يهمني اليوم أن ألقي الضوء على قضية مهمة وهي أهمية ربط شباب أفريقيا وخاصة في المرحلة الثانوية والجامعية بالبلاد العربية، وإتاحة الفرصة لهم للدراسة في جامعاتنا ومعاهدنا، وتوسيع قاعدة المنح الدراسية لذلك، فاحتضانهم يعتبر قضية مهمة لحاضر الإسلام ومستقبله في أفريقيا، ولابد أن ندرك أهمية الروابط بيننا وبين هؤلاء الناس، وأهم هذه الروابط مجالات التعليم، وخسارة كبيرة أن نجد جامعاتنا أصبحت مُقِلَّة في قبول هؤلاء، وأصبحت المنح الدراسية نادرة، عكس ما كانت عليه في السابق، في وقت تتزايد فيه الطلبات، وتتنافس فيه الدول التي يهمها زوال الروابط العربية مع أفريقيا، فتغدق أموالها على كسب هؤلاء الشباب وإتاحة الفرصة لهم، وفتح جامعاتها أمامهم، ونحن أولى بذلك، لأن تعميق الروابط وتقويتها بين أفريقيا والبلاد العربية ضرورة تاريخية وجغرافية واقتصادية وبشرية وثقافية لصالح الطرفين كليهما، ولو أن أي بلد أفريقي حاول أن يوازن بين علاقاته مع العرب ومع سواهم، لتبين له أن توثيق هذه العلاقات مع العرب – قبل غيرهم – هو الأقرب إلى السلامة والصواب، بحكم الصلات العريقة أولاً، ثم بحكم طبيعة القوى المتكالبة على “أفريقيا” من جهة أخرى.. ولكن ماذا يفعل هؤلاء؟ إذا لاحظوا منا صُدوداً وإعراضاً وإهمالاً لتلك الروابط الوثيقة التي تربطنا بهم.
إن التوجه العربي إلى “أفريقيا” هو توجه إخاء وصداقة، ينبع من جذور تاريخية، ويمتد على مدى حقب تاريخية، وهي تؤكد أن في ذلك مصلحة الطرفين كليهما – إذا سلمنا أنهما طرفان وليسا طرفاً واحداً – وهي مصلحة متوافقة ومتماثلة، تصدر عن نية خالصة، وشعور صادق، ولا تريد “لأفريقيا” إلا ما تريده للعالم العربي من قوة وتطور ونماء ورفاهية.
إن العرب الذين جاؤوا إلى “أفريقيا” لأسباب شتى، مجاهدين أو دعاة أو تجاراً أو مهاجرين، قد انصهروا في المجتمعات الأفريقية المحلية التي جاؤوا إليها، بعد أن استقروا فيها، وتزاوجوا مع أهلها، وأصبحت “أفريقيا” في أي منطقة من مناطقها هي موطنهم الجديد، فهم – بهذا يختلفون عن الأوروبيين الذين نزحوا إلى “أفريقيا” لهدف واحد ليس غير، هو الاستثمار والاستعمار ونهب الثروات واستعباد شعوب هذه القارة، فالنظرة الاستعلائية العنصرية التي ينظر بها الأوروبي إلى “أفريقيا” والأفريقيين قد منعته من الانصهار في المجتمع الذي حل فيه ولا يريد أن يخرج منه، وبذلك ظل منعزلاً تماماً عن المجتمع الأفريقي، وظل وافداً طارئاً غير مرغوب فيه، ولم يستطع أن يحدث في البنية الاجتماعية تأثيراً يذكر.
وعلى العكس من ذلك كان شأن العرب الوافدين إلى المجتمعات الأفريقية، لأن اندماجهم في مجتمعهم الجديد كان اندماجاً كاملاً، وتأثيراتهم الدينية والثقافية واللغوية والحضارية كانت عميقة وراسخة الجذور، فنتج عن ذلك لون حضاري جديد، يجمع بين الطابع العربي والطابع المحلي الأفريقي، وهو ما يستطيع المرء أن يراه بسهولة في أي مكان تقيم فيه أعداد كبيرة من المواطنين الأفريقيين ذوي الأصول العربية.
