سبحان الله كيف كنا نسمع المقولة التي تتردد على ألسنة رجال التربية في الماضي بأن الإعلام إعلام، والتعليم تعليم وتربية، وبينهما بون شاسع فلا يلتقيان، وكأن هذا الانفصام بين الإعلام والتربية يقود إلى تصادم بينهما، ولهذا فقد فرحت كثيراً وأنا أرى وزارة المعارف تتبنى قضية الإعلام التربوي، وتنطلق من مفهوم واضح يدعو إلى التعاون بين الإعلام والتعليم والاستشعار في الوقت نفسه بأن التعليم لا يستطيع أن يحقق الرسالة بمعزل عن التعاون مع وسائل الإعلام.
وذكرني هذا بندوات ولقاءات كنا نشارك فيها ونتناقش تحت شعار ماذا يريد الإعلاميون من التربويين، ونوقشت في هذه الندوات بحوث جادة، وموضوعات قيمة، أكدت على خطورة فصل الإعلام عن التعليم، وأنه من العبث أن نجعل الإعلام يهدم في المساء ما تبنيه المدارس في الصباح.
وبذلك يتعذر على المدرسة أن تحقق الرسالة التربوية في معزل عن الإعلام، خاصة في هذا العصر الذي تتزاحم فيه الفضائيات، وتغزونا في عقر دارنا، وأكثرها غريب عنا، وكثير منها يسعى بتخطيط ماكر لهدم شخصيتنا والقضاء على مقوماتنا وقيمنا من خلال إفساد الشباب وإلهائهم بصغائر الأمور وكما قال الله عز وجل في وصفهم: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا} [¹].
وقد سرني أن أخي الدكتور محمد الرشيد يدعو في ندوة الإعلام التربوي إلى هذا التضامن، وقال يخاطب رجال الإعلام: “ليس أمامكم أنتم ووسائل الإعلام قاطبة لكي تجذبوا المستمع والمشاهد إلى وسيلتكم الإعلامية الخاصة بكم من خلال هذا التنافس الشديد الرهيب إلا من خلال تضامنكم مع التربية، فالقضية قضية حاجة ملحة للمدرسة وللتربية وللإعلام، ليس أمامكم وسيلة على الإطلاق لكي تجعلوا إعلامنا رسالة تتحقق إلا من خلال أن تجذبوا لها المشاهد على مختلف المستويات سواء كان طالباً أو غير طالب إلا حينما تتضامن وسائل الإعلام المختلفة مع التربية ومنتجاتها ومنطلقاتها لأننا نريد حصانة فكرية وحصانة ثقافية حتى نمنع ناشئتنا من أن يتأثروا بتلك الفضائيات وبتلك الوسائل المتعددة التي قد تفسد عليهم عقيدتهم، وقد تفسد عليهم أفكارهم وأذواقهم وقد يصل الأمر ـ لا سمح الله ـ إلى انحراف خطير في السلوك وفي التصورات وفي المفاهيم إذن: الحاجة الملحة لأن يكون هناك تكامل بين الإعلام والتربية، ونحن في التربية مطالبون وبإلحاح أن نوظف هذه الوسائل الإعلامية والتقنيات الهائلة من أجل التربية” [²].
والحقيقة أن هذه شجاعة من وزير المعارف أن يعترف بتأثير الأجهزة الإعلامية، ويسعى إلى التعاون معها، ويصرح بقناعته وثقته في جدوى هذا التعاون: “أنا من المقتنعين تماماً ومن المؤمنين تماماً أنه لا سبيل (أقولها وأكررها وأشهد الله عليها) لا سبيل أمامنا على الإطلاق لتحقيق رسالتنا التربوية إلا بأن نتعاون مع الإعلام وأن نوظف تقنية الإعلام في سبيل إبقاء رسالتنا التربوية. وأقول بالمقابل لحضرة الأخ الدكتور عبد الله الجاسر لا سبيل للإعلام أن يحقق الرسالة الإعلامية الرائعة التي أقرها مجلس الإعلام إلا من خلال توظيفنا كذلك نحن التربويين. ونحن نتحدث عن تحصين العقيدة، عن حصانة فكرية وثقافية، وهذا لن يأتي إلا بأن يترابط هذان الجهازان” [³].
