حتى لا تضيع أفريقيا كالأندلس

إنَّ مَن ينظر بعمقٍ لأوضاع المسلمين في أفريقيا يُحِسُّ بأبعاد التحديات التي تواجههم في القارة، وتدفع بها رويدًا رويدًا بعيدًا عن أشقائهم، بل وبعيدًا عن حظيرة الإسلام، رغم تمسُّك أهلها به وحرصهم على عقيدتهم ودفاعهم عنها، ولكن ما يَلقَوْنه من إعراضٍ من إخوانهم المسلمين في أنحاء العالم من بُعدٍ وغفلةٍ وعدم تعاونٍ وعدم إدراكٍ لأبعاد المصير المشترك، يُساهم هذا في توسيع الفجوة وتغريبهم وإضعاف الروابط، وخاصة مع الأجيال الحاضرة، ويجعلهم لُقمةً سائغةً وفريسةً سهلةً لحملات تشكيكهم في دينهم ودعوتهم إلى الرِّدَّة عنه.

والقضية بالنسبة لأفريقيا لا تقتصر على المسلمين وحدهم، وإن كانوا أكثر الفئات تضررًا نظرًا لما يَلقَوْنه من تحدياتٍ ماديةٍ وروحيةٍ في نفس الوقت، وإذا استمرَّ الوضع على ما هو عليه الآن فإن التحديات ستكون أكبر في العقد القادم، والبلايا أشدُّ وطأةً عليهم، خاصة وقد ضعفت الفرص أمامهم حتى في مجرد حياةٍ إنسانيةٍ كريمةٍ، فالفقر يزحف بشدةٍ في أفريقيا، والجوع يقضي على الآلاف سنويًّا، حيث “يشَكي ما يقرب من 27 مليون أفريقي من الجوع، وتهدد القارة هجرةُ العقول والعاملين المؤهلين التي تصل إلى مائة ألف سنويًّا”، كما تعاني من تدهور الأحوال الأمنية والاستقرار السياسي في معظم أقطارها[1]. ويَصِفُ تقرير الأمم المتحدة البرنامجَ الاقتصادي الطارئ لإنقاذ أفريقيا والذي بدأ في 1986م، بأنه فشل فشلًا ذريعًا.

ويقول السكرتير التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا البروفيسور “أديبايو أديديجي” (من نيجيريا): “إن عقد الثمانينات كان عقدًا مفقودًا وعلينا ألا نفقد عقد التسعينات أيضًا وألا نكون قد أضعنا جيلًا كاملاً أو جيلين من الأفارقة”[2]. وفي وقتٍ كان الاتجاه هو إقامة “خطة مارشال” لأفريقيا، ولكن الأمور قُلِبَت رأسًا على عقب، فبعد الحرب العالمية الثانية تم تخصيص 2% من الناتج القومي الأمريكي كمساعدات للتنمية في أوروبا، أما في الأعوام الأخيرة فإن أفريقيا ظلَّت تقدم 4% من ناتجها القومي للغرب، وحتى لو صدر الإعفاء الشامل من مجموعة السبعة لديون أفريقيا فإن ذلك لن يغير كثيرًا من الأزمة الاقتصادية الراهنة للقارة.

ويُعَلِّلُ الخبراء الاقتصاديون هذه الظواهرَ بأن الأسباب الرئيسية للفشل هي غياب خطة للتحولات البنيوية في المنشآت الاقتصادية، مما أدى إلى عزل الجماهير عن عمليات التنمية، كما أن هناك الوعود التي لم تُوَفَ من قبل الدول المتقدمة والتي وعدت بها الدول الأفريقية الفقيرة، ويعتقد المستشار الكندي للأمم المتحدة “ستيفن لويس” أن السبب الأهم هو أن الأسرة الدولية لم تترك للبرنامج الطارئ سببًا للنجاح، فَالوعد الدولي بتسعة مليارات لأفريقيا خلال أربعة أعوام لم ينفذ أبدًا، بعد أن وعدت بموارد إضافية قدرها 9.1 مليارات دولار سنويًا خلال الفترة 1986–1990، إلا أن هذه الموارد الإضافية لم تتحقق، بل انخفض إجمالي صافي تدفقات الموارد إلى أفريقيا من 25.9 مليار دولار عام 1986 إلى 22.6 مليار دولار عام 1989، في حين ظلت المساعدات الإنمائية الرسمية، بالقيمة الحقيقية، شبه ثابتة عند متوسط سنوي يقارب 16.5 مليار دولار.

 ولكن المسؤولين في الأمم المتحدة يرغبون في زيادة هذه المعونات سبعة مليارات أخرى كل سنة ابتداء من سبتمبر (أيلول) المقبل حتى يمكن إعادة القارة إلى نسبة 6% من النمو وتقدر على خدمة الديون المتراكمة.

وهناك بلا شك موضوع الديون التي تثقل كاهل الدول الأفريقية، حيث بلغت (270) مليار دولار، زادت عما كانت عليه، وقد ظهرت أصوات كثيرة تدعو إلى إلغاء هذه الديون الخاصة بالتنمية لهذه الدول الفقيرة ولكن شيئًا لم يحدث، غير أن الأمل يتضاءل في أن تصل اقتصاديات أفريقيا إلى الاكتفاء الذاتي، دَعْكَ عن اللحاق بدول شرق أوروبا، فهناك مسألتان أساسيتان لابد من مواجهتهما قبل الحديث عن تدفق المعونات والقروض لأفريقيا: الأولى هي ثقل الديون الحالية التي تبلغ (270) مليار دولار، وهي تعني أنها زادت بالثلث عما كانت في 1986م مع بداية برنامج الأمم المتحدة الطارئ لإنقاذ الاقتصاد الأفريقي، وهذا عبء من الالتزام يعترف الجميع بأنه مستحيل الوفاء، ولكن الوزير الهولندي للتنمية “يان برونك” لعله الوحيد بين مسؤولي أوروبا الذي يدعو بوضوح لإعفاء كل ديون التنمية المستحقة الدفع بالنسبة للدول الأكثر فقرًا، ولم تتجاوز مثل هذه الإلغاءات التي تمت في العام السابق في “تورنتو” باقتراح من رئيس الوزراء البريطاني “جون ميجور” مبلغ المائة مليون دولار من بين المبالغ التي تصل إلى عشرة مليارات سنويًّا، أما المسألة الثانية فهي الهبوط المتواصل في أسعار السلع المنتجة في أفريقيا.

