمْكَانِيَّاتِهَا وَيَجْعَلَهَا أَوْسَعَ مَجَالًا، وَأَبْعَدَ أَثَرًا حَالِيَّا وَمُسْتَقْبَلًا بِإِذْنِ اللهِ.

وَلَقَدْ قَامَتِ الدَّارُ مُنْذُ الْعَامِ الأَوَّلِ لِإِنْشَائِهَا حَتَّى الْيَوْمِ بِمَهْمَّتِهَا عَلَى خَيْرِ وَجْهٍ، وَأَصْبَحَ الْمُتَخَرِّجُونَ مِنْهَا فِي مُقَدِّمَةِ أَبْنَاءِ الْبِلَادِ الْعَامِلِينَ.. مِمَّنْ يُفْخَرُ وَيُعْتَزُّ بِهِمُ الْجَمِيعُ.

وَالتَّعْلِيمُ فِي هَذِهِ الدَّارِ يَسِيرُ وَفْقًا لِمَنَاهِجِ وَزَارَةِ الْمَعَارِفِ فِي الْمَرْحَلَةِ الابْتِدَائِيَّةِ، وَمِمَّا يَدْعُو إِلَى الاغْتِبَاطِ أَنَّ جَمِيعَ تَقَارِيرِ الْمُخْتَصِّينَ أَثْبَتَتْ أَنَّ مُسْتَوَى طُلَّابِهَا جَيِّدٌ، وَهُوَ أَمْرٌ يَسْتَحِقُّ بِلَا شَكٍّ التَّسْجِيلَ وَالتَّنْوِيهَ.

وَبَعْدُ: فَلَا يَسَعُنِي فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ إِلَّا أَنْ أَدْعُوَ اللهَ مِنَ الأعْمَاقِ أَنْ يَزِيدَ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَمِنْ عَوْنِهِ لِلْقَائِمِينَ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ – وَأَنْ يُجْزِيَ خَيْرًا – كُلَّ مَنْ أَسْدَى إِلَيْهَا خَيْرًا، وَكُلُّ مَا يَأْمَلُهُ الْمُخْلِصُونَ وَيَرْجُونَهُ لَهَا أَنْ تَقْوَى إِمْكَانِيَّاتُهَا الْمَادِّيَّةُ شَيْئًا فَشَيْئًا، لِتَسْتَطِيعَ أَنْ تُؤَدِّيَ مَهْمَّتَهَا الإِنْسَانِيَّةَ وَالْوَطَنِيَّةَ فِي أَوسْعِ نِطَاقٍ وَإِلَى أَقْصَى الْحُدُودِ “.

كَمَا كَتَبَ عَنْهُمُ الاسْتاذُ مُحَمَّدُ فِدَا، عُضُوُ الْمَجْلِسِ الأَعْلَى لِلدَّارِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَالَ: [⁴]

“مَاذَا أَقُولُ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي أَخَذَتْ عَلَى عَاتِقِهَا تَحْقِيقَ مَبْدَأٍ مِنْ أَسْمَى الْمَبَادِئِ الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي رَفَدَتْنَا بِهَا رِسَالَةُ السَّمَاءِ.

مَاذَا أَقُولُ وَقَدْ تَحَدَّثَ الْمُبَرِّزُونَ عَنْ هَذِهِ الْغَرْسَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي أَتَمَّتْ وَتَرَعْرَعَتْ وَزَكَتْ وَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ، وَمَدَّتْ ظِلَالَهَا الْوَارِفَةَ لِتُقِيَ الْيَتِيمَ لَفْحَ حَيَاتِهِ، وَتَكُوِّنَ مِنْهُ رَجُلًا يُعَوِّضُ يَتَمَّهُ بِالتَّفَوُّقِ.

إِنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَا زَالَتْ كَمَا أَرَادَ لَهَا مُؤَسِّسُهَا الْفَذُّ (مَهْدِي بَكْ الْمُصْلِحِ) أن تَقُومُ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ الإِنْسَانِيَّةِ النَّبِيلَةِ، وَمَا زَالَ الْمُشْرِفُونَ عَلَيْهَا وَفِي مُقَدِّمَتِهِمْ صَاحِبُ السَّعَادَةِ اللَّوَاءُ عَلِي بَكْ جَمِيلٍ يَسْعَوْنَ مَا وَسِعَهُمُ الْجُهْدُ لِيُقَدِّمُوا لِلْوَطَنِ وَالْأُمَّةِ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَيْتَامِ شَبَابًا صَالِحًا يَعْرِفُ مَعْنَى الْوَاجِبِ عَلَيْهِ نَحْوَ دِينِهِ وَوَطَنِهِ.