وحين استدعى تطور الأحداث تحديد أوضاع غير الأفريقيين الأصليين في مناطق القارة، كان العرب وحدهم دون سائر الوافدين الذين صُنِّفوا من أهل البلاد، بينما اعتبر البيض والآسيويون الآخرون أقليات طارئة، ولم يكن هذا الوضع مدعاة لارتياح الاستعماريين الأوروبيين فعملوا على تحريك بعض الأفريقيين ضد “العرب الغرباء” أو ضد الأجانب – المقصود بهم هنا العرب بالذات – بغية فصل اللحمة التي ربطت بين الأفريقيين والعرب، والتخلص من الدور الوطني المخلص الذي قام به بعض العرب خدمة للأقطار الأفريقية التي يقيمون فيها..
ومن المهم أن ندرك أن علاقاتنا بأفريقيا وبالأشقاء على وجه الخصوص هي علاقات مصيرية ومهمة، فهم عمق هذه الأمة الإسلامية والعربية ورافد مهم من روافدها، ولعلنا نذكر الأسس التي تم الاتفاق عليها للتعاون في مجال التعليم والثقافة في مؤتمرات القمة الأفريقية العربية وأهمها:-
١- التعاون في المجالات الاجتماعية والثقافية والتربوية:
ونص الاتفاق على أنه رغبة في تحقيق تفاهم أفضل بين الشعوب والدول الأفريقية والعربية اتفق الجانبان على تعزيز الصلات في المجالات الاجتماعية والثقافية والتربوية بعقد اتفاقات ملائمة بشأن:-
أ. البعثات الثقافية والمهرجانات.
ب. المنح الدراسية وبرامج التدريب والرياضة.
ج. النشاط العمالي والنقابي.
د. التعاون في ميدان الرسائل الإعلامية كالصحافة ووكالات الأنباء والأقمار الصناعية المستخدمة في الاتصالات والراديو والتليفزيون.
هـ. تبادل المعلومات الملائمة والخبرات والمساعدة في حل المشاكل الاجتماعية مثل توطين الرحل.
ونظراً للدور الإنساني والثقافي الذي تلعبه السياحة في تعزيز التفاهم بصورة أفضل، اتفق الجانبان أيضاً على تشجيع وتيسير السياحة ودعم التعاون في هذا الميدان خاصة عن طريق الاستثمارات والمشروعات المشتركة في ميدان السياحة.
٢- التعاون العلمي والفني:
قرر الجانبان:
أ. تعزيز وتنسيق الأبحاث عن طريق تبادل المعلومات والدراسات العلمية والفنية.
ب. إنشاء خدمات استشارية مشتركة ومعاهد متخصصة للتدريب.
ج. توفير التعاون الفني المباشر الذي يشمل المنح التدريبية والمنح الجامعية في ميدان العلوم والتكنولوجيا.
د. توسيع نطاق التعاون الفني لضمان توفير الخبراء.
هذه هي الجوانب التي تم الاتفاق على التعاون فيها في المجال التربوي والثقافي والعلمي، وهناك جوانب كثيرة نوقشت خلال المؤتمرات العديدة التي تمت بين الرؤساء الأفارقة والرؤساء العرب، وبين الوزراء والوزراء، وبين مدراء الجامعات ومدراء الجامعات، وكل هذه الأمور تحتاج إلى إعادة إحياء، لأن هذه القارة عزيزة علينا، ومهمة لنا، وهؤلاء الناس تربطنا بهم أواصر عميقة وعلاقات مهمة ولابد أن نحافظ عليها لأن انتشار الإسلام في أفريقيا كان له آثاره الواضحة والهامة في تلك النهضة الثقافية التي تمت هناك، وخاصة في صفوف المسلمين، وكانت عوناً لهم لمواجهة تلك التحديات التي مرت بهذه البلاد وبهؤلاء الناس، وكانت مسيرة الدعوة الإسلامية وخطوات التعريب ونشر القرآن قد أثرت دون شك في اللغات الأفريقية، وبصورة خاصة في اللغة السواحلية في أول الأمر، ثم تعمقت في بقية اللغات واللهجات، وحصل ذلك التلاقح اللغوي والثقافي والاجتماعي، حتى قال أحد رؤساء المجالس الإسلامية في كينيا وهو الشيخ عبد