“يجب أن تُسْقَط كل الأموال التي قُيَّدت على القارة وكانت من غير أدنى شكٍّ مُوظَّفة لصالح صراعات مراكز القوة هنا وهناك”[3]. ولعل أكثر ما يجعل هذه المناداة بإسقاط الديون، وخاصة العسكرية منها، من أوائل المبادرات المنتظرة من الدول الكبرى، هو أنها هي الدول التي تبنت في المنظمات الدولية المقرارات الجديدة التي ربطت بين تقديم العون ووجوب أن تكون الدول المتلقية لذلك العون دولًا تؤمن وتمارس الديمقراطية، وهذا الاشتراط لا يلزم صانع القرار في أمريكا أو أوروبا فحسب بالكف عن الترويج لتجارة السلاح، وإنما المساعدة الفعلية لاقتلاع كل أسباب عدم الاستقرار في القارة، وأهمها الحروب الأهلية التي هي بالأساس تعتبر جزءًا من سياسات الاستعمار القديم (فرِّق تَسُد)، ولعل أقوى مثال يمكن أن يقال في هذا الصدد هو الحرب الرواندية البوروندية التي تعتبر من أسوأ حروب القرن الأهلية، لأن الاستعمار في كلتا الدولتين المجاورتين أقدم على تسليم السلطة إلى القبيلة التي تمثل أقلية، بينما الشيء الطبيعي والمنطقي هو فعل العكس، ومع ذلك إذا ألقينا نظرة على العالم نجد أن الحروب الأهلية ليست سمة تنفرد بها القارة الأفريقية، فهناك حروب الصرب والكروات في البوسنة (يوغسلافيا سابقًا) وحروب البلقان عموماً وأفغانستان والشيشان.. إلى آخره، وكلها حروب يقف العالم بين عاجز ومتفرج عليها، وهكذا نرى أن الحروب الأهلية ليست ظاهرةً تُحسَب على القارة الأفريقية وحدها.

أضف إلى هذا مشكلة هبوط أسعار السلع المنتجة في أفريقيا، وبكل أسف فإن هذا الهبوط مستمر، “ويذكر أن أفريقيا فقدت خمسين مليارًا من مستحقات صادراتها خلال الأعوام الأربعة للبرنامج الدولي الطارئ بفعل سقوط أسعار منتجاتها بطريقة لم يُسْبَق من قبل”[4]. ومع أن الدول الأفريقية وباحثيها يجدون النصح بضرورة تصنيع المواد الخام محليًّا، إلا أن المؤسسات المالية الدولية لا تزال تمارس بعض الضغوط في توسيع الزراعة والإنتاج للقطن والكاكاو والبن وغيرها، وإذا لم نتخذ مبادرات جادة لإيقاف هذا النمو الحلزوني لعدم الاستقرار الأمني والمجاعة، فإن التوقعات الأفريقية لكارثة لا مثيل لها من قبل -كما لمح بروفيسور “أديديجي” عام 1977م- ستكون حقيقةً ماثلة للعيان.

في ذلك الحين لم يكن أمام الدول الأفريقية فرصة للاختيار عندما عرض الصندوق والبنك تقديمهما القروض لتسديد ديونها للبنوك المحلية بشرط تطبيق الإجراءات التي يطالبان بها، وهي: خفض الإنفاق الحكومي خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية، السيطرة على الأجور وخفضها، فتح الأسواق المحلية، تخفيف القيود على الاستثمارات الأجنبية، وتخفيض قيمة العملة المحلية تدريجيًّا من أجل خفض المنافسة عند التصدير، ولكن معظم الدول التي قامت بتنفيذ تلك الإجراءات لا تزال بعد (15) عامًا في انتظار “السحر” الذي سينقذ اقتصاد هذه البلاد، كما أن تقرير البنك الدولي أشار إلى أن معظم الدول التي نفذت الإجراءات تعاني من انخفاض في نسبة النمو، وزادت الديون من (658) مليار دولار عام 1980 إلى (1770) مليار دولار عام 1993م.

وفي الوقت الذي تضطر فيه الدول الأفريقية إلى مواجهة الحروب والمجاعات والفقر والمرض والفوضى والضغوط التي تفرضها عليها سياسات البنك والصندوق، تجد الدول نفسها مضطرة لأن تواجه أيضًا الضغوط التي تفرضها عليها الولايات المتحدة لتطبيق الديمقراطية في مؤسساتها وفتح أسواقها أمام المنتجات العالمية كشرط أساسي للدخول في حماية السوق العالمية، فوجدت نفسها أمام معضلةٍ صعب الخروج منها، فمن ناحية تمارس الولايات المتحدة ضغوطها، ومن ناحية أخرى تمارس القوى العسكرية في البلاد والصراعات العرقية ضغوطها لمنع تحقيق الديمقراطية كاملة، وهكذا تجد الدول الأفريقية نفسها معتقلة داخل دائرة نارية من الحروب والقتل والمرض والفقر، وتتجاذبها قوى عديدة في اتجاهات مضادة، ولا تزال تأمل بعد ثلاثين عامًا من الاستقلال في تحقيق استقلالها الحقيقي من كل تلك القيود التي فرضها عليها الغرب لتنال أخيرًا حريتها.

أما من ينظر بعمق في برنامج المساعدات لأفريقيا يدرك أهمية أن تكون مساعدات بنيوية تساعد في مجال التنمية الحقيقية، وليس على أساس مساعدات مالية عابرة، لأن الأخرى في بعض الأحيان لا تؤدي أهدافها، ولا تحقق ما نرجوه من تنمية، بل ولا حتى المساعدات العابرة للناس أنفسهم، حيث تقع في بعض الأحيان -إن لم يكن في معظمها- في يد مجموعة من المرتزقة الذين يستغلونها لأغراضهم الشخصية، أو يهدرونها ويصرفونها في غير ما خُصِّصَتْ له.

ولا شك أن من واجبنا أن نساعد هؤلاء الناس على العمل الشريف وتوفير مجالات العمل، وإعطاؤهم القدرات الفنية أو حتى البدائية التي تجعلهم يكسبون رزقهم بعرق جبينهم، وكلما كانت المساعدات في مجال التدريب على العمل وإيجاد فرص العمل كانت نتائجها أفضل، وكذلك في مجالات التطوير التقني، واستغلال القدرات وفتح الأسواق أمام تجارتهم ومساعدتهم في تسويقها، والشيء المؤسف في هذه الأيام أن من يتجول في أفريقيا يحس بمشاعر جديدة للقارة تجاه العرب، فقد بدأت الحملات الإعلامية ضد كل ما هو عربي وإسلامي تؤتي ثمارها، وتغذي الفرقة بين الأفارقة والعرب، وتركز على أنهم ما يزالون يمارسون الرق، وأنهم يكرهون الأفارقة وينظرون إليهم نظرة دونية، وبكل أسف فإن الأمة العربية بالمقابل ساهمت في ترسيخ هذه الفكرة عن طريق ضعف برامجها الإعلامية، وانصراف إعلامها عن مثل هذه القضايا الجوهرية، وضعف الروابط الذي أصبح سمة من سمات العرب فيما بينهم، فضلًا عما بينهم وبين الأفارقة، ولا شك أن نمو هذا الشعور هو أمر له مخاطره على مستقبل العلاقات العربية الأفريقية، وعلى مستقبل الإسلام والدعوة الإسلامية هناك، ولا بد من إعادة النظر بصورة جادة في موضوع العلاقات العربية الأفريقية، ووضع خطط صحيحة لتقويتها من جديد، ولا يجوز أن تستمر هذه اللامبالاة، وأن تصبح زيارات العرب لأفريقيا زيارات خاطفة، حتى إن بعضهم يحضر المؤتمرات لأفريقيا كمندوب عن دولة عربية معينة، ويحرص على أن تكون طائرته في المطار تنتظره للعودة خلال ساعات، وهذا أمر مؤسف يشعر هؤلاء الناس بأننا نتأفف من البقاء بين ظهرانيهم ولو ليوم واحد.