وَتَعَالَ مَعِي أَيُّهَا الْمُوَاطِنُ الْكَرِيمُ فِي جَوْلَةٍ قَصِيرَةٍ بَيْنَ الْمَصَالِحِ الْحُكُومِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ، لِنَرَى مَعًا خِرِّيجِي هَذِهِ الدَّارِ وَهُمْ يَعْمَلُونَ فِي مُخْتَلِفِ أَقْسَامِهَا بِأَمَانَةٍ وَإِخْلَاصٍ لَا ييتوانون وَلَا يَتَخَاذَلُونَ.

وَيَكْفِي هَذِهِ الدَّارَ فَخْرًا أَنَّهَا ظَلَّتْ خِلَالَ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ عَامًا الْمَنْصَرِمَةِ شَامِخَةً كَالطُّودِ تَتَكَسَّرُ الأَمْوَاجُ عَلَى أَثْبَاجِهَا، وَهِيَ كَالْمَنَارِ تَبْعَثُ النُّورَ هَادِيًا.

أَمَّا وَقَدْ قُمْتُ بِأَدَاءِ بَعْضِ الْوَاجِبِ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ إِدَارَةِ هَذِهِ الدَّارِ طِوَالَ عَامَيْنِ، فَإِنَّنِي أُودُّ مُخْلِصًا أَنْ تَزْدَادَ أَعْوَامُ الدِّرَاسَةِ فِيهَا فَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى الدِّرَاسَةِ الابْتِدَائِيَّةِ، بَلْ يُعْمَلُ الْمُسَئُولُونَ فِيهَا عَلَى إِيجَادِ أَقْسَامٍ تُدَرَّسُ فِيهَا بَعْضُ الصِّنَاعَاتِ الْخَفِيفَةِ، فَمَا أَحْوَجَ بِلَادَنَا إِلَى مِثْلِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الصِّنَاعَاتِ، وَبِذَلِكَ يَجِدُ هَؤُلَاءِ الأَيْتَامُ مَجَالًا مُتَّسِعًا تَبْرُزُ فِيهِ مَوَاهِبُهُمُ الَّتِي قَدْ يَغْمُرُهَا الْقُبُوعُ خَلْفَ الْمَكَاتِبِ فِي أَعْمَالٍ رُوتِينِيَّةٍ مَا أَغْنانَا عَنْهَا وَنَحْنُ فِي عَصْرٍ تُفَاخِرُ فِيهِ الدُّوَلُ بِصِنَاعَاتِهَا وَرُقِيِّهَا، وَبِذَلِكَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقْطَعَ شَوْطًا كَبِيرًا فِي التَّقَدُّمِ الصِّنَاعِيِّ وَالْمِهْنِيِّ، وَأَوَّلُ الْغَيْثِ قَطْرٌ ثُمَّ يَنْهَمِرُ. “

وَقَدْ قَامَ بِالتَّدْرِيسِ فِي هَذِهِ الدَّارِ الاسْتاذُ أَحْمَدُ عَبْدِ الْغَفُورِ عَطَّارُ، صَاحِبُ وَرَئِيسُ تَحْرِيرِ جَرِيدَةِ عَكَاظَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَتَبَ عَنْهَا فَقَالَ: [⁵]

“مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَكْثَرَ كُنْتُ مُدَرِّسًا فِي دَارِ الأَيْتَامِ، عَلَاوَةً عَلَى وَظِيفَتِي بِإِدَارَةِ الأَمْنِ الْعَامِّ، وَكَانَ الدَّرْسُ الَّذِي أُلْقِيهِ عَلَى الطَّلَبَةِ دَرْسًا غَرِيبًا انْقَطَعَ بِانْقِطَاعِي عَنْهُ، وَلَمْ أَقُمْ بِهِ إِلَّا شَهْرَيْنِ ثُمَّ تَرَكْتُهُ، لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي كَانَ يَشْغَلُهُ هَذَا الدَّرْسُ هُوَ نِصْفُ سَاعَةٍ تَبْدَأُ مِنَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ وَالنِّصْفِ حَتَّى الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ. أَمَّا الدَّرْسُ نَفْسُهُ فَهُوَ “ثَقَافَةٌ عَامَّةٌ” قِصَصٌ أَوْ حَوَادِثُ أَوْ فُكَاهَةٌ أَوْ أَيُّ شَيْءٍ يَحْضُرُنِي.

