لا شك أن قضية المرأة ودورها في مجتمعاتنا الإسلامية ، يبدأ من التعليم وإعدادها لهذا الدور الذي أكرمها الله به وكرمها، وأوصانا بأن نعطيها حقوقها ونعنى بها، ومن هنا فواجبنا في مناهجنا التعليمية أن نهتم بهذا الجانب وأن نستفيد من كل إمكاناتنا وطاقاتنا، وأن نأخذ في اعتبارنا أن المرأة نصف المجتمع، وأن نخطط بكل مسئولية وأمانة ونظرة مستقبلية للاستفادة من طاقات النساء؛ لأنهن شقائق الرجال، فهناك الآلاف من بناتنا يتخرجن كل عام من الجامعات، ومئات الآلاف ينخرطن في مراحل التعليم المختلفة، وتمتلئ المنازل بهذه البراعم التي تشكل نصف المجتمع، ولكن يبقى السؤال المهم دائمًا: ماذا عملنا لهؤلاء البنات؟؟ وإلى أي مدى خططنا لاستيعابهن بطريقة صحيحة تحقق الهدف الأسمى الذي نسعى إليه جميعًا من وضع المرأة في مكانها الصحيح، والاستفادة منها بطريقة صحيحة وإعطائها حقها كاملاً في الحياة الكريمة وإعطائها الفرصة الصحيحة والصحية لخدمة بلادها وأمتها، وعلى أساس أن نعطيها ما أعطاها الله، ومن منطلق أن المجتمع يتكون من ذكر وأنثى، وأن لكل فئة حقها، ولكل فئة دورها، وأن من الواجب أن نلتفت لقضايا هذا الشق الهام من المجتمع الذي بدونه لا تكتمل الصورة المثلى، ولا تتحقق أهداف المجتمع العليا؛ لأنها نصف المجتمع، وللأنثى حقوقها على هذا المجتمع، فلا بد أن نعطيها ما أعطاها الله من حقوق كاملة غير منقوصة، ونكرمها كما كرمها رسول الله ﷺ، وكما كرمها خلفاء الرسول ﷺ والتابعون.
والحقيقة ونحن نتطلع إلى المستقبل لا بد من عنايتنا بصورة أكبر بقضية المرأة وعملها وإعطائها الفرصة للمساهمة بأدوار إيجابية، خصوصًا بعد أن تعلمت وتأهلت وأصبحت قادرة على العطاء.
ولا بد من توسيع مجالات عملها في إطار المنهج والسياسة ولكن بانطلاقة واعية تسمح لها بالمشاركة في خدمة بلادها ووطنها وأمتها، فالقرن القادم يحتاج منا إلى تضافر الجهود وتجميع الطاقات والتحرك نحو الأهداف برؤية واضحة وخطط سليمة وطاقات مؤهلة وفاعلة حتى نحقق أهدافنا ونتبوأ مكانتنا المناسبة. ولا بد أن ننطلق من نفس المنطلق الذي ضرب الله لنا به الأمثال: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ﴿١﴾ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ﴿٢﴾ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ ﴿٣﴾ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴿٤﴾}[¹] .
وفي هذا يوضح الله عز وجل لنا أن للمرأة في المجتمع دورًا يجب أن تؤديه، ولا تُزاحَم فيه، وأن تنفرد به، وأن القضية واضحة وضوح الشمس في كبد النهار، فكما أن لليل وظيفة، وللنهار وظيفة، فإن للمرأة وظيفة وللرجل وظيفة، ويجب ألا يطغى ولا يستأثر أحدهما بعمل الآخر، ولا يظلمه ولا يحقره ولا يهضمه من حقوقه شيئًا؛ لأن النساء شقائق الرجال، ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف.
ونحن بهذا نصل إلى حقيقة مهمة وهي أن تعليم المرأة يمثل أحد اهم مفاتيح النهضة القادمة، وأساسي لأي تحرك في اتجاه تطوير عالمنا الإسلامي، وواقع التعليم في بلادنا يحتاج إلى عناية ومعالجة حكيمة، ونظرات جادة، وخطوات موفقة تأخذ بيد التعليم وتطوره كمًا وكيفًا ومنهجًا، وأساتذة وطلاب وبيئة جامعية وسلوك علمي وتربوي وأخلاقي سليم، يمكِّننا من بناء تعليم راشد وقوي، يؤهلنا من دخول القرن القادم بثقة أكبر، وقدرات أفضل.