ولا شك أن التعاون العربي الأفريقي أصبح قضية جوهرية وهامة للطرفين: “ومهما يكن من أمر، وبصرف النظر عما نسبه بعض علماء التاريخ من أن العرب يتحدرون من أفريقيا، فإن حقائق الجغرافيا تشير بمنتهى الواقعية إلى أن أكثر من سبعين بالمائة من العرب ينتمون جغرافيا إلى القارة الأفريقية، وهذه النسبة وحدها كافية لأن نولي كل اهتماماتنا لتلك القارة، ليس من قبيل العاطفة والتعاطف فحسب، وإنما من أبواب المصالح والمنافع المشتركة، خاصة أن العصر القادم هو عصر القوة الاقتصادية، وقد أخذت قسماته في التشكل”[5].

إن أفضل المداخل للحديث عن التكامل العربي – الأفريقي الزيارة التي قام بها أخيرًا الزعيم الأفريقي “نيلسون مانديلا” للدول العربية والخليجية على وجه الخصوص، ولعلها أول وأطول زيارة يقوم بها لجملة بلدان في وقت واحد منذ توليه السلطة قبل عام، ولا ريب أن لهذه الزيارة أكثر من دلالة ومعنى، فهي تعني الكثير لأن جنوب أفريقيا دولة كبرى بمقاييس أفريقيا، ودولة كبيرة بالمقاييس العالمية. إن نظرة عامة إلى القارة بأسرها تبين لنا كم هي من أقوى وأمتن الأرصدة لعالمنا العربي والإسلامي، فإذا أمنّا الجنوب الأفريقي ووفقًا للدور المرغوب والمطلوب، فإن مصر بلا شك بدورها القيادي وبكل ثقلها تشكل قطبًا أساسيًّا في الشمال، بل هي والسودان يمثلان ثقلاً كبيرًا للترابط العربي الإسلامي في شرق القارة الأفريقية، والسودان بلا شك -رغم الظروف الاقتصادية التي يمر بها- فهو أكبر الدول الأفريقية مساحةً وأوفرها إمكانات للاستثمار، وكذلك نيجيريا -رغم تداعيات الظروف التي تمر بها الآن- فهي دولة غالبية أهلها من المسلمين، بل هي أكبر دولة في أفريقيا وتحتل مركز الوسط من القارة، كما أنها دولة نفطية، أما غرب أفريقيا فقد كان ولم يزل للبنانيين أدوار مؤثرة وعميقة الجذور، ليس في الاقتصاد والتجارة فحسب، وإنما حتى في مراكز القرار السياسي، وما يقال عن اللبنانيين يصح أيضًا قوله عن الموريتانيين وإلى وقت قريب في السنغال.

وحقيقة الأمر أن المغرب العربي له حضور، ولكن ليس بالقدر المطلوب ولا على المستوى الذي يحقق ولا حتى الحدود الدنيا من التواصل الجاد، وخاصة في المجال الاقتصادي والثقافي، فالمغرب العربي هو أقرب نقطة تواصل للقارة الأفريقية مع أوروبا، وفيه مجالات واسعة للتنمية الاقتصادية والتبادل التجاري في إطار التكامل العربي – الأفريقي، ويمكنه أن يلعب دورًا تعليميًّا وثقافيًّا رائدًا.

إن العديد من الدول الأفريقية تعتبر من المناطق الواعدة بمستقبل اقتصادي يستحق الاهتمام، ويتطلب من الرأسمالية العربية المزيد من الإقدام والاستثمار والتعاون لمصلحة جميع الأطراف، وإذا لم يكن لشيء إلا للعمق الاستراتيجي والاقتصادي لكان كافيًا، كما أن هناك قصورًا كبيرًا من جانب الشعوب العربية في الإلمام بحقائق هذه القارة ومعرفة مكوناتها ومدى قربها واقترابها منا، ولذلك فإن فتح المجالات للسياحة في أفريقيا يعتبر من أهم المداخل ليس للتمتع بجمال المناطق السياحية الخلابة فيها بأقل التكاليف، وإنما لاكتشاف الكثير من الفرص في مجالات العمل والاستثمار والتواصل، إننا في الوقت الذي تتجه فيه الآلاف من عالمنا إلى أوروبا وأمريكا كل عام لقضاء العطلات الصيفية، يتجه الأوروبيون والأمريكيون إلى القارة السمراء لأنهم ببساطة اكتشفوا كم هي جميلة وكلفتها زهيدة.

“وطالما مستقبلنا الاقتصادي مرتبط كل الارتباط بالمستقبل الاقتصادي للقارة الأفريقية لكل الاعتبارات التي أسلفنا ذكرها، وأن أمننا الاجتماعي مرتبط أوثق ارتباط بهذه القارة؛ لأن وجودنا الغالب في أطرافها وفي قلبها، وكذلك مصالحنا وثرواتنا وثقافاتنا وديننا وكل ما يرتبط بحضارتنا، فمن الخير لنا بل ومن الأنسب أن نخطو بخطى مدروسة وسباقة نحو هذه القارة البكر، ونتصدر تكاملها الاقتصادي بما لدينا من ثروات، وساعتها سنكتشف كم نحن أقوياء بهذه القارة وكم هذه القارة قوية بنا، وسنتبين الدور الذي سيلعبه التكامل العربي الأفريقي في رصيد توازن القوى في العالم الجديد.. عالم القوى الاقتصادية”[6].