الغفور البوسعيدي، بأن اللغة السواحلية وهي من أشهر وأهم اللغات في القارة الأفريقية قد تأثرت تأثراً واضحاً باللغة العربية وبالقرآن الكريم على وجه الخصوص، حتى أن معجم اللغة السواحلية أصبح يضم أكثر من ٥٠٪ من الكلمات العربية، وقد تم تعريب العديد من اللغات الأفريقية بعد ذلك، وقال شيخ آخر وهو الشيخ سعد لوممبا، مفتي يوغندا في حديث للشرق الأوسط: إن الحضارة الإسلامية التي شهدتها القارة الأفريقية عبر العصور هي نتاج الإنسان الأفريقي، الذي تأثر بدعوة الدين الإسلامي الحنيف، عندما أرسى قاعدة الحقوق الإنسانية، والدعوة الربانية للإنسان المسلم لإعمار الكون، والنظر والتدبر في تجليات الله سبحانه وتعالى، فالحضارة الإسلامية ساهمت في وضع أسس كثيرة من الحضارة الأفريقية، والتعليم الإسلامي أرسى بذوره الأولى في الأرض الأفريقية منذ هجرات الصحابة الأوائل رضوان الله عليهم، وكانت تجارب الأمة الأفريقية مع المد الإسلامي تجارب مشرفة فقد كانت العلاقات مبنية على الاحترام والتقدير المتبادل، وكما يقول الشيخ حسين حسن أبوبكر – مفتي تشاد – لقد ساعد الازدهار والرخاء الاقتصادي الذي تحقق للقارة الأفريقية في ظل الحكم الإسلامي على ازدهار النهضة العلمية والثقافية، حيث انتشرت الخلاوى والمدارس القرآنية في المناطق الإسلامية المختلفة، وتولى التدريس في هذه المدارس علماء تخصصوا في الفقه والتفسير واللغة العربية، وعلوم القرآن والحديث النبوي الشريف من أبناء أفريقيا، ووجدت هذه المدارس رواجاً شديداً بين الإخوة في أفريقيا.
ومن هنا تأتي أهمية إعانة هؤلاء الإخوة الأفارقة من المسلمين، لأنهم يعملون بكل جهد لاسترداد أمجادهم وهويتهم الإسلامية، ولابد أن تتضافر الجهود معهم وأن نعينهم على ذلك، ونعمق تلك العلاقات التي هي في أساسها عمق لأمتنا العربية والإسلامية.
هذه هي صورة العلاقة التي تربطنا بهؤلاء الإخوة هناك وفي الجانب الآخر تقف الصورة السلبية للغرب فقد قسا عليهم الاستعمار حتى طلب خبير اقتصادي بريطاني وهو (روبرت ويلان)، إنزال أفريقيا إلى “دكة العبيد” لتباع بالمزاد العلني.
فلقد دعا هذا الخبير الاقتصادي البريطاني إلى إنزال أفريقيا كلها إلى “دكة العبيد” لتباع بالمزاد العلني للشركات الكبرى متعددة الجنسيات، لتسديد القيمة المدفوعة من قبل الشركات عن الديون الأفريقية للدول المستحقة لها، وتتولى الشركات التي رَسَا عليها المزاد كل في ما يخصه، إدارة الشئون الاقتصادية في ما آل إليها بالشراء، لتسترد ما قامت بدفعه أضعافاً مضاعفة.
وبرر روبرت ويلان دعوته لبيع أفريقيا بالمزاد العلني، بأن معهد الشئون الاقتصادية البريطاني، قد توصل إلى استحالة حصول الدول الدائنة على أموالها، على الرغم من أن القارة الأفريقية هي أغنى القارات في العالم، من حيث الموارد الطبيعية المتوفرة فيها.
هذه هي الطريقة التي ينظر بها الغرب إلى أفريقيا، وهي صدى لظلمهم السابق، واستعمارهم لهذه القارة، وسحق أبنائها، ومسخ كيانها، حتى بعد أن رحل الاستعمار، فقد جدد وجهه بالهيمنة الاقتصادية خاصة في ظل هجمات القات واتفاقياته المقبلة.
ومن هنا فلابد أن نتحرك وأن نعمل وأن نتجاوب مع هؤلاء الإخوة في إطار التعاون على البر والتقوى، وإجابة لداعي الله، وأن نتذكر دائماً أنهم عمق هذه الأمة.