وَكَانَ الطَّلَبَةُ كَثِيرِي الشَّقَاءِ وَالْفَوْضَى كَعَادَةِ الطَّلَبَةِ جَمِيعًا، وَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أُلْقِيَ دَرْسِي عَلَى كُلِّ طَلَبَةِ دَارِ الأَيْتَامِ – وَعَدَدُهُمْ مِائَةٌ وَسِتُّونَ – وَمَا كَادُوا يَجْتَمِعُونَ حَتَّى عَلَا ضَجِيجُهُمْ وَكَثُرَ صَخَبُهُمْ، فَلَمْ أَمْنَعْهُمْ وَلَمْ أَطْلُبْ إِلَيْهِمُ الصَّمْتَ وَالْهُدُوءَ، بَلْ دَخَلْتُ إِلَى الْغُرْفَةِ الْكَبِيرَةِ الْوَاسِعَةِ وَجَلَسْتُ عَلَى كُرْسِيٍّ كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى مِنْبَرٍ، وَفِي حَيَاءٍ وَخَوْفٍ حَيَّيْتُهُمْ جَمِيعًا فَرَدُّوا التَّحِيَّةَ بِصَوْتٍ عَالٍ يُصِمُّ الآذَانَ. ثُمَّ سَكَتُوا لَحَظَاتٍ يُرِيدُونَ أَنْ يَقِفُوا عَلَى جَدِيدٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الْمُدَرِّسِ الَّذِي لَا يُكَلِّفُهُمْ دَرْسُهُ مُذَاكَرَةً وَكِتَابَةً وَسَهَرًا أَوْ حِفْظًا، وَقُلْتُ: وَحِّدُوا اللهَ، فَقَالُوا جَمِيعًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. فَقُلْتُ: عَلَى مَنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ وَخَطِيئَةٌ يَقُولُ: اسْتَغْفِرُ اللهَ. فَقَالُوا: اسْتَغْفِرُ اللهَ، وَقُلْتُ: كَانَ يَا مَا كَانَ، وَلَا يَطِيبُ الْحَدِيثُ وَالْكَلَامُ إِلَّا بِذِكْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالُوا جَمِيعًا بِصَوْتٍ كَالرَّعْدِ: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَبَدَأْتُ أَقُصُّ عَلَيْهِمْ قِصَّةً رَائِعَةً،

وَنَظَرْتُ إِلَى سَاعَتِي فَوَجَدْتُ الزَّمَنَ قَدْ قَارَبَ عَلَى الانْتِهَاءِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا بُضْعُ دَقَائِقَ فَوَقَفْتُ وَقُلْتُ لَهُمْ: وَاكْتَفِيَ الْآنَ بِمَا حَكَيْتُ لَكُمْ، وَفِي غَدٍ إِنْ شَاءَ اللهُ سَأُكْمِلُ لَكُمُ الْقِصَّةَ، وَالْتَفَّ بِي الطَّلَبَةُ يَرْجُونَنِي أَنْ أُكْمِلَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّنِي لَا أَزِيدُ عَلَى الْوَقْتِ الْمُقَرَّرِ، وَإِذَا جِئْتُ غَدًا سَأَبْدَأُ حَدِيثِي فَمَنْ أَصْغَى سَمِعَ، وَإِلَّا فَلَا أُعِيدُ مَا أَقُولُ.

وَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي الدَّرْسِ ذُهِلَ مُدِيرُ الدَّارِ – وَكَانَ الرَّجُلُ الْفَاضِلُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ أَبَا الْخَيْرِ – لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ضَوْضَاءَ وَلَا هَمْسًا، وَظَنَّ أَنَّ الطَّلَبَةَ خَرَجُوا، وَأَقْبَلَ عَلَى الْغُرْفَةِ الْكَبِيرَةِ فَإِذَا الطَّلَبَةُ وَكَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرَ، وَكُلُّهُمْ مُصِغٍ شَدِيدُ الإِصْغَاءِ.

وَكَانَ هَذَا الدَّرْسُ أَحَبَّ الدُّرُوسِ إِلَى الطَّلَبَةِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ الْمُدَرِّسِينَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَأَنَا لَا أَشْتُمُ وَلَا أَضْرِبُ وَلَا أُوَبِّخُ، وَدَرْسِي خَفِيفُ الظِّلِّ مَقْبُولٌ، فَهُوَ لَا سَهَرًا وَمُذَاكَرَةً، وَلَا يُلْقَى عَلَيْهِمْ كَفَرْضٍ مِنَ الْفُرُوضِ، وَلَا امْتِحَانَ فِيهِ، وَلِهَذَا كَانُوا يُحِبُّونَهُ وَيَعُونَهُ وَيَنْتَظِرُونَهُ.