إن قضية التعليم في أفريقيا -بكل أسف- قضية دقيقة وهامة، لأن جماعات التنصير والقوى المختلفة التي تحاول تغريب أبناء أفريقيا عن الإسلام إنما تستعمل التعليم، وتستغل حاجة هؤلاء الإخوة في أفريقيا إلى التعليم، فتنفذ من خلال هذا المجال لتحقيق أهدافها، وبكل أسف فإنها تستخدم أساليب لها مخاطرها الحالية والمستقبلية، فهي تعمل -مثلاً- إلى إقفال المدارس الإسلامية، ومنع التعليم العربي والإسلامي، والحرص على إتاحة أكبر فرصة ممكنة لإدخال أبناء المسلمين إلى المدارس غير الإسلامية، وتعطى سلطة كافية للإشراف على نظام التعليم في أنحاء البلاد، حتى وإن كانت الجماعات الإسلامية أغلبية، ففي بعض البلدان نجد هناك أغلبية إسلامية ومع ذلك تنفذ الكنيسة وتستخدم سلطات الإشراف على برامج التعليم، وفي كثير من الأحيان تعطي فرصًا لأبناء الوثنيين لدخول المدارس والجامعات وتحجبها عن أبناء المسلمين؛ كتشجيع لهؤلاء لينخرطوا في الديانة المسيحية.

وفي بعض الأحيان أيضًا -وبكل أسف- نجد أن مؤسسات كبيرة تعمد إلى ترويج منح الجنسيات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها لمجموعة من الشباب المسلم؛ لإغرائهم للالتحاق بمؤسساتها والاستفادة منهم في المستقبل كرجال يساهموا في نشر الثقافة الأوروبية والحيلولة دون انتشار التعليم العربي والإسلامي، أيضًا يعمدون إلى قضية العمل الحكومي، فنجد أنه يتاح أمام خريجي مدارس الطوائف الأخرى دون غيرها، وينظرون إلى خريجي المدارس الإسلامية نظرة دونية، ويتهمونهم بالأمية، ويحولون دونهم ودون العمل في هذه المجالات الحكومية، وبالتالي يضيقون فرص الرزق أمامهم، في كثير من الأحيان نرى أنهم يركزون على توتر العلاقة بين الثقافات الأفريقية والثقافة العربية والإسلامية، ويحاولون بكل الطرق الممكنة بث مشاكل للحيلولة دون التواصل الثقافي، ونظرًا لأن كثيرًا من المسلمين يحرصون على عدم الاختلاط في التعليم، والكنيسة تشجع الاختلاط، فيستخدمون هذا كوسيلة لتنفير الشباب من التعليم الإسلامي وأنه نظام متخلف إلى غير ذلك، وهذه الأمور في الحقيقة من الأمور التي تؤثر في انتشار عملية التعليم الإسلامي.

كما نلاحظ أنهم ينشئون خلافات غير ضرورية وخصومات مفتعلة ليقنعوا أبناء أفريقيا أن هناك انفصامًا بينهم وبين الإسلام، ويصِرُّون على عداءٍ وهمي بين الإسلام وبين كل مؤسسة للطوائف الأخرى، ويحرصون على تأجيج الصراع الدائم، ويقطعون كل سبل الحوار والمفاهمة والتعاون بأي شكل من الأشكال، ومن هنا نجد أن فكرة العداوة بين الإسلام كدين الأغلبية الساحقة هناك وبين الطوائف الأخرى تتبناها سلطات سياسية مختلفة، ويجعلون الإسلام كأنه عدو لكل ما هو غير ذلك، ولكل ما هو أفريقي، وبالتالي يشوهون صورة الإسلام الذي هو دين سمح يحرص على احترام الآخرين واحترام الديانات الأخرى، ولكنه يعلن كلمة الله عز وجل، والتعاليم الإسلامية أكثر تعاليم في الدنيا تسامحًا واحترامًا للإنسان ولحقوق الإنسان، بل وحتى الحيوان، ولكل هذا لا يُصوَّر، وإنما يُرَكَّز في هذا المجال على هذا العداء المستمر بينهما.

ومن هذا يتضح للقارئ المتمعن أن حركات الطوائف الأخرى في أفريقيا -بل وفي كل مكان- حركات صدامية عدوانية تؤمن بأسلوب الصراع ولا تقبل ولا ترتاح إلى الحوار أو التعايش السلمي مع الديانات الأخرى، وخاصة الدين الإسلامي الذي يقول: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”[7]، وهو دين الله الذي سبق المسيحية في القارة الأفريقية بأكثر من ألف سنة، ويتكرر مثل هذا التوجه الاصطدامي العدواني في مقالات أخرى نشرتها بعض الجهات التنصيرية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مقالة ظهرت في مجلة الخدمات الصحفية في عموم أفريقيا (All AFRICA PRESS SERVICE) التي يصدرها مجلس الكنائس الأفريقية في نيروبي عاصمة كينيا في عدد شهر مايو 1993م، يقول كاتب هذه المقالة: “إن نشاط الدعاة المسلمين في زامبيا وصل إلى مرحلة الخطورة، ويتوجب على السلطات المسؤولة في البلاد التدخل لوضع حد له”، وذكر أن أخطر ما يقوم به الدعاة المسلمون في زامبيا هو بناء المدارس الإسلامية وإقامة معارض إسلامية طول البلاد وعرضها، وإنشاء مراكز الأيتام وتوزيع الكتب المدرسية مجانًا وتوفير الخدمات الاجتماعية مثل الإغاثة والرعاية الصحية لمن يحتاجون إليها مجانًا، ويقول صاحب المقالة: “إن مجلس الكنائس المسيحية في المنطقة ناقش الموضوع في اجتماع عقد من أجل هذا، وقرر فتح مكتب (DESK ON ISLAM) لمحاربة النشاط الإسلامي في زامبيا بجميع الوسائل المتاحة لوقف الزحف الإسلامي في المنطقة كي لا تتحول أفريقيا الجنوبية برمتها إلى معقل إسلامي يهدد الوجود المسيحي في المنطقة كلها ويخدم مصالح العرب والمسلمين في أفريقيا”[8]. ويتبين من هذا أن حركات الديانات الأخرى في أفريقيا تعطي لنفسها الحق في ممارسة نشاطها في القارة، وترى أنه لا ينبغي أن يستعمل الدعاة المسلمون هذا الحق لنشر الدين الإسلامي في المنطقة، فهي تنزعج وتحزن حين ترى الدعاة المسلمين يستعملون أي نوع من أنواع الدعاية التي احتكروها منذ دخولهم القارة الأفريقية بهدف تنصيرها خدمة للاستعمار الأوروبي، فالخدمات الاجتماعية والصحية من توزيع الطعام والملابس والأدوية الطبية مجانًا على الفقراء والمساكين، هذه كلها تعتبر عملية تخريبية إذا قام بها الدعاة المسلمون، ولكنها مطلوبة ضمن نشاط الكنيسة.

