لا تحرموا أولادكم من متعة العطلة

الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، ونُصلي ونسلِّم على الرسول النبيِّ معلِّم هذه الأمة الخير.. وإنني أنتهز فرصة قُدوم العطلة الصيفية لأقول كلمة حق لا بد منها في قضية أولادنا بنين وبنات، وحقهم في أن يستمتعوا بالعطلة الصيفية، وأن تكون فترة راحة لهم من جِدِّيَّة الدراسة وصَرامة مواعيد المدرسة والجهد الذي يُبذل من قِبَلهم، فإذا جاءت العطلة كان من واجب الآباء والأمهات أن يخططوا لراحة أولادهم وإسعادهم، وإعطائهم الفرصة الكافية للاستمتاع بهذه العطلة وممارسة النشاطات الرياضية والثقافية والاجتماعية بعيداً عن الجو الدراسي.. وأقرب ما يكون إلى جو المتعة والترفيه وعمل الأشياء التي يرتاحون إليها دون تضييق عليهم..

ولا شك أن من أهم أهدافنا أن نُعين أولادنا على الاستفادة من العطلة بما يعود عليهم بالنفع، فبعض الآباء يُغالي في الأمر وينحى منحى قد لا يتفق مع الهدف التربوي من هذه العطلة، فيكون أول ما يتبادر إلى تفكيره هو إلحاق ابنه بمعاهد اللغة الإنجليزية أو الحاسب الآلي أو ما شابه ذلك من العلوم التي يرى أنها تساعده في مستقبل حياته الدراسية أو العلمية..

ولا شك أن هذا التفكير ينطلق من حرص الآباء على تطوير قدرات أبنائهم، رغم ما قد يكون لمثل هذا الأمر من مردود سلبي على العملية التربوية بمجملها وتضييق على الأبناء. إن أول أهداف العطلة الدراسية هو تحرير الطالب من الالتزامات الدراسية التي قضى فيها الجزء الأطول من العام، وإتاحة الفرصة له لأخذ قسط من الراحة والاستمتاع بمباهج الحياة المشروعة التي حُرِم منها طيلة العام الدراسي؛ حتى يُقبل على العام الدراسي التالي بكلِّ الهِمَّة والنشاط، وصَدَقَ المصطفى ﷺ حيث يقول: “رُوحُوا القُلُوبَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، فَإِنَّ القَلْبَ إِذَا كُلَّ عَمِيَ”[¹].

أنا لا أنادي بألا يستفيد الطالب من العطلة في التحصيل العلمي، ولكن هذا التحصيل إن أُريد له أن يؤتي ثماره، يجب ألا يتم حال انتهاء العام الدراسي وبنفس جِدِّيَّة العام الدراسي، وإنما يجب أن نتيح للطالب في البداية فرصة من الوقت نحاول أن نحقق خلالها كثيراً من الأمور التي قد لا تسمح الفرص بتحقيقها طيلة العام الدراسي.

ويأتي على رأس قائمة الأهداف المرجوة التئام شمل الأسرة التي قلَّ أن يجتمع أفرادها في جو عائلي كاف طيلة العام؛ إذ إن كل منهم مشغول إما بعمله أو بدراسته، فهي فرصة لأن يقضي الآباء مع أبنائهم وقتاً طويلاً يَطَّلِعُ خلاله الوالدان على مشاكل أبنائهم، وتوجيههم إلى السلوك الصحيح، وغرس العادات الحسنة لديهم، ومناقشة كافة شؤوننا الحياتية.

والعطلة الدراسية فرصة يمكن أن نحقق من خلالها هدفاً إسلامياً نبيلاً أوصانا به سيدنا رسول الله ﷺ، ذلكم هو صلة الرحم، تلك الخصلة التي غفل عنها الكثيرون رغم أن الابتعاد عنها أمر جلل لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَهَلْ عَسِيتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾[²].

وفي العطلة الدراسية فرصة لاصطحاب الأسر لأداء العمرة وزيارة مسجد سيدنا رسول الله ﷺ والوقوف على قبره الشريف ثم زيارة معالم البلاد وآثارها.

إن من واجبنا أن نزيد تحصيل أبنائنا للمعارف الشرعية والاجتماعية، وأن نوجه سلوكهم بما يحقق لهم الشعور بالذات والانصهار في المجتمع.

وفي خضم ذلك كله يمكن أن نترك له الخيار ليلتحق بما يشاء من دورات تعليمية أو أندية رياضية أو حضور حلقات تحفيظ القرآن أو ممارسة ما شاء من الأنشطة المشروعة، شرط ألا نُكرهه على ذلك، أو نشعره بعدم الرضا.

وختاماً فإني أهمس للآباء والأمهات وأقول لهم بكل صراحة: لا تحرموا أولادكم من حق الاستمتاع بالعطلات، وخاصة العطلة الصيفية، وأعطوهم الحق في قضاء أوقات ممتعة تحت إشرافكم، ورتبوا لهم البرامج التي تجمعكم بهم وبأهلهم وأرحامهم وذويهم وأصدقائهم، ثم لا تبخلوا عليهم ببرامج رياضية وثقافية تتناسب مع راحتهم وقدراتهم على الاستمتاع.. إنها حق من حقوقهم فلا تحرموهم هذا الحق..

ومن ينظر بعمق في ذلك يجد أن الفائدة ستكون أكبر في مثل هذا الجو لكل ما يأتي بعد ذلك من برامج تحفيظ للقرآن الكريم أو جلسات للحديث النبوي أو السيرة النبوية الشريفة أو الثقافة العامة أو النشاطات الرياضية وغير ذلك.. فأعطوهم حقهم ولا تحرموهم من الاستمتاع بإجازتهم..

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الحواشي

[¹] حديث شريف رواه أبو داود في سننه.

[²] سورة محمد، الآية: 22.