وَكُلُّ دَرْسٍ يُلْقَى عَلَى الطَّالِبِ كَفَرْضٍ يَفْقَدُ أَثَرَهُ التَّهْذِيبِيَّ فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ إِنْ وَعَاهُ فَإِنَّمَا يَعِيهِ مِنْ أَجْلِ الامْتِحَانِ، وَمَتَى انْتَهَى زَالَ أَثَرُهُ، أَمَّا إِذَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ وَأُعْطِيَ الْحُرِّيَّةَ وَلَمْ يُكَلَّفْ بِوَعْيِهِ فَإِنَّهُ يَعِيهِ.

وَكَانَ دَرْسًا شَائِقًا، وَكُنْتُ أَسْتَجِيبُ لَهُ، وَلَكِنِّي لَمْ أَسْتَمِرَّ فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ وَقْتَ رَاحَتِي وَنُزْهَتِي وَأَنَا كَارِهٌ عَلَى فِرَاقِ هَؤُلَاءِ الأَبْنَاءِ الْكِرَامِ، وَكَانَ رَاتِبِي ثَلَاثِينَ رِيَالًا فِي الشَّهْرِ.

وَمَا أَزَالُ أَذْكُرُ مِنْ طُلَّابِي بِدَارِ الأَيْتَامِ هَاشِمَ عَبْدِ الْمَوْلَى، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ أُولِيَا، وَسَعِيدَ كُرْدِيَّ، وَكُلُّهُمْ – وَالْحَمْدُ لِلَّهِ – أَصْبَحَ رَجُلًا مَرْمُوقًا، نَافِعًا فِي مُجْتَمَعِهِ، يَذْكُرُونَنِي فَضْلًا، وَأَذْكُرُهُمْ حُبًّا، وَمَا لِي غَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ طُلَّابٍ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ طُلَّابٌ قَرَءُوا مَا كَتَبْتُ وَلَكِنِّي لَا أَعْرِفُ أَكْثَرَهُمْ. وأنا أَذْكُرُهُمْ بِخَيْرٍ كَمَا يَذْكُرُونَنِي، وَأَشْعُرُ بِسَعَادَةٍ كُلَّمَا ذَكَرْتُهُمْ أَوْ قَابَلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَإِنَّهُمْ لَكِرَامٌ، وتَمَنَّيْتُ لَوْ كَانَ لِي آلَافٌ وَآلَافٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَبْنَاءِ الطَّيِّبِينَ.

لَيْتَنِي أَعُودُ مُدَرِّسًا!!

أَمَّا دَارُ الأَيْتَامِ فَقَدْ بَارَكَ اللهُ فِيهَا وَسَدَّدَ خَطَاهَا، فَالْقَائِمُونَ عَلَيْهَا جَمِيعًا أَخْلَصُوا فَوَهَبَ اللهُ لَهُمُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَوَانِهَا، وَإِنَّهُمْ نَمَاذِجُ إِنْسَانِيَّةٌ فَاضِلَةٌ، وَإِنَّهُمْ لَجَدِيرُونَ بِتَكْرِيمِ الْوَطَنِ وَتَقْدِيرِهِ، وَإِنَّهُ لَنْ يَنْسَى فَضْلَ هَؤُلَاءِ الْبَنَّائِينَ بَنَاةِ الرُّوحِ وَالْأذْوَاقِ، بَنَاةِ الْمَعَانِي وَالْأَخْلَاقِ “.