ومن المناسب أن نشير هنا إلى مقتطفات من مجلة القلم ضد السيف (THE PEN VS. THE SWORD) التي تصدر في لوس أنجلوس في الولايات المتحدة الأمريكية، تقول هذه المجلة بالحرف الواحد: “يمثل الإسلام تهديدًا خطيرًا ينبغي على الشعب الأمريكي ألا ينخدع من الدعايات الإسلامية في البلاد، على الأمريكيين أن يرفضوا تعاليم الإسلام المتخلفة والبدائية، ويتمسكوا بتعاليم الديانة اليهودية والمسيحية”، وتقول المجلة: “إن عدد المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية يزداد بمعدل مليون كل سنة، وبهذا المعدل قد يرتفع عدد المسلمين خلال عقدين من الزمن من أربعة ملايين إلى 25 مليون نسمة، وسيكون لهذا العدد الضخم من المواطنين الأمريكيين حق الانتخاب والترشيح لمختلف المناصب العالية من حكام الولايات إلى أعضاء البرلمان على مستوى الولايات والحكومة الفيدرالية، وقد ينتهي الأمر بهم إلى تعيين من يتولى رئاسة الجمهورية، وقد يكون عضوًا في مجلس النواب ومجلس الشيوخ الأمريكي، وفي مثل هذه الحالات، سوف يستطيع المسلمون طلب أي شيء في مصلحتهم ويحصلون عليه، فعلى الأمريكيين إذن عمل كل شيء ممكن لمنع انتشار الإسلام في أمريكا”[9].

وهكذا نرى هذا العداء والتوتر الذي يحرصون عليه ويعمدون إلى تشويش صورة الإسلام فيه بكل الطرق، ولهذا فإن من يتتبع النشاط التنصيري في أفريقيا يلاحظ أولاً وبصورة خاصة عدم تكافؤ الفرص بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى وخاصة المسيحية في المجالات الاقتصادية ومجال الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية؛ لأن هذه الفرص تعطى لأبناء المسيحيين ويحرم منها أبناء المسلمين الأفارقة، وهذا منشأه أيضًا عدم تكافؤ الفرص في التعليم؛ لأن أبناء المسلمين الفرص أمامهم ضيقة ومحدودة، وهناك كثير من العقبات التي تحول بينهم وبين إكمال دراستهم، في وقت تتاح فيه الفرص لكل من يلتحق بالدين المسيحي وتشجعه الكنيسة وتتيح له الفرص.

إن سياسة التعليم التي تتبناها الدول الاستعمارية في أفريقيا طبقتها -بكل أسف- بعض الحكومات الوطنية بعد الاستقلال، فقد أعطت الكنيسة حق الإشراف على التعليم في جميع المراحل، فكانت النتيجة -كما يقول الدكتور عمر جاه- هي عزل التعليم الإسلامي ومحاصرته في كتاتيب وخلاوي لا تعترف الحكومة بها ولا بشهاداتها ولا تسمح بتوظيف المتخرجين منها إلا في أضيق الحدود، وبهذا ضيقوا على أبناء المسلمين في أفريقيا في كثير من الدول بهذا الشكل.

ولهذا نجد أن الشباب الأفريقي الذي تثقف ثقافة غربية هو الذي أصبح يسيطر على زمام الحكم في أكثر من مكان، “فالطبقة المثقفة (ثقافة غربية) التي تسلمت زمام الحكم من الاستعمار كانت أغلبها مسيحية أو على الأقل غير مسلمة، فما زالت هذه الطبقة تحتل أهم المراكز القيادية في المرافق المختلفة بدءًا من هيئة التدريس في الجامعات وفي المعاهد العليا نزولاً إلى قيادة الجيش والشرطة وإدارة البنوك والمؤسسات المالية والاقتصادية والسياسية على طول القارة وعرضها.

فالأرقام هي نفس الأرقام من تنزانيا وكينيا ويوغندا وزائير في شرق القارة إلى سيراليون ونيجيريا وغانا وساحل العاج في الغرب، فالمسلمون يكونون أغلبية عددية في هذه البلدان ولكنهم أقلية في إدارة شؤون البلاد، وأخطر ما في الأمر أن الطبقة المثقفة (ثقافة غربية) لا تعترف بالطبقة المثقفة ثقافة عربية إسلامية إلا في حدود ضيقة جدًا، ونتيجة لذلك فهناك الآلاف من خريجي الجامعات عاطلون عن العمل لأن ثقافتهم عربية إسلامية، فهذا يعتبر أخطر مشكلة خلفتها حركات طائفية في أفريقيا، فهي ولا شك في حاجة إلى معالجة عملية سريعة”[10].

إن من ينظر بجدية إلى معوقات التعليم الإسلامي في أفريقيا يجد أن أهم النقاط هي أن الإسلام بعد أن دخل إلى أفريقيا ظل التعليم منذ ذلك الوقت إلى اليوم بنفس المستوى، يعتمد على الخلاوي والزوايا والكتاتيب، ولم يتطور، ولم تحاول الدول العربية والإسلامية مد جذورها والعناية بالتعليم في أفريقيا، وإنما بقيت جهود أولئك الرجال الذين اهتموا بتعليم القرآن الكريم وعلومه وعلوم الحديث وبعض علوم اللغة العربية في نفس الإطار، ولهذا فإن من يتتبع قضية التعليم في هذه القارة يجد أنها ظلت محصورة في مجال الخلاوي والكتاتيب كما ذكرنا، ولم تتطور، وحتى الكتب الخاصة بالتعليم العربي والإسلامي محدودة وقديمة في بعض الأحيان ولا تواكب تطورات العصر الحديث، ولهذا ظل التعليم العربي والإسلامي عامة ضعيفًا وقليل الموارد، بل ومنقطع الموارد من الناحية الثقافية ومن الناحية المادية أيضًا، فلم يُدعم الدعم الكافي ولم يُمول، وكذلك لم تُؤلف كتب حديثة تساعد أبناء أفريقيا على أن يخطوا بخطوات جادة في هذا المجال.

بكل أسف لم تستطع اللغة العربية أن تصبح لغة التخاطب بين الناس عامة، وانحصرت في مجالات مختلفة واقتصرت على حدود أولئك الذين يقومون بالتعليم في المساجد أو يؤمُّون الناس في الصلاة، وبدأت تنحسر تدريجيًّا وتحل محلها لغات أجنبية، وذلك بسبب عدم تواصل العرب مع هؤلاء الأشقاء، وعدم دفع تعليم اللغة العربية والحرص على انتشارها، وخاصة في هذه المراحل التي نعيشها اليوم والتي يتطلع فيها أبناء أفريقيا إلى من يدعم جهودهم في مجال تعليم اللغة العربية واستخدام الوسائل الحديثة لانتشارها.