وأنا شخصياً أعتقد بأهمية هذا التعاون وجدواه وضرورته، وأرى أنه لا بد أن يكون الإعلام قريباً من الناشئة، ومحبوباً لديهم، وجذاباً لهم، وأن يخاطبهم بلغة يفهمونها، وأن يعي دوره وموقعه في صناعة الأجيال وصياغتها، والتأثير على حياة الناس، فنحن نعلم أن أجهزة الإعلام في بلادنا والبلاد العربية والإسلامية من حولنا لا تملك الوصاية على الإعلام العالمي، فلا أقل من أن يلتزم إعلامنا وتربيتنا بقيمنا ومقدساتنا وأن يدور في فلك منهجنا الإسلامي ويلتزم بقيمنا ومبادئنا وأن يكمل الإعلام دور المدرسة ويرسخه ويقويه، وأن لا يهدم في المساء ما تبنيه المدرسة في الصباح، بل يكمل ما بدأته، ويسد ما لا تستطيع المدرسة أن تسده من الثغرات، لأن أجهزة الإعلام أقدر على التأثير في الناشئة بما تملكه من التقنية العالية والتأثير من خلال البرامج التعليمية والترفيهية المختلفة.
ومن المهم أيضاً تطوير هذه القدرات ومواكبتها لروح العصر وأخذها بأسباب التقدم، وسعيها إلى امتلاك التكنولوجيا، ومن المهم أن تتحدث إلى الناس والناشئة – على وجه الخصوص – بلغة يفهمونها، ومن المهم أيضاً أن نتعاون في درء الأخطار عن هذه الناشئة والشباب، فلا نعرض عقولهم لسيل جارف من مشاهد العنف، والقسوة، والسادية، والإجرام، والجنس، وبصور مستمرة، لأن هذا سيترك بصماته ـ رضينا أم أبينا ـ على سلوكهم وأخلاقياتهم، ويدفعهم إلى الانحراف، وبهذا يساهم التلفزيون في هدم قيم الأمة، وانحراف الشباب والناشئة.
وهناك قضية مهمة وهي أن الناشئة والأطفال والشباب في مجتمعنا محصنون بالفطرة السليمة، والتربية الصالحة في البيت والمدرسة، فهم لا يبحثون عن الرذيلة بل ينفرون منها، ولكن من المهم طرح البدائل الجادة والمغرية والمناسبة وبطرق جذابة ومحببة، وبلغة يفهمونها، ومن المهم أن نرسخ في أنفسهم الثقة بالقرآن والسنة، ونربطهم بتاريخهم، ونعينهم على قضاء أوقات ممتعة وغير مملة، وإلا فإنهم سوف ينصرفون إلى مصادر إعلامية أخرى رضينا أم أبينا.
وهناك أهمية طرح القدوة الصالحة، وخاصة في برامج الأطفال والناشئة، والعناية باختيار الصور المشرقة من تاريخنا الإسلامي، وتقديمها في صور مناسبة، وإخراج جذاب يربطهم بذلك التراث الحضاري المجيد.
هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإن خطورة الغزو القادم من الإعلام الخارجي سوف تكون كبيرة، وخطيرة ومؤثرة بل مدمرة، ومن المهم أن نربي أولادنا ونحصنهم من هذا الغزو الذي يستهدف حياتهم وقيمهم ومبادئهم، ولا شك أن للتربية والتعليم والإعلام دوراً مهماً في تحقيق ما نصبو إليه.
ولعله من المناسب أن نقول إن عنايتنا بالثقافة الجادة هي قضية أساسية إذا اعتبرنا أن ثقافة أي بلد أو أي أمة هي هويتها الحضارية والوطنية أمام هذا الخضم الذي تسعى فيه الدول الكبرى للسيطرة على العالم من خلال امتلاك السيطرة على دورة المعلومات من البداية إلى النهاية وسيكون دور الإعلام والتربية دوراً أساسياً، خاصة إذا نظرنا إلى المستقبل القريب عندما تصلنا القنوات الفضائية بدون صحون، وبدون أدوات استقبال، وبدون كوابل، وسلاحنا الوحيد هو التربية والتعليم والإعلام التربوي المسلح بالخبرة والتخطيط السليم الواعي الذي يبدأ من قمة الهرم، ويصل أثره إلى كل فرد من أفراد المجتمع.
