الكاتب والكتاب السعودي وأهمية الدعم

أحسنت جامعة الملك عبد العزيز صنعًا عندما خصصت ندوة خاصة للكتاب والطباعة، ودعت إليها صفوة من رجال العلم والمهتمين بهذا الجانب، وعلى رأسهم الأخ الدكتور يحيى ساعاتي والأخ الدكتور عباس طاشكندي، وأدار الحوار الأخ الدكتور هشام بن عبد الله العباس، وقد كنت أعزم التعليق عليها لولا ظروف سفري التي حالت دون ذلك وأخرت مشاركتي.

وقد ألقى الأستاذان الكريمان الضوء على هذه القضية وتاريخ الطباعة في بلادنا على وجه الخصوص وفي منطقتنا، وكان حديثًا شيقًا وخاصة عندما ذكرا أن أول مطابع أنشئت في المنطقة كانت في صنعاء أيام الدولة العثمانية، ثم بعدها في الحجاز أيضًا أيام الحكم العثماني، وأن هذه المطابع قد أسست من أجل الفرمانات التركية وإبلاغها للجهات المتخصصة، ولكن المناخ كان مناخًا صحيًا فسمح بطباعة الكثير من الكتب التي كان الناس يسهرون ليالي طويلة على نسخها وإعدادها، فجاءت فترة الطباعة هذه كقفزة كبيرة، وطبع في عام واحد ما يزيد عن عشرة كتب من أمهات الكتب التي كان الناس في حاجة إليها، ثم أوضح كيف أن الشيخ حمد الجاسر تقدم للملك سعود رحمه الله بطلب أن تنشأ مطبعة في الرياض لأن وجود المطابع في منطقة الحجاز ساهم في نشر الثقافة وفي إحياء الدور الثقافي وفي تجمع الأدباء وتجميع إنتاجهم ونشره فوافق الملك سعود وأنشئت أول مطبعة عام 1372هـ وكانت فاتحة المطابع التي بلغت الآن 70 دارًا للطباعة في مدينة الرياض.

وبعد ذلك بدأ الحديث حول قضيتنا الأساسية والكتاب وكيف أن الأجيال اليوم تحتاج إلى همة عالية في الأخذ بيدها وتعويدها على قراءة الكتاب والاهتمام بالكتاب، والناحية الأخرى المهمة أن الكتاب السعودي لا يلقى التشجيع الكافي والاهتمام الكافي ولا شك في أن هناك جهات حكومية كثيرة تحاول دعم الكتاب وشراء نسخ منه ولكن هذه النسخ تبقى مودعة في مخازن الوزارات ولا توزع إلا بطريقة عشوائية، ولا تحقق الهدف الذي من أجله اشتريت هذه النسخ ولا توزع لجهات خارجية أو علماء أو أدباء أو مفكرين في خارج المملكة ولهذا فإن مما يلاحظ أن انتشار الأدب السعودي والفكر السعودي محدود في الدول العربية والإسلامية، ونادرًا ما تجد من يعرف أدباء المملكة إلا أعداد محدودة من خلال الصحف السعودية التي تصل إلى البلاد العربية والإسلامية، وهي أيضًا محدودة بصورة أكبر في البلاد الإسلامية عنها في البلاد العربية، بعض البلاد العربية تقرأ صحفنا ولكن معظم الدول الإسلامية لا تصلها هذه الصحف إلا متأخرة أو محدودة أو متأخرة جدًا، فلذلك لا تحقق هذا الانتشار.