هناك قضية هامة أخرى وهي أن فرص التعليم لأبناء أفريقيا في الدول العربية قلت وضعفت ولم يتبق إلا في دول محدودة، ولا شك أن من أخطر الإجراءات التي اتخذت في الفترة الأخيرة هي عدم قبول أبناء أفريقيا بنفس المستوى الذي كانوا يقبلون فيه، خاصة في المملكة العربية السعودية؛ لأن دراسة هؤلاء في الحرمين الشريفين كان لها الأثر الأكبر بعد عودتهم، وأتمنى أن تعاد الفرصة لهم في جامعات المملكة كجامعة الرياض وجامعة الإمام وجامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم القرى، بل وحتى كلية البترول والثروة المعدنية وجامعة الملك فيصل؛ لأن مثل هذه الجامعات التي يأخذون فيها بأسباب العلم الحديث ويتربون مع زملائهم في المملكة العربية السعودية عندما يعودوا تدفعهم دفعات كبيرة ومهمة وتعطيهم فرصة لأخذ دورهم في القيادات الإدارية والاقتصادية في بلادهم.

وكنتيجة أخرى لغفلة البلاد العربية والإسلامية عن أمور التعليم في القارة الأفريقية، انحصر التعليم في كثير من المجالات بين فئات محدودة، بدأ بينها في بعض الأحيان الخلاف والتناحر، وهذا أثر على مسيرة التعليم في هذه المناطق وشوه صورة التعليم الإسلامي في أعين الشباب، وكان له آثار سلبية بكل أسف، إذن فالمسألة ضعف الإمكانات والفصول الضيقة وعدم وجود الكتب واللوازم المدرسية، كل هذه الأمور ساهمت في ضعف موارد التعليم العربي الإسلامي، في وقت تصدت فيه الكنائس بكل ما أوتيت من قوة لدعم مجالات التعليم والاستفادة منه، وإعطاء أبناء المسيحيين الفرصة للتعليم داخل البلاد وخارجها، وإعطائهم الأولوية في البعثات، مما سبب ضعف التعليم الإسلامي ككل في القارة الأفريقية، وبعض المناطق جعل الصفوة القيادية من أولئك الذين تعلموا في البلاد الأوروبية، ودرسوا اللغات الأجنبية كما ذكرنا، وهؤلاء نظرتهم إلى أولئك الذين تعلموا تعليمًا عربيًّا وإسلاميًّا نظرة دونية في كثير من الأحيان.

ومما هو مؤسف حقيقة أن عملية إبعاد الثقافة العربية والإسلامية عن الساحة الفكرية أخذت طابع الهجوم والحرص على عدم تمكين رواد هذه الثقافة من المشاركة في البناء الوطني بأي شكل من الأشكال، أو على الأقل إضعاف هذه المساهمة: “إن التحديات التي تواجه المثقفين باللغة العربية تحديات ثقافية بكل أبعادها ومشتقاتها، فمنذ فترة الاستقلال صارت الحملات الفكرية تشن ضد كل من ينتمي إلى الثقافة الإسلامية، وتطلق من حوله صفارات الإنذار تحذره من مستقبل مظلم عقيم، وفي عرفهم إن الثقافة العربية توصل إلى الشعوذة والدجل، وقد ساعد في إنجاح هذه الدعاوى ذات التمييز الثقافي ضعف التعليم العربي في القارة وعدم مواكبته لمتطلبات العصر، واستغلوا هذا الضعف في جانب التعليم الإسلامي لتصوير المثقف بالثقافة العربية أمام الرأي الأفريقي على أنه درويش الزمان ينقصه التفكير العلمي والحس السياسي بل والنظرة المنطقية للحياة.

ومما يؤسف له أنك لو زرت أي دولة أفريقية وأطلعت على أحوال المدارس العربية الإسلامية فيها فإن الأسى والحزن والإحباط يضرب قلبك ويدمع عينك، وقد لمست ذلك أثناء زيارتي إلى سبع دول أفريقية ومعرفتي السابقة لأربع دول أخرى، ولا تستطيع أن تجد فروقًا بين مستويات المدارس في هذه الدول، فالتشابه قائم بينها، فأحوال المدارس الإسلامية في كثير من أنحاء القارة الأفريقية تصيب المرء باليأس، مع ملاحظة قلة هذه المدارس وأحوالها السيئة، حيث يُجمع التلاميذ في فصول ضيقة، ونقص الكتب المدرسية، وفقدان المدرس الكفء، وغلاء الأدوات المدرسية ورسوم الدراسة التي يعجز عن دفعها كثير من أولياء التلاميذ، ناهيك عن مشكلة مواصلة التعليم المتوسط والثانوي، فرغم كثرة هذه المدارس وانتشارها، والجهد الجبار الذي يبذله القائمون عليها، فإن التعليم الإسلامي في معظمها لم يتجاوز المرحلة الابتدائية، كما لا تزال مناهجها تعاني عدم التناسب مع الاحتياجات المعاصرة، ولم تستطع تجاوز هذه العقبات إلا بعض الدول، وهي دول قليلة لا تتجاوز أصابع اليدين.فهل يعتد بهذا العدد القليل في هذه القارة الفسيحة؟ والمشكلة الكأداء أننا نجد واحدًا أو اثنين فقط من تلاميذ مدارسهم ممن ينهون تعليمهم الابتدائي يجدون الفرصة للسفر إلى الدول العربية لمواصلة التعليم المتوسط والعالي، وبذلك فإن الآمال ليست كبيرة أمام العدد الكبير من التلاميذ لأخذ فرصتهم للانضمام إلى صفوف المثقفين، وخاصة أن الدول العربية ليست مستعدة الآن لاستقبال عدد كبير من أبناء القارة، والأدهى والأمر أن بعض الدول العربية قد تستقبل مشكورة بعضًا من هؤلاء التلاميذ في المراحل التعليمية المتوسطة والثانوية، بعدها يسحبون أيديهم عنهم ليتيهوا ويهيموا إلى هنا وهناك، والمحظوظ يرجع إلى وطنه لينخرط في سلك التدريس أو يطلب عملاً في الدولة التي قدم إليها من أجل الحصول على التعليم العالي، وهذا كثير في الدول الخليجية، وأخطر ما في الأمر إذا ذهب مثل هؤلاء إلى الدول الغربية لمواصلة تعليمه، فهناك -والعياذ بالله- يتراجع بعضهم عن عقيدته ويبغض الثقافة الإسلامية ويبث أفكارًا غربية تسيء إلى الإسلام في أوساط المسلمين وفي ديار الغربة، وعند عودتهم من بلاد الغرب إلى وطنهم يتنكر لثقافته الإسلامية ويخفي معرفته لها”[11].