وواجبنا ونحن نخطط للمرحلة القادمة أن نلتفت دائمًا إلى مدرسة رسول الله ﷺ وكيف ربى صحابته الكرام، وكيف علمهم، ثم نأخذ بأسباب العلم الحديث والتطور التقني والتكنولوجي، وثورة الاتصال في العالم، ونستفيد من كل ذلك لصياغة تعليم جديد ينهض بالرجل والمرأة معًا، ويمنح المرأة المسلمة من التأهيل العلمي والتربوي ما يعينها على أداء رسالتها في الأسرة والمجتمع، ويؤهلها للمشاركة الفاعلة في نهضة أمتها وفق تعاليم الإسلام ومقاصده
لقد تخلفنا عندما تنكرنا للعلم، وضعفت مراكز التعليم، وأغفلنا دور البحث العلمي وهمشناه، وقد تأثر تعليم المرأة والرجل من نتائج ذلك وبعدت الأمة عن روح العلم، وأقبل الناس على دراسات لا روح فيها ولا علم صحيح، وإنما قوالب متكررة يتخرج منها الطلاب كيفما اتفق دون أن يتعلموا علمًا صحيحًا أو تكون لديهم القدرة على البحث والاستنباط، فقد أصبحنا نركز على الكم وليس الكيف.
لقد لعب التعليم دورًا أساسيًا في نهضة أوروبا في القرن التاسع عشر، ولعب التعليم دورًا أساسيًا في نهضة اليابان في عصر ميجي وما تلاه، وبكل أسف أصبحت الفجوة بيننا وبين العالم الآخر كبيرة، بل وأخذت تتسع، وشعر الناس بأن التعليم لا يحقق الآمال المرجوة، مع أنه أداة أساسية للتقدم الحضاري، وظللنا بكل أسف نركز على الحفظ والاستظهار دون عناية بالبحث والإبداع، وأساتذتنا في كثير من جامعاتنا تحكمهم قوالب محددة وطلابنا يتسابقون في انتظار شهادة يحملونها، وواقع السياسات التعليمية ضعيف وغير مؤهل لتحقيق أهداف الأمة أو اللحاق بالركب. وبكل أسف فإن تدهور التنمية سببه التعليم؛ فهو لا يواكب متطلبات النهضة الاقتصادية ولا التنمية الاجتماعية، ولو أحسن العالم الإسلامي الاستثمار في تعليم المرأة كما استثمر في تعليم الرجل، وأتاح لها فرص التعلم والإبداع والبحث العلمي، لأصبحت عنصرًا رئيسًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولأسهمت في تقليص الفجوة الحضارية بين أمتنا وغيرها من الأمم.
إننا ننتج قوى بشرية غير قادرة على الإنتاج، ولا تحترم العمل؛ لأن تعليمنا لا يساهم في نقل التكنولوجيا وتوطينها، وجامعاتنا في العالم الإسلامي تراوح بين سوء التخطيط وعجز المناهج وضعف المدرسين وغياب السلوك الجامعي القويم.
ثم هناك ضعف التعاون بين الجامعات العربية والإسلامية والصلات بينها أصبحت مفقودة إلا في إطار اتفاقيات وبروتوكولات لا قيمة لها.
إن القرن القادم قرن يحكمه التعليم وتسيطر عليه المعلومة، ومن يملك المعلومة يملك القوة، ومن العار أن نظل في مقاعد الزبائن، وفي يدنا هذا المنهج السماوي الكبير “الإسلام”. ومن هنا فواجبنا أن نأخذ منه بأسباب العلم ونسير على هدى من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده.
ولا بد أن نتعامل مع العقل العربي بصورة أفضل، فقد تحرر العقل ولم يعد يقبل النصوص الجامدة، بل يحتاج إلى مناقشة فكرية وتطارح فكر بفكر، والعلماء مسئولون عن انحرافات الشباب بإهمال الحوار معهم.
إن من واجبنا في جامعاتنا وتعليمنا بصورة عامة أن نقدم القرآن والسنة بصورة تصل إلى العقول، وبلغات يفهمها الناس، وأن نخاطبهم على قدر عقولهم، ولا بد من نظرات جادة في جامعاتنا إلى الفقه والاهتمام به كوسيلة من وسائل الاجتهاد حتى يتمشى مع واقع الأمة ويلبي حاجاتها وخاصة في ضوء مستجدات الأحداث والمتغيرات.
ختاما إن مستقبل العالم الإسلامي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل تعليم المرأة؛ فهي المدرسة الأولى، والأم المربية، والشريك في بناء المجتمع. وكل استثمار في تعليمها استثمار في الأسرة والأمة والأجيال القادمة. وإذا أردنا نهضة حقيقية تستند إلى قيم الإسلام، فلا بد أن يكون تعليم المرأة في مقدمة أولوياتنا، إعدادًا وتأهيلاً وتمكينًا، حتى تؤدي رسالتها كاملة في نهضة وطنها وأمتها، في إطار هويتها الإسلامية وقيمها الأصيلة ، فمعركتنا القادمة هي تحديات قيم، وتحديات مبادئ، وتحديات تعليم وتحديات اقتصاد وإنتاجية، ولا بد أن نلعب دورنا كاملاً، وطريقنا هو تعليم صحيح ينطلق من جذورنا، ويعتمد على مبادئنا، ويأخذ بأسباب التطور من حولنا.
الحواشي
[¹] سورة الليل: الآيات ١-٤
