الشعراوي مواقف ومعطيات

أشعر بسعادة كبيرة عندما أتحدث عن هذه الشخصية الإيمانية الشفافة والقريبة إلى النفس الشيخ محمد متولي الشعراوي.. هذا الرجل الذي كان عاشقًا للقرآن مُتَفَقِّهًا فيه قريبًا منه دائمًا، حتى إننا كنا نشعر دائمًا أن له مدرسته في التفسير، ومنهجه وقدرته في طرح هذه المعجزة الخالدة بصورة قريبة إلى النفس والقلب والعقل، فكان الرجل صادق اللهجة، ولهذا فقد كانت كلماته تصل إلى كل الطبقات من كبار السن، وصغار السن، والعلماء، والرجال، والنساء. فكان تفسيره ميسرًا للعامة والخاصة.. عميق المعنى.. طَلِق اللسان.. وأحسب أنه الرجل الذي ينطبق عليه مفسر القرن العشرين.

ولا شك أنها عطية من الله عز وجل.. هذا الرب الكريم.. الذي منحه قدرة وإبداعًا وعمقًا.. فكان يفسر القرآن بلغة سهلة تصل إلى وجدان الناس.. فأقبلوا على قراءة القرآن.. وتفهموا التفسير.. وكان الرجل يسهم من خلال التفسير بالدعوة إلى الله.. فكانت له لمحات وطروحات في تجديد فهم الإسلام.. وكأنه يدعو إلى فهم جديد للقرآن والحديث النبوي الشريف.. وساعده سعة اطلاعه وغزارة علمه.. لقد كان الرجل نعمة من نعم الله على هذه الأمة.

وقد لاحظ الغرب وبعض أعداء الإسلام ظاهرة تجمع الناس والتفافهم حول الشيخ الشعراوي وأحاديثه وتفسيره.. فأخذوا يحذرون منه في وقاحة ظاهرة.. ودون حياء من الله أو الناس.. فقال “بيجن” في إسرائيل وعلى مرأى ومسمع من الناس: (إن أحاديث الشيخ الشعراوي تعطل مسيرة السلام)[¹].. وتحدث وزير التعليم الإسرائيلي وقال: (إني أطالب بحذف الآيات القرآنية التي تتعرض لليهود والطريقة التي يفسرها بها الشيخ الشعراوي خطرة جدًا)[²] وقال بالنص الواحد: (إن هذا الرجل يقلقنا ويؤلب علينا.. ولم يعجبني حديثه عن وعد بلفور)[³]. ثم رأينا الصحف الأمريكية تقول: “اسكتوا هذا الرجل اسكتوا الشعراوي إنه فتنة جديدة لنا”[⁴].

ومما يعجبني في الشيخ الشعراوي أنه كانت له قواعده في التفسير التي يسير عليها ويحرص عند طرح خواطره حول القرآن على الالتزام بهذه الأسس:-

لا زيادة ولا نقص في القرآن: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} والله قد حفظه من أي تغيير أو تبديل أو زيادة أو نقص.

العلماء السابقون كان بعضهم يقول عن بعض الحروف إنها زائدة فيقولون (ما) زائدة أو (من) زائدة مثلا (من مثقال ذرة) يقولون (من) زائدة وهذا غير صحيح، ولكن منهج الشعراوي وكذلك علماؤنا الذين درسنا على أيديهم قواعد التفسير أمثال السيد إسحاق عزوز، والسيد محمد علوي مالكي، والسيد محمد العربي، والسيد أمين كتبي وغيرهم كانوا يرون نفس رأي الشيخ الشعراوي وأن القرآن لا زيادة ولا نقص فيه..

كان الشعراوي يرى أنه إذا وجد نفي وإثبات لشيء واحد في زمان واحد فاعلم أن الجهة منفكّة (أي النفي والإثبات تعلقا بجهتين مختلفتين) مثل (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ).

كان الشعراوي يرى أن القرآن في بعض الآيات لا يعمد إلى تشخيص أناس معينين باسم معين ولا بعدد معين ولهذا فهي موعظة عامة مثل قصة أهل الكهف، فهذه الآيات تدل على أن الله عز وجل يقول إن أي أشخاص يعبدون الله ويتقونه على طريقة أهل الكهف ومنهجهم فإن الله يعطيهم ما أعطى أهل الكهف، ولهذا ضرب بهم المثل. أما عندما يحب أن يحدد سبحانه فيقول محمد رسول الله، مريم ابنة عمران، ذو القرنين، أيوب، موسى، وعيسى وآدم وهكذا…

القرآن مبني على الوصل دائمًا، فمثلا الآية (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا)، فلو وقف القارئ عند كلمة (الله) أو وصل بها (والراسخون في العلم) فالنتيجة واحدة، والمعنى لا يتغير، فالقرآن متصل، حتى ضرب مثلا بالآية (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) ولم يقل (ومن الناس).