وبعد أن تجلت هذه الحقائق المؤلمة أمامكم، فما بقي علينا إلا أن نقوم جميعًا بالواجب الملقى على عاتقنا، وأول واجب هو أن نفكر تفكيرًا جيدًا للعمل في النهضة بالتعليم الإسلامي والارتقاء به نحو التعليم المتوسط والثانوي، وإنشاء المدارس المهنية والمراكز الاجتماعية والتعليم الزراعي، وعلينا نسيان الذات وإعطاء الأولوية لنشر الثقافة الإسلامية في القارة، وليكن في علمنا أنه مهما طال الأمد وبعد، فإن هذه اللغة ستأخذ دورها، وذلك بسبب الزيادة المضطردة في عدد الطلبة المنتشرين في البلاد العربية، وشعورهم المتزايد بالظلم والقهر، فيشكلان -حسب قانون المقدمات والنتائج- خطرًا واقعًا في ساحة المنافسة الثقافية في القارة، لذا فإن إهمالنا لمشكلة نشر الثقافة الإسلامية من الآن، وتوفير روافدها وتيسير سبلها، قد يؤخر التعليم الإسلامي من أخذ دوره، ونكون بالتالي مقصرين في حق ديننا الحنيف، إذا كنا نعلم أن اللغة ظاهرة اجتماعية تنمو بنمو المجتمع وتضمحل باضمحلاله ثم تذهب تمامًا بذهاب المؤمنين بها، وإيماننا باللغة العربية هو ارتباطنا بالقرآن الكريم الذي شاء الله أن ينزل بهذه اللغة، وقد قال سبحانه وتعالى: “وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا”[12].

فالمعوقات التي تطارد التعليم الإسلامي في القارة هي تقصيرنا ونشاط أعدائنا وحرصهم على أداء واجبهم، إذن فالعيب فينا وليس في هذه اللغة الجميلة، وما على المتخصصين إلا العمل بإخلاص لرفع هذه اللغة لتأخذ مكانتها، وذلك بالإنفاق على تأسيس المدارس والعناية بما هو قائم منها، وتحسين مناهجها، وتوفير الكتب لها، وإيفاد المدرسين الأكفاء من جميع التخصصات، وخاصة التخصصات المهنية والزراعية، ويجدر بي هنا أن أوضح أن مشاكل المناهج المتعددة في ساحة التعليم الإسلامي هي من المعوقات الأساسية التي أدت إلى تراجع هذه اللغة.

وهناك تغيرات طرأت على التعليم في المدارس القرآنية والخلاوي في بعض المناطق في أفريقيا، ولكنها بكل أسف ليست كافية: “ومما لا شك فيه أن تغييرًا وصحوة طرأت على القارة بعد الحربين العالميتين كان لها قوة دفع نحو تعليم أفضل في المدارس القرآنية، وإيجاد رجال ذوي نفوس حية سعوا إلى إدخال وتغيير أسلوب التعليم في المدارس الإسلامية، فركزوا على القرآن الكريم وتفسيره والفقه الإسلامي والكتب الصوفية والأدبية، وأدخلوا إصلاحات كثيرة وأجازوا تعليم بعض العلوم العصرية والفلسفات والتوحيد، ومنذ ذلك الزمن تنفست الجماعات الإسلامية الصعداء وتخلصت من المراقبة والمضايقة الشديدة على علماء المسلمين، وبدأت عودة أبناء القارة المهاجرين إلى بلاد العرب بوعي وتنوير وعلم وإدراك لمشكلات المجتمع الإسلامي، فعملوا على فتح مدارس نموذجية حديثة على غرار ما رأوها في بلاد العرب، وبما أن الحياة كانت بسيطة بوجه عام في محيطات الأسرة والعائلة، فقد ساعد ذلك على إقامة المدارس وجمع أبناء المسلمين فيها، وانحصرت المناهج على الجانب الأدبي واللغوي زيادة على العلوم الشرعية المبسطة، ومضى وقت على هذا المنوال دون اهتمام باللغات الأوروبية التي اتخذتها الحكومات كلغة رسمية لها، خوفًا من اضمحلال القيم الدينية، واستمر التعليم الإسلامي على هذا الحال سنين عديدة بل وما زال على هذا الجانب في كثير من المدارس الإسلامية، وخرجت بعضها على هذا الخط وحدثت تغيرات طفيفة من حيث إدخال اللغات الأوروبية على مناهجها، وكان من الواجب وقوف هذه الجهات بجانب تلك المدارس التي أقدمت على هذه الخطوة، إلا إنه لم يحدث ذلك، وبالتالي لم يحصلوا على المعونة الحكومية التي كانوا يسعون إليها، وقد أحدث الإقدام على مثل هذا العمل ضعفًا في هذه المدارس من ناحية الاندماج بين الثقافتين الإسلامية والأوروبية، وبطبيعة الحال الضعف الكبير حصل في الدراسات الإسلامية، حيث الشارع يساعد التلاميذ على ازدياد معرفتهم باللغة الأوروبية المتبعة في مدرستهم، مع الضآلة العلمية في العلوم؛ لأن المدرسين الذين استعانت بهم تلك المدارس لم يكونوا على كفاءة علمية جيدة، فأغلبهم من المستوى الإعدادي أو الثانوي، وكره كثير من المسلمين ازدواجية المناهج في تلك المدارس ولم تحصل على تشجيعهم، مما كان سببًا في تقهقرها وبقائها على نفس الخط الذي تسير عليه المدارس الإسلامية، ولم تحظ بأية ميزة على غيرها من المدارس العربية.

إن المشكلات التي تواجه التعليم الإسلامي في أفريقيا هي أنه قد تبين أن لغة المستعمرين ستبقى لغة التداول على الساحة الأفريقية لأزمنة طويلة، ولا يظهر حتى الآن أن مركزها كلغات رسمية سيتراجع أمام المحاولات العديدة التي يبذلها المثقفون لاتخاذ اللغات الأفريقية كلغات رسمية في الدوائر؛ وذلك لتعددها وعوامل الغيرة والتنافس بين القبائل للغاتهم، وصعوبة كتابة المفردات العلمية بها”[13].

ولهذا فقد أصبح دور المثقفين باللغة العربية خاصة داخل أفريقيا -كما يقول الأخ كوني عبد الرحمن في حديثه عن أزمة التعليم الإسلامي في أفريقيا- ويحدد دور المثقفين باللغة العربية فيقول: “ونحن بدورنا كمثقفين باللغة العربية علينا العمل لإرساء أسس جديدة لإبقاء هذه اللغة على الساحة الثقافية في القارة الأفريقية، ولا بد أن نبذل الجهود لإنجاح هذا السعي بعد علمنا بثبات أقدام اللغات الأوروبية، والمحاولات التي تبذل لجعل اللغات الأفريقية بديلاً عن الأوروبية، وإن كنت أشجع هذا السعي لكن أحبذ أن تأخذ العربية مكانتها بجانبها؛ لأن نسبة كبيرة من سكان القارة تدين لهذه اللغة بحكم ارتباطها بالقرآن الكريم الذي لابد من تلاوته بالعربية، وعلينا العمل بجدية وإخلاص لوضع مناهج متطورة، وتدريب المدرسين بصورة جيدة للعمل على توفير الكتب والأدوات الدراسية، وحث أصحاب المدارس على توحيد المناهج على ضوء ما سيضعه المتخصصون لمستقبل التعليم الإسلامي في أفريقيا.