وَقَدْ دَعَمَهَا الْمَلِكُ سُعُودٌ رَحِمَهُ اللهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَصْدَرَ قَرَارًا مَلَكِيًّا لِدَعْمِهَا وَاعْتِمَادِ لَائِحَتِهَا وَنِظَامِهَا:-

قـرار

بِنَاءً عَلَى الأَمْرِ السَّامِي الْكَرِيمِ رَقْمَ 4174 الْقَاضِي بِتَقْرِيرِ اللَّازِمِ نَحْوَ لَائِحَةِ نِظَامِ دَارِ الأَيْتَامِ وَمَنْهَجِهِ الدِّرَاسِيِّ الْمَرْفُوقَيْن بِهَذَا، قَدْ دَرَسَ الْمَجْلِسُ مَوَادَّ اللَّائِحَةِ وَالْمَنْهَجِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمَا بِالاشْتِرَاكِ مَعَ نَائِبِ رَئِيسِ جَمْعِيَّةِ دَارِ الأَيْتَامِ، وَبَعْدَ تَمْحِيصِ مَوَادِّ اللَّائِحَةِ وَالْمَنْهَجِ قَرَّرَ الْمَجْلِسُ مَا يَأْتِي:

1. تَعْدِيلُ الْمَوَادِّ 10 وَ12 وَ13 وَ14 وَ19 وَ22 وَ25 وَ29 وَ30 وَ34 وَ37 وَ41 وَ42 وَ51 وَ55 مِنَ الْمَوَادِّ الْمُقَدَّمَةِ مِنْ إِدَارَةِ دَارِ الأَيْتَامِ.

2. حَذْفُ الْمَادَّةِ 23 مِنَ الْمَوَادِّ الْمُقَدَّمَةِ لِأَنَّهَا تَتَعَارَضُ مَعَ الأَشْكَالِ النِّظَامِيَّةِ.

3. إِضَافَةُ الْمَادَّةِ 53 الْمُدَرَّجَةِ فِي الْحَقْلِ الْخَاصِّ بِالْمَوَادِّ الْمُضَافَةِ مِنْ قِبَلِ الْمَجْلِسِ.

4. الْمُوَافَقَةُ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَوَادِّ.

5. قَدْ نُظِّمَتْ مَوَادُّ اللَّائِحَةِ الْمَذْكُورَةِ حَسَبَمَا هُوَ مَرْفُوقٌ بِهَذَا الْقَرَارِ وَوُقِّعَ عَلَيْهَا.

6. يُوَافِقُ الْمَجْلِسُ عَلَى مَنْهَجِ الدِّرَاسَةِ الْمَرْفُوقِ الْمُتَعَلِّقِ بِسَيْرِ الدِّرَاسَةِ فِي دَارِ الأَيْتَامِ، وَيُلَاحَظُ أَنَّ النِّظَامَ نَصَّ عَلَى التَّعْلِيمِ الصِّنَاعِيِّ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ فِي الْمَنْهَجِ الدِّرَاسِيِّ مَوَادُّ خَاصَّةٌ بِهِ، وَأَنَّهُ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يُوضَعَ لِلتَّعْلِيمِ الصِّنَاعِيِّ مَنْهَجٌ خَاصٌّ يُقَدَّمُ بَعْدَ الْآنِ لِدَرْسِهِ، وَأَنْ يُرَاعَى فِيهِ التَّرَجُّحُ وَالْأَوْلَوِيَّةُ بِمَجَرَّدِ اسْتِعْدَادِ التِّلْمِيذِ لَهُ وَاسْتِيفَائِهِ مَا يَجِبُ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ – الابْتِدَائِيَّةِ الدِّينِيَّةِ.

7. يُلَاحِظُ الْمَجْلِسُ أَيْضًا فِي مَوْضُوعِ الدُّخُولِ فِي دَارِ الأَيْتَامِ أَنَّهُ مِنَ الضَّرُورِيِّ بِذَلِكَ الْعِنَايَةُ فِي تَرْغِيبِ الْبَدْوِ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ فِي الدُّخُولِ إِلَى دَارِ الأَيْتَامِ، حَتَّى تَعُمَّ الْفَائِدَةُ الْمَطْلُوبَةُ وَتَحْصُلَ الْغَايَةُ الْمَنْشُودَةُ.

وَعَلَى هَذَا حَصَلَ التَّوْقِيعُ مُتَّفَقًا.

النَّائِبُ الثَّانِي          النَّائِبُ الأَوَّلُ          رَئِيسُ مَجْلِسِ الشُّورَى

صَالِحُ شَطَّا              بِمِصْرَ                عَنْهُ صَالِحُ شَطَّا

أَعْضَاءُ

عَبْدُ الْوَهَّابِ قَزَّازٍ، مُحَمَّدُ عَلِي كُتْبِي، أَحْمَدُ إِبْرَاهِيمَ الْغَزَّاوِيُّ، مُحَمَّدُ الْمُغِيرِبِيُّ، عَبْدُ الْقَادِرِ عِزَّاوِي، حُسَيْنُ بَاسَلَامَةَ، عَبْدُ الرَّءُوفِ الصَّبَّانُ، عَبْدُ اللهِ الشِّيبِي.

