كنت أتجول في فرنسا مع بعض الأصدقاء، وجاء طفل في الخامسة وأرتمى على والده فرحًا، وقال له: إنه قد لقي زميلة من زميلاته في الفصل، ولهذا فهو سعيد جدًا أن يلتقي بها هنا، وكان يعبر بفرحة غامرة، وبراءة الأطفال في عينيه. ثم قال لوالده بأنه يريد أن يقدم لزميلته هدية في الغد، وكانت مفاجأتنا أنه اختار أن يقدم لها “الكروبو” وهو نوع من المقبلات في الشرق الأقصى، وعلى وجه الخصوص “إندونيسيا”، وحاول الإخوة أن يقنعوه بأن يقدم زهرة أو يقدم حلوى أو نحو ذلك، ولكنه أصر على “الكروبو” لأنه يريد أن يقدم لها شيء ترضى عنه المربية، ومربيته من الشرق الأقصى، وضحكنا جميعًا ونحن نرى هذا الطفل وهو يصر على تقديم شيء يتفق مع مزاج مربيته وليس بالضرورة مع مزاج أمه أو أخته أو حتى البيئة التي يعيش فيها.
ومن هنا فقد أحسست في تلك اللحظة أن تأثير المربيات في أمزجة الأطفال وأخلاقهم وتربيتهم وتوجهاتهم قضية مهمة، وحمدت الله على أي حال أن الطفل إنما عبر ببراءته عن حقيقة شعوره والمؤثرات التي تحيط به وهو يرتمي في أحضان المربية التي تأخذ جل وقته، وتؤثر في حياته سلبًا أو إيجابًا.
ومن هنا فقد يكون من الواجب أن ننظر بعمق إلى أطفالنا وقضايا المربيات، وأن لا يتحول إلى “طفل المربية” بدلاً من أن يكون طفل الأم، ولا مانع – وقد أفاء الله علينا بنعم كثيرة – أن نستخدم مربيات وحاضنات ونحو ذلك، ولكن في رأيي أن لا تتنازل الأم عن دورها في التربية، وأن لا تتخلى عن مسئوليتها، وأذكر أني كنت قبل سنوات أناقش خلال فترة الطفرة هذه القضية، ولكني أقول إننا في غمرة السعة والرخاء التي من الله علينا بها وفي زحمة الحياة الحديثة التي أصبحنا نعيشها، وبين أنياب المدنية التي تخاذلنا أمامها فأطبقت علينا، في غمرة هذا وذاك أملت علينا الظروف المعيشية شروطًا، وفرضت متطلبات واستدعت إمكانيات مختلفة، ولعل أبسط مثال على هذا انتشار المربيات والخدم بأنواعهم في منازلنا، وحتى عهدنا إليهم بمنازلنا وأبنائنا وشئوننا ليشرفوا عليها وأدركنا الوهن والضعف والتخاذل، فما عدنا قادرين على أداء أي عمل مهما كان بسيطًا، وغدونا نتخوف من أي طارئ مهما كان عارضًا، وراحت الحياة تمضي على هذا المنوال، وتسرب الداء إلى أعمال الأسرة، وأصاب العائلة في كبدها، إذ انتشرت بين بعض فتياتنا ظاهرة الاعتماد في حياتهن على الخدم والمربيات في جميع شئون حياتهن أو معظمها وحتى الخاصة منها في بعض الأحيان، وتنتقل هذه الظاهرة معهن إلى منزل الزوج لتصبح عادة، فإذا ما رزقن بأطفال عهدن بهم إلى المربيات، وأصبح أكثر ما يهمهن هو المظهر الخارجي لأطفالهن، ويكفي أن يكون الطفل أنيقًا نظيفًا مرتبًا، ليدخل السرور على نفس أمه ويجعلها تشعر بالبهجة والارتياح وتنسى هذه المسكينة أن نظافة الطفل وحدها لا تكفي وأن مظهره الخارجي غير مهم إذا ما قيس بما ينمو ويترعرع في داخله من قيم وعادات وتقاليد وأخلاق يكتسبها من مربيته، فإن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وقد يقول قائل بأن هذا نفسه قد يحصل مع أمه لو أشرفت عليه، وأن الموضوع أولًا وآخرًا يعتمد على حظ الطفل وقدره الذي قد يوقعه في أم سيئة ومربية حسنة أو العكس، وأنا لا أعترض على هذا القول، ولا أنكر أن هناك حالات من هذا القبيل، غير أن