ولقد سرني أن وزارة المعارف وضعت الأسس والمنطلقات العامة للإعلام التربوي بعد أن عرفته بأنه استثمار لوسائل الإعلام من أجل تحقيق أهداف التربية، وهذه الأسس هي:
1. “الالتزام بالإسلام وتصوراته الكاملة للكون والإنسان والحياة، والمحافظة على عقيدة الأمة، والإيمان بأن الرسالة المحمدية هي المنهج الأقوم للحياة الفاضلة التي تحقق السعادة لبني الإنسان، والبعد في وسائل الإعلام ومضامينه عن كل ما يناقض شريعة الله التي شرعها للناس.
2. الارتباط الوثيق بتراث أمتنا وتاريخها وحضارة ديننا الإسلامي والافادة من سير أسلافنا العظماء، وآثارنا التاريخية.
3. تعميق عاطفة الولاء للوطن من خلال التعريف برسالته، وسيرة قادته وخصائصه ومكتسباته، وتوعية المواطن بدوره في نهضة الوطن وتقدمه، والمحافظة على ثرواته ومنجزاته.
4. يركز الإعلام التربوي في رسالته على أركان العملية التعليمية: المدرسة، المنهج، المعلم، الطالب، ولي الأمر، والمساهمة في التعريف بأدوارها في العملية التعليمية وواجباتها وحقوقها وطرح مشكلاتها ومعالجتها إعلامياً.
5. التأكيد على أن اللغة العربية الفصحى هي وعاء الإسلام، ومستودع ثقافته وموئل تراثه، ولذا ينبغي الالتزام بها لغة للإعلام التربوي، ونشرها وتعليمها.
6. العناية بالأسرة والنظر إليها على أنها الخلية الأساسية في بناء المجتمع، والمدرسة الأولى التي يتلقى فيها الصغار معارفهم وتوجيههم، ويتم في رحابها تكوين شخصياتهم وضبط سلوكهم، وأن يقدم لها باستمرار كل ما من شأنه أن يعينها على تحقيق رسالتها.
7. الالتزام بالموضوعية في عرض الحقائق والبعد عن المبالغات والمهاترات وتقدير شرف الكلمة، ووجوب صيانتها من العبث.
8. التفاعل الواعي مع التطورات الحضارية العالمية في ميادين العلوم والثقافة والآداب برصدها والمشاركة فيها، وتوجيهها بما يعود على المجتمع خاصة، والإنسانية عامة بالخير والتقدم، وفق عقيدتنا وتصوراتنا الإسلامية.
9. تسعى الجهات ذات العلاقة إلى إيجاد القنوات الإعلامية التربوية التي تكون قادرة على تحقيق أهداف الإعلام التربوي، ودعم ما هو قائم من برامجه، وتعمل على إيجاد الكوادر البشرية المتخصصة في مجال الإعلام التربوي، والتعاون مع المؤسسات التعليمية والإعلامية والاجتماعية ومراكز البحوث ذات الصلة لإجراء البحوث والدراسات في مجال اختصاصها” [⁴]
وختاماً فإن الأهداف التي يسعى الإعلام التربوي إلى تحقيقها هي غرس العقيدة الإسلامية، وزرع الثقة في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ في نفوس الناشئة وربطهم بالقيم والتعاليم الإسلامية، وتنمية اتجاهاتهم بصورة بناءة، والنهوض بالمستوى التربوي والفكري والحضاري والوجداني من منطلق أن هذا الجيل هو الثروة الحقيقية للأمة. نسأل الله أن يوفقنا لكل ما فيه الخير إنه سميع مجيب.
الحواشي:
[¹] سورة النساء، الآية: 27
[²] د. محمد الرشيد، كلمة في ندوة الإعلام التربوي، وزارة المعارف، 2001م، صفحة 3
[³] المرجع السابق، صفحة 4
[⁴] الأسس والمنطلقات العامة للإعلام التربوي، وزارة المعارف، 2002م، صفحة 8-10