كان للشعراوي نظرة عميقة في مخاطبة القرآن للرسول ﷺ وخصوصًا في آيات العتاب، أو آيات التقوى، فكان يقول عندما يقول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) فهذا لا يعني أن الرسول ﷺ لم يتق الله، ولكنه التوجيه الرباني ليعلم الأمة بما جاء به رسول الله ﷺ وعدله.

وقصة زيد بن ثابت عندما ألحقه رسول الله ﷺ به وهذا كان تصرفًا فيه قسط من رسول الله ﷺ وعدل، ولكن الله أقسط فجاءت الآية (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ) فالله أقسط ولكن هذا لا ينفي قسط الرسول ﷺ.

هناك أشياء أقرها القرآن مثل (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا).. (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ).

هناك موضوعات ركز عليها الشيخ في سورة (تبّت) وكيف أن أبا لهب لم يتراجع بعد سماع السورة، ولم يحاول تكذيب القرآن فيعلن إسلامه ولو كذبًا.

موضوع آية تحويل القبلة (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ) فلم يتراجعوا عن القول ليكذبوا القرآن.

موضوع مخاطبة الله لرسوله في أكثر من آية بكلمة (ألم تر) مع إنه ﷺ لم ير هذه الأشياء ولكن الله سبحانه يتحدث إلى رسوله وكأنه رأى مع إنه إخبار من الله له (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ).

يركِّز الشيخ الشعراوي على حقيقة وهي أنه لا زمن عند الله، لا يحكمه زمن ولا حدث، لأن الزمن فرع الحدث، والحدث متوقف على قوة فاعلة، وقوة الله لا نهاية لها، فالزمن عند الله لا وجود له.

يتحدث الله عز وجل عن أمور ستقع في المستقبل بأسلوب الإخبار عن الماضي تأكيدًا لوقوعها: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا).. (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).. (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ).

أمانة الرسول في التبليغ حتى إنه لا يغير حرفًا فيقول له القرآن (قل) فيقول الآية بما فيها كلمة (قل).. (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).

يتحدث الشيخ الشعراوي أنه عندما تستشكل الدلالة زمنية أو غيرها في حدث معين في القرآن، في أسباب النزول ووجود أزمنة مختلفة، فلابد أن يرجع الأمر إلى قدرة الله الذي كان يُري الرسول ﷺ الحدث في المنام، ثم يقع الحدث كما رآه، ثم يمتن عليه، فمثلا في الإسراء والمعراج.. (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)، هناك ناس يقولون إن الحادثة وقعت في مكة في حجر إسماعيل، وناس يقولون في منزل أم هاني، وناس يقولون وقعت في المدينة، اختلفوا في الزمان والمكان، ولكن الأمر مرده إلى قدرة الله عز وجل الذي يملك الزمان والمكان، وما بينهما، ولهذا ينسب الحدث إلى الله وليس إلى رسول الله ﷺ فبدأت السورة.. (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ…).

كانت للشيخ الشعراوي لقطات معينة في تفسير بعض الآيات فمثلا في جزء عم في سورة (النازعات) يقول الله عز وجل.. (جَزَاءً وِفَاقًا).. أي أن الله يجازي الإنسان وفق عمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.. ثم يأتي بعدها (عَطَاءً حِسَابًا) وهنا يرى الشيخ أن كلمة (حسابا) ليست من المحاسبة، وإنما إذا جازى الله الإنسان وفق عمله يعطيه بعد ذلك عطاء ربانيًا حتى يقول العبد: حسبي حسبي يا ربي مما أعطيتني فذاك عنده من مفهوم كلمة حسابا.

هذه لمحات عن روعة الشعراوي – رحمه الله – فقد كان علمه باللغة وتعمقه في فنونها يجعله يقلب النص القرآني وكأنه جواهرجي.. أي رجل مختص بالمجوهرات يحسن النظر فيها.. وعرضها بالمظهر المناسب.. وقد استطاع عن طريق البلاغة أن ينقل الكثير من الصور القرآنية الصعبة إلى الناس ويسرها لهم وكأني به قد نقل دروس البلاغة من قاعات المحاضرات بالجامعة إلى عامة الناس في الشوارع والمنازل.. وقدمها لهم سهلة ميسرة.. وعلمهم إياها.. وأخذ بيدهم ليتعمقوا في فهم القرآن.

ولا شك في أن الشيخ محمد متولي الشعراوي كانت له قدرة لغوية متميزة وموهبة حباه الله بها وقدرة على تجسيد المعاني القرآنية وتقريبها للناس.

وقد ظل رحمه الله يحاول أن يصل بالتفسير إلى القاعدة العريضة من المسلمين، ومكَّنه الله سبحانه وتعالى من أن يصبح الإمام الوحيد الذي يملك تفسيرًا مكتوبًا ومسموعًا ومرئيًا في مختلف وسائل الإعلام، متاحًا لكل مسلم يقرأ، كل هذا في أسلوب سهل، ولغة تصل عبر العقل والوجدان إلى جميع الناس بمختلف طوائفهم، فحقق بهذا نوعًا من الانسجام لم نسمع به من قبل، وملأ الفراغ الذي أحدثه العصر الجديد بكل أعبائه ومشكلاته.