ذلك لا يمكن اعتباره قاعدة، فالقاعدة الأساسية هي أن أم الطفل مسئولة عنه وعن ما يكتسبه من عادات وتقاليد بالتعاون مع والده وإخوته الكبار أو أخواته، ثم أقاربه الذين يعيشون معه في الدرجة الثانية، ويأتي بعد ذلك دور المربية أو الخادمة على أساس ما قد يلحظه الطفل أو يكتسبه من عادات طفيفة من الأقارب البعيدين أو الخدم والمربين عن طريق المحاكاة والتقليد، وهذه العادات الثانوية قد تكون في معظم الأوقات عارضة أو غير أصلية، وليس لها ردود فعل وبواعث في مستقبل حياة الطفل، أما العادات الأصلية والقيم الحقيقية فيكتسبها من والدته على فرض أنها أقرب شخص إليه، وأكثر احتكاكًا به في سنواته الأولى، حيث يتطبع بطباع معينة وتقاليد خاصة، فهي القدوة التي يقتدي بها، وهي المثل الذي يحترمه ويقدره، أو هي الشبح الذي يخافه ويتعقد منه ويخشاه، وهي التي تبث في نفسه رواسب الخير ومبادئ الصلاح أو هي العامل الذي يعقده من الحياة والناس، ويبني في نفسه عقدًا مختلفة وأحاسيس شريرة، هي الأم التي تكيف العجينة الطرية التي في يدها وتوجهها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
ومن هنا فأنا أشعر بأن الأطفال أمانة في أعناقنا، ولا بد أن نحرص على قربنا منهم واتصالنا بهم، وجلوسنا إليهم مهما شغلتنا مشاغل الحياة، ويخطئ الذين يعتقدون أنهم عندما يوفرون لأولادهم المأكل والملبس قد أدوا واجبهم وأضافوا إلى ذلك مربية أو مربيات هذا في رأيي خطأ كبير فليس هذا هو كل ما يحتاج إليه الأطفال.
وليس هذا وحده هو الذي ينشئ الأطفال نشأة حسنة صالحة، صحيح أن الجوع والفقر يؤثران على حياة الأطفال في سنين حياتهم الأولى إذا لم يجدوا ما يسد رمقهم ويكفيهم، وصحيح أيضًا أن البرد قد يؤلم الأطفال في سنين حياتهم الأولى، وقد يمرضهم أو قد يموتون بسببه، ولكنه صحيح أيضًا أن القيم والأخلاق والعادات التي يكتسبها الأطفال في سنين حياتهم الأولى لا تقل أهمية ولا خطورة عن العوامل السابقة، وقد تكون أشد فتكًا وأكثر إيلامًا، وأعنف وقعًا على النفوس.
إن الأطفال يحتاجون إلى رعاية وحب وعطف، وإلى مثل حسنة وقيم كريمة، وإلى قدوة حسنة صالحة يقتدون بها، فإذا لم يتوفر ذلك لهم فإنهم سيكونون حتمًا شيئًا غير ما نسميه بأطفال صالحين، وسيساعد على تكوين جيل غير الجيل الذي نتمناه ونعقد عليه الآمال.
فعلى الأمهات العزيزات اللاتي وقعن في حبائل الحياة المدنية، وارتكبن أخطاء كالتي ذكرتها وناقشتها في عجلتي هذه أن يدركن أهمية العناية الخاصة بالأطفال، وأن يجعلن المربيات لأي شيء غير تربية الأطفال، وحتى لا تفاجأ الواحدة منهن في المستقبل بأن هناك أطفالًا في البيت ولكنهم أطفال المربية.
وعلى الآباء أن يدركوا أهمية تواجدهم بقلوبهم وأرواحهم في المنازل وخصوصًا أننا أصبحنا نواجه يومًا بعد يوم مسئوليات عظامًا وتحديات جديدة وأعداء جددًا، وغدونا أحوج ما نكون إلى بناء جيل كريم، قوي، متفهم، صالح، يدرك أبعاد مسئولياته، ويقدر تراثه، ويتمسك بحقوقه، بكرامة أكبر، وتصميم أحسن، ومقومات خير من مقوماتنا، ويقدر النظام الكريم الذي بين يديه تقديرًا يتفق مع سموه ورفعته.
وختامًا لا بد أن نذكّر بأهمية أن تعود إلينا روح الأسرة وارتباط الأسرة وحياة الأسرة فهي النواة الأساسية لبناء هذا المجتمع.