كذلك علينا أن نساعد في إقامة المعاهد الإعدادية والثانوية، وإيفاد المدرسين على نفقة الدول الإسلامية والمحسنين والمؤسسات الخيرية الإسلامية لسد العجز في ذلك الجانب، وبهذا نكون قد وضعنا اللبنة المتينة لنهضة المدارس الإسلامية، ودعمنا روابط الأخوة الإسلامية بين أبناء العالم الإسلامي، ولن يضيع أجر من أحسن عملاً”[14].

هناك ناحية مهمة أيضًا في موضوع تعليم المرأة وموقف بعض المؤسسات التي ساهمت في تعليم المرأة في أفريقيا، ولكن في إطار محدود، ولم يهتم بقضية تعلم المرأة ودورها الاهتمام الكافي، مما أتاح الفرصة للجماعات التنصيرية باتهام الثقافة العربية والإسلامية أنها ثقافة لا تهتم بالمرأة وتنظر إليها نظرة دونية، وبهذا شوهوا نظرة الإسلام إلى المرأة بشكل كبير لصالح مجال الثقافة الأوروبية، ولهذا ما أن وجدت المرأة حريتها خلال أيام الاستعمار حتى رأيناها تنبذ العادات والتقاليد الإسلامية وتنظر إليها نظرة دونية؛ لأننا لم نطور أنفسنا في هذا المجال مع أننا في أمس الحاجة للمرأة وإلى دورها الإيجابي في هذه العملية، ولهذا فإن نظرة جادة نحو المدارس القرآنية وتطويرها واجب، وتطوير الخلاوي التي تقوم بعملية التدريس، ونظرة شمولية إلى تطوير عملية التعليم العربي والإسلامي؛ لأن استمرارية المدارس القديمة على طريقتها التقليدية رغم سلبيتها هو أمر يسيء إلى مستقبل اللغة العربية وعلومها، ويؤثر تأثيرًا سلبيًّا على مستقبل التعليم العربي والإسلامي في هذه القارة، ولابد من أن نقنع أولئك الشيوخ والعلماء الذين يهتمون بهذه المدارس ونساعدهم على إزالة السلبيات التي علقت بهذه المدارس حتى تأخذ دورها وحظها ونصيبها، حتى يصبح المتخرج منها رجلًا أو امرأةً مؤهلاً لعمل مثمر وبناء.

ولابد من إقناعهم بإدخال القرآن في المدارس النظامية، وتطوير هذه الخلاوي بصورة تحقق الهدف الذي ننشده من تعليم هؤلاء القرآن، وليس مجرد ترديد القرآن دون فهم لعلومه وتجويده وثقافته؛ لأننا بهذه الحال نجعل الشاب يتخرج وهو على غير علم بعلوم القرآن الكريم، وإنما مجرد حفظ آيات قرآنية بدون فهم أو بدون وعي، وهو أمر لا يحقق ما نصبو إليه بأي شكل من الأشكال.

وبعدُ… فهذه هي أفريقيا، القارة السمراء التي كانت يومًا قريبةَ القلب، نابضةَ العطاء، فإذا بها اليوم تقف على عتبة اغترابٍ مريرٍ عنّا. هناك، حيث دارت رحى الاستفتاء، رأينا بعيونٍ دامعةٍ كيف تراجع حضورنا حتى غدونا ظلاً باهتًا على أطراف المشهد، بينما اندفع الآخرون إليها بخطىٍ واثقةٍ وعزمٍ لا يلين، فملؤوا الفراغ الذي تركناه، وبسطوا نفوذهم على الأرض والعقول معًا.

ومن يتأمل المشهد بعمقٍ، لا يسعه إلا أن يستشعر الخطر الداهم علينا وعليهم جميعًا؛ فهؤلاء الأقوام يتعرضون لضغوطٍ شرسةٍ تُحاول اقتلاعهم من جذورهم، وتفصم ما بينهم وبين لغة القرآن التي ربطت مصيرهم بمصيرنا قرونًا طويلة.

أما نحن، فبكل أسف، نقف موقف المتفرج الكسول؛ لا نحرك ساكنًا، ولا نضيف إلى الموقف سوى سلبيةٍ قاتلةٍ ولا مبالاةٍ تُميتُ الرجاء في النفوس.

إن أفريقيا تبتعدُ عنا خطوةً بعد خطوة، حتى يُخشى أن نصحو يومًا على أندلسٍ جديدةٍ تضيع من بين أيدينا لا بفعل الآخرين، بل بتقصيرنا نحن… ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الحواشي

[1] : تقرير الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، 1990م.

[2] : تصريح للبروفيسور أديبايو أديديجي، السكرتير التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، 1991م.

[3] : مجلة “أفريقيا اليوم”، العدد 45، 1992م.

[4] : تقرير البنك الدولي حول التجارة والتنمية في أفريقيا، 1993م.

[5] : دراسة للمستشار الاقتصادي د. عبد الله التركي، “التعاون العربي الأفريقي”، 1994م.

[6] : مقال بعنوان “التكامل الاقتصادي العربي الأفريقي”، مجلة “الاقتصاد الإسلامي”، العدد 22، 1995م.

[7] : سورة النحل، الآية: 125.

[8] : مجلة الخدمات الصحفية في عموم أفريقيا (All AFRICA PRESS SERVICE)، مايو 1993م.

[9] : مجلة القلم ضد السيف (THE PEN VS. THE SWORD)، لوس أنجلوس، العدد 7، 1994م.

[10] : د. عمر جاه، “التعليم الإسلامي في أفريقيا: التحديات والآفاق”، 1993م.

[11] : تقرير “أزمة التعليم الإسلامي في أفريقيا”، إعداد مجموعة من الباحثين، 1994م.

[12] : سورة طه، الآية: 113.

[13] : دراسة ميدانية حول “واقع التعليم الإسلامي في أفريقيا”، مركز البحوث الأفريقية، 1992م.

[14] : كوني عبد الرحمن، “دور المثقفين العرب في دعم التعليم الإسلامي بأفريقيا”، مجلة “الوعي الإسلامي”، العدد 180، 1995م.