ولهذا فإن الكتاب السعودي بالتالي يعاني معاناة شديدة في مسألة التشجيع، والتشجيع هنا لا يعني أننا نشجع أي كتاب أو أي كاتب، بل إن الجهات المسئولة من واجبها أن تحسن اختيار الكتاب الذي تدعمه وتشجعه، والكاتب والعالم والأديب الذي يستحق الدعم والتشجيع وبالتالي تنشر الفكر والأدب والثقافة في البلاد العربية الأخرى وتتبادل هذه البلاد العربية الثقافات لأن في كثير من الأحيان عندما نذهب إلى بلاد عربية وإسلامية نُسأل عن الكتب ولماذا لا تصلنا كتبكم ولماذا لا تصلنا ثقافتكم، وهكذا يصبح الوضع محرجًا للكاتب السعودي الذي يجد أن إنتاجه لا يعرفه أحد إلا من رحم ربي.

هذا من ناحية ومن الناحية الأخرى أيضًا فإن السفارات السعودية والملحقيات تتعامل مع الكتاب في كثير من الأحيان بمحدودية

فتجد من السفراء من لا يهتم إلا نادرًا بمن يصل من الأدباء والمثقفين الذين ليس لهم جاه ولا منصب معين ولا وضع سياسي مهم وهكذا يظل الكاتب في تلك المدينة لا يتصل بأحد، ولا يعرف أحد، ولا يعرفه أحد ويصعب عليه أن يلتقي بالناس أو بالمؤسسات الأدبية والثقافية ونحو ذلك اللهم إلا من خلال الاتصالات الرسمية أو الوفود المنظمة الثقافية التي ترسل من رعاية الشباب أو الوزارات المختصة وهكذا.

ومن هنا فنحن نشعر أن من واجبنا العناية أكثر بالكتاب خاصة بعد أن انتشرت ولله الحمد المطابع في المملكة بصورة كبيرة وهذه فرصة خلال احتفائنا باهتمام الدول العربية والدول الإسلامية باختيار الرياض عاصمة للثقافة أن ننشر الكتاب السعودي ونعين على إيصاله للبلاد العربية والإسلامية ونعلم أولادنا كيف يقرأون الكتب وكيف يقبلون على الكتب فنحن عندما نكون في أمريكا على وجه الخصوص أو في أوروبا تجد الشباب في المدارس وخارجها وفي المطعم يحرصون على القراءة يأكل وهو يقرأ، يجلس في الحدائق العامة وهو يقرأ، يجلس على شاطئ البحر وهو يقرأ، وأولادنا لا يعرفون من الكتب إلا العدد القليل.

ولهذا فمن المهم أن نعلم الأساتذة كيف يقرأون وكيف يعلمون الأولاد بنين وبنات القراءة وحب القراءة ونركز على أهمية القراءة للجميع، ثم نشجع الكتاب وندعمه ونؤيده ونؤيد انتشاره وهكذا نستطيع أن ننهض بالثقافة والأدب والفكر في بلادنا.

وأنا ممن يعتقدون بأن قضيتنا من الأساس هي قضية تعليمية من البداية ومنذ اللحظة التي أنزل الله الكلمة الأولى {اقْرَأ} على رسول الله ﷺ، فكانت إشارة إلى أهمية القراءة والتعليم، وسبحان الله كيف كانت هي الكلمة الأولى ولم تكن سبح أو صم أو حتى اسجد، ولكنها كانت اقرأ.

ولهذا فإن التعليم هو البداية لنهضة هذه الأمة، ولا بد من توجه جاد وفاعل نحو إصلاح التعليم والعناية بقدرة هذه الأمة على القراءة الصحية.

والكتاب العربي عامة يعاني من مشاكل متعددة في محصلتها تعوق مسيرته، وتعطل حركته، ومنها بالإضافة إلى ما سبق قضية القرصنة والاعتداء على حقوق المؤلفين، حتى رأينا رسائل للدكتوراه والماجستير تسرق وتطبع وتنسب إلى غير أهلها، وبعض كتب لمؤلفين أحياء تطبع في دول أخرى بدون إذنهم، وبطبيعة الحال هناك مشاكل دور النشر التي أخذت تعاني نفس ما يعانيه المؤلف، فكم منعت كتبًا دون إيضاح الأسباب، وكم من كتب صودرت دون مسوغات، كما أن هذا التعطيل، وهذه المصادرات تضعف سوق النشر في البلاد العربية وتجعلها صغيرة ومحلية وممزقة وغير اقتصادية، والرقابة المشددة تعطل صدور الكتب، وتحول دون تنقلها في البلاد العربية، والرقابة أيضًا تبتر من بعض الكتب فتمزقها أو تشوهها دون أسباب جوهرية أو من أجل كلمة أو عبارة أو رأي لرقيب أو حتى بدون إبداء الأسباب .