وبالجملة فالشيخ الشعراوي كان خير ترجمان لمعاني القرآن وكان له منهجه وأسلوبه وكان الشيخ يؤكد دائمًا أنه لا يفسر القرآن، ولا أحد يستطيع أن يفسر القرآن بتفسير حاصر لمدلولاته، وكان أولى الناس الرسول ﷺ بتفسير القرآن، ولهذا فالكل يأخذ من القرآن بما رزقه من فهم ويطرح خواطره، وكتاب الله في كل زمان ومكان له عطاءات، ومع ذلك يأتي القرآن يوم القيامة بكرًا، وما يزال زاخرًا بالمعاني.

كان الشعراوي في تناوله للقرآن يحترم الذين قبله من المفسرين، ويسعى للتوفيق بين مناهج التفسير والمفسرين السابقين، ويقرب ما اختلفوا فيه، وكان يحترم كل رأي واجتهاد ويعني به.

كان الشيخ الشعراوي يهتم بجلسات التفسير.. ودروسه وكان رحمه الله يتطهر.. ويتوضأ.. ثم يلبس أحسن ملابسه قبل الجلوس للتفسير.. كما كان يعد لهذه الدروس ويقرأ الآيات التي سوف يفسرها ثم يطالع كتب التفسير المختلفة ويقلب الآيات ويستوعبها.. ويراجع ما قاله قدامى المفسرين فيها.. وكان يحب أن يجلس منفردًا مع القرآن في الليلة التي تسبق تسجيل الحلقات ويظل طوال الليل يتصفح ويتدبر ويفكر وسبحان من كان يلهمه كل تلك المعاني المتجددة.. والتي كانت تبهر وتعجب حتى علماء عصره وفقهاء التفسير.. ورحم الله الشيخ علي الطنطاوي فقد كان يقول عن تفسير الشيخ الشعراوي هذا كلام طيب ولكننا لم نقرأ هذا في كتب التفسير ولكنه رجل فتح الله عليه[⁵].

رحم الله الشيخ محمد متولي الشعراوي فقد كان قلبه معلقًا بالله عز وجل وكان محبًا لسيدنا رسول الله ﷺ.. وأيام كان معنا في مكة المكرمة.. كنا نشاهده إما ذاهبًا أو عائدًا من الحرم المكي الشريف.. يطوف بالبيت العتيق ويصلي هناك في المقامات في هدوء وبساطة من غير ضجيج ولا لفيف فتحس بخلوته ومتعته وهو بجوار الكعبة المشرفة ثم ما أن تأتيه الفرصة حتى يهرع إلى المدينة المنورة.. يسلم على سيدنا رسول الله ﷺ ويصلي في المسجد النبوي الشريف.. ويظل لساعات طويلة بجوار المنبر الذي كان يخطب عليه المصطفى ﷺ في الروضة الشريفة.. وكانت له عباراته الخاصة في السلام على رسول الله ﷺ وأذكر إني كنت معه في زيارة للمدينة المنورة وعندما اقتربنا من منطقة “المفرحات” وهي منطقة على مقربة من المدينة المنورة ونشاهد منها منائر المسجد النبوي الشريف.. فوقف الشيخ الشعراوي بنا.. وأخذ يخاطب سيدنا رسول الله ﷺ ويقول السلام عليك يا رسول الله.. السلام عليك يا حبيب الله.. ثم أخذ ينشد:-

مولاي ضيفك من كل الورى جاؤا

فجد عليهم بما شاؤا لمن شاؤا

وفوق ما عرفوا من فضل ربهم ما قد عرفت وكم لله آلاء

فأولهم من فيوض الله رزقهم فأنت قاسمها والله معطاء

وكان رحمه الله يحب أن يتتبع آثار رسول الله ﷺ ففي المدينة يذهب إلى جبل أحد.. ويتجول في ساحة معركة أحد.. ويصعد إلى أعلى الجبل ويسلم عليه ثم يزور سيدنا حمزة عم الرسول ﷺ وشهداء أحد.. ويمر بجبل الرماة.. ويزور بعد ذلك مسجد قباء.. وكان يمر في طريق عودته إلى مكة المكرمة على مدينة بدر.. ويسلم على الشهداء.. ويقف في ساحة المعركة.. ويتتبع الآثار النبوية هناك.

رحم الله الشيخ محمد متولي الشعراوي وأسكنه فسيح جناته وجزاه الله عنا خير الجزاء إنه سميع مجيب.

  الحواشي: 

[¹] تصريح مناحيم بيجن، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، نقلاً عن صحيفة “هآرتز” الإسرائيلية، تاريخ غير محدد.

[²] تصريح وزير التعليم الإسرائيلي (لم يُذكر اسمه)، نقلاً عن تقرير لمرصد الشرق الأوسط، 1998م.

[³] نفس المصدر السابق.

[⁴] نقلاً عن مجلة “التايم” الأمريكية، عدد عام 1990م.

[⁵] نقلاً عن كتاب “بحر من الدرر” للشيخ علي الطنطاوي، دار المنارة، جدة، الطبعة الأولى، صفحة 245.