صُورَةٌ طِبْقُ الأَصْلِ.

رَئِيسُ دِيْوَانِ النِّيَابَةِ الْعَامَّةِ

وَتَذَكَّرْتُ هَذِهِ الدَّارَ وَكَيْفَ كُنَّا نَمُرُّ بِهَا فِي غُدُوِّنَا وَرَوَاحِنَا وَنَحْنُ مِنْ سُكَّانِ حَارَةِ جِيَادٍ، وَنَدْرُسُ فِي مَدْرَسَةِ الْفَلَاحِ قُرْبَ الْمَسْعَى، ثُمَّ فِي الشَّبِيكَةِ بَعْدَ أَنْ انْتَقَلَتْ إِلَى مَقَرِّهَا الْجَدِيدِ.

ذِكْرَيَاتٌ جَمِيلَةٌ لِمِثْلِ هَذِهِ الدَّارِ، الَّتِي تَدُلُّ عَلَى هِمَمِ الرِّجَالِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعِنَايَاتِهِمْ بِالأَعْمَالِ الْخَيْرِيَّةِ، وَاهْتِمَامِهِمُ الشَّخْصِيِّ بِاقْتِطَاعِ بَعْضِ أَوْقَاتِهِمْ لِخِدْمَةِ هَذَا الْعَمَلِ الاجْتِمَاعِيِّ الإِنْسَانِيِّ الْمُهِمِّ، فَقَدْ سَاهَمَتْ فِي إِيْواءِ كُلِّ أُولَئِكَ الأَيْتَامِ وَرِعَايَتِهِمْ وَتَرْبِيَتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ، ثُمَّ إِخْرَاجِهِمْ لِلْمُجْتَمَعِ كَرِجَالٍ سَاهَمُوا فِي بِنَاءِ هَذَا الْوَطَنِ.

رَحِمَ اللهُ الرِّجَالَ الَّذِينَ سَاهَمُوا فِي فِكْرَةِ هَذِهِ الدَّارِ أَسَاسًا، وَهُمْ مَهْدِي بَكْ الْمُصْلِحِ وَهُوَ صَاحِبُ فِكْرَةِ إِنْشَاءِ الدَّارِ، وَاللَّوَاءُ عَلِي بَكْ جَمِيلٍ رَئِيسُ الْمَجْلِسِ الإِدَارِيِّ الأَعْلَى لَهَا.. وَكُلُّ أُولَئِكَ الرِّجَالِ الَّذِينَ سَاهَمُوا بِالتَّعْلِيمِ وَالدَّعْمِ وَالرِّعَايَةِ لِهَذِهِ الْفِكْرَةِ النَّبِيلَةِ وَالْمُؤَسَّسَةِ الإِنْسَانِيَّةِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَدْ تَطَوَّرَتِ الْيَوْمَ فِكْرَةُ رِعَايَةِ الأَيْتَامِ، وَأَصْبَحَتْ جَمْعِيَّاتٌ عَدِيدَةٌ وَكَثِيرَةٌ وَمُنَظَّمَةٌ، يُفْخَرُ الْإِنْسَانُ بِهَا وَبِالْعَمَلِ فِيهَا، وَتَسْتَحِقُّ دَعْمَنَا وَعَوْنَنَا جَمِيعًا.. وَجَزَى اللهُ وَزَارَةَ الْعَمَلِ وَالشُّئُونَ الاجْتِمَاعِيَّةَ خَيْرًا عَلَى مَا تَقُومُ بِهِ مِنْ دَعْمٍ لِهَذِهِ الأَعْمَالِ.

وَاللهُ الْمُوَفِّقُ ،،،

الحواشي :

[¹] اقتباس من كلمة الأستاذ أحمد إبراهيم الغزاوي، مساعد جلالة الملك ونائب رئيس مجلس الشورى آنذاك.

[²] اقتباس من مقال للأستاذ عبد القدوس الأنصاري، صاحب مجلة “المنهل”.

[³] اقتباس من كلمة الأستاذ محمد سعيد العامودي، مدير مجلة “الحج” ونائب رئيس المجلس الإداري الأعلى لدار الأيتام.

[⁴] اقتباس من كلمة الأستاذ محمد فدا، عضو المجلس الأعلى لدار الأيتام.

[⁵] اقتباس من مقال للأستاذ أحمد عبد الغفور عطار، صاحب ورئيس تحرير جريدة “عكاظ”.