وقد أعجبت برأي للناشر الأردني الأستاذ فتحي البس صاحب دار الشروق حيث ركز على موضوع سقف الحرية ومنافسة وسائل الإعلام والتكنولوجيا وذكر عدة معوقات أخرى يواجهها الكتاب العربي وأوجزها فيما يلي:

  • تدنى سقف الحرية بحيث لا يتاح للمؤلف ولا للناشر ولا للقارئ التعبير والنشر والقراءة بحسب خياراتهم المطلقة. وتكاد تكون هذه النقطة أهم معوقات صناعة النشر وحركة التأليف اللتان لا تزدهران إلا في ظل حرية التعبير والتعددية الفكرية والسياسية بعيدًا عن القيود التي تفرضها الدول لأسباب سياسية أو عقائدية.
  • المنافسة الشديدة من وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة كالتلفزيون والإذاعة والسينما والإنترنت هذه الأداة التي “تعولم” العالم بقسم بوسائل مهنية وتقنية، وتفرض التعامل معها كأداة للمتعة والمعرفة والبحث والحصول على المعلومة بسرعة وبسهولة.
  • اعتماد صناعة النشر العربية في الغالب على مشاريع فردية يكون فيها صاحب المشروع هو صاحب القرار في كل شيء وبالتالي تفتقر معظم دور النشر العربية إلى التخطيط والاختيار الدقيق لما ينشر وتتشابك لديها مهمات النشر والتوزيع والتحصيل والعلاقات العامة إلى غير ذلك من أعباء الصناعة الصحيحة المنظمة، وينعكس ذلك في عدم القدرة على الإنتاج الضخم المتميز.
  • عدم القدرة على تخصيص ميزانيات مناسبة للدعاية والإعلان لأن الكتاب له كلفة خاصة في الدول العربية لا تحتمل هذه الكلفة معاناة صناعة النشر من كل هذه المشاكل تنعكس على العلاقة ما بين الناشرين والمؤلفين. فالمؤلف العربي يقارن عائداته من كتابته بما يحصل عليه المؤلف في الدول الكبرى، ذات الأسواق الضخمة، وعندما يصدم بأن حقوقه في المبيعات من كتبه ضعيفة يلجأ إلى اتهام الناشر بهضم حقوقه، وهذا لا يعني أن ظاهرة هضم الحقوق غير موجودة ويعاني منها مؤلفون متميزون. إلا أن الحديث عنها في حالات كثيرة غير مبرر وخصوصًا أن الناشر يستثمر أمواله في هذه الصناعة الخاصة، ويخسر كثيرًا من أمواله نتيجة افتقار توزيع الكتاب وتحصيل قيمة المبيعات إلى التقاليد الصارمة للتجارة في السلع الأخرى التي تختلف في خصائصها عن الكتاب بما هو مصدر أساسي للبناء الفكري والروحي للإنسان.”

أضف إلى ذلك ضعف الإعلان والإعلام عن الكتب، ولا شك أن هذه المشاكل تحتاج إلى وعي وإدراك وتفهم وتحرك جاد من الجهات المسؤولة عن الثقافة والنشر لبحث مشاكل الكتاب والناشرين وفتح نوافذ لهم وعونهم حتى يستطيع الكتاب العربي أن ينتشر في العالم العربي والإسلامي فضلًا عن العالم الخارجي.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل،،