مع النبي ﷺ في صدقة الفطر

عيد الفطر المبارك، هذا اليوم الذي يفرح فيه الناس وتعم السعادة الصغير والكبير
والكل يتمنى من الله أن يتقبل صيامه وقيامه ودعاءه والمسلمين جميعًا. وهناك فئة
من العقلاء تنظر في ختام رمضان إلى أهمية الإحساس بتلك الأسر الفقيرة من
الضعفاء والفقراء والمساكين. ولهذا جاءت زكاة الفطر وصدقة الفطر كرمز
وكتذكرة للناس بأن الله سبحانه وتعالى قد أمر وأوصى بالتعاون والتكافل وعون
الغني للفقير ومد اليد لذي الحاجة من معوز ومسكين. وإذا ما نظرنا بعمق نجد أن
من جمال الدين وكماله أن أقام التوازن والتكافل بين الأغنياء والفقراء، وأن الله عز
وجل قد افترض في أموال الأغنياء حقاً معلوماً يرد على الفقراء. فلا يستغني غني
بماله ويختص به من دون الفقراء، ولا يتكل فقير على غني فيكون عالة عليه. بل
أمر الإسلام كل قادر على العمل أن يعمل، ونهى عن المسألة والمسكنة، وحث على
التعفف، ووعد المتقين بالرزق بعد الضيق، واليسر بعد العسر. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].

وإن من جمال هذا الدين وكماله، أن الله عز وجل فرض الصيام على عباده ليستوي
الغني مع الفقير في الإحساس بالجوع والعطش، لتتحرك في الأغنياء مشاعر
الرحمة والرأفة بالفقراء والمساكين وأصحاب الحاجة. فيمدون إليهم يد العطف
والإحسان، بغير منة ولا أذى. وجعل ذلك حقاً معلوماً، قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ
مَعْلُومٌ . لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24-25]. وقد نظم الإسلام هذا الجانب
تنظيماً دقيقاً رائعاً تكفل فيه بالقضاء على فقر الفقراء من خلال فريضة الزكاة التي
هي ثالثة أركان الإسلام. وقد جاء يوم لم يجد فيه بيت المال من يأخذ الصدقات أيام

الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهذا هو الوضع الطبيعي للمسلمين عندما
تؤدى فريضة الزكاة حق الأداء.

وقد أوجب الله تعالى على الصائم زكاة الفطر في رمضان. وتجب على كل مسلم
عنده قوت عياله ليوم وليلة، تدفع عن الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد
والخادم. يخرجها الولي عمن تلزمه نفقتهم، وقدرها صاع من طعام.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان،
صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير
والكبير من المسلمين»[¹].

وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: «كنا إذ كان فينا رسول الله ﷺ نخرج زكاة الفطر
عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً
من شعير، أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب»[²].

وقد جوز أهل العلم نصف صاع من البر، ولكن الصاع هو الأولى.

وتجب هذه الزكاة في آخر رمضان، ووقت وجوبها غروب شمس ليلة الفطر إلى
صلاة العيد. من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي
صدقة من الصدقات. ويجوز تقديمها عن ليلة العيد بيوم أو بيومين، وأجاز الشافعي
وأبو حنيفة إخراجها من أول الشهر.

ويرى أكثر الأئمة والعلماء وجوب الالتزام بأداء صدقة الفطر من أصناف الطعام
الواردة في الأحاديث الصحيحة المروية عن النبي ﷺ. وهذا ما ذهب إليه الأئمة

الثلاثة: الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم. وأوجب الإمام الشافعي رضي الله
عنه أن تكون صدقة الفطر من غالب قوت البلد. وكل هذا صحيح سديد.

ولكن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه أفتى بجواز إخراج القيمة، وتابعه وأفتى بمذهبه
كثير من علماء المذاهب الأخرى، لما في ذلك من تحقيق مصلحة الفقير، وتحقيق
الحكمة من فرضية هذه الصدقة.

ومن نظر في مصلحة الفقراء وهم يضطرون إلى بيع الطعام بأقل من نصف قيمته
فإنه يرى ما يراه الإمام ومن تابعه من العلماء.

والحكمة من فرض هذه الزكاة أنها طهارة للصائم مما عسى أن يكون وقع فيه خلال
صومه من الرفث والفسوق. وطعمة للمساكين يجد فيها الفقراء ما يغنيهم في يوم
العيد عن العمل. فيشاركون الأغنياء في فرحة العيد، ويجدون فيه ما يوسعون به
على أنفسهم وأهليهم وعيالهم من الأطفال، في ملبسهم ومأكلهم. فلا يُشوه العيد بأكف
السائلين تطلب الصدقة، ولا تُعكر صفاءه نظرات المحرومين تشكو العسر والفاقة.
فيلتقي في العيد الجميع على اليسر والسعة وتمتلئ القلوب بالحب والبهجة والسرور.
فكأن الشارع الذي أوجب على الناس أن يتساووا في الجوع والعطش، وفي وقت
الإفطار والإمساك في رمضان، قد أوجب عليهم أن يتساووا في الشبع والري،
والفرحة والحبور في الفطر من رمضان. وبذلك تشيع بين المسلمين أفراح العيد، فلا
يختص بها ناس دون آخرين، ولا يحرم منها ناس لا ذنب لهم إلا أنهم ليسوا من
أصحاب الغني وذوي الأموال.. ولذا سن رسول الله ﷺ إخراجها قبل صلاة العيد.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل
خروج الناس إلى الصلاة»[³]. ومن هذا الحديث الشريف يتضح أن رسول الله ﷺ قد
قصد بذلك استغناء الفقراء عن السؤال في يوم العيد.

قال ﷺ: «أغنوهم بها عن السؤال ذلك اليوم»[⁴]. ومن جمال هذه الصدقة شمولها
عموم المسلمين. فقد رأينا وجوبها على كل من كان عنده قوته وقوت عياله ليوم
وليلة. وهذا ما يجعلها واجبة على الفقراء أنفسهم الذين هم أهلها. وفي هذا ارتفاع
بهؤلاء الفقراء إلى مستوى العطاء، وتعليم لهم أن لا يقتصروا على موقف الأخذ،
ونهوض بهم عن حضيض الشح، وتحقيق لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ
بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7]. وهي طاعة لحديث رسول الله ﷺ.. فعن ابن عمر
رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو
صاعاً من شعير على كل فرد حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين[⁵]. (وعنه عن
طريق ثان) فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد
صاعاً من تمر أو شعير[⁶].

وختاماً.. فهذه هي زكاة الفطر التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها وعلمنا إياها رسول
الله ﷺ وحثنا على أن ينفق كل ذي سعة من سعته. ثم علمنا رسول الله ﷺ أن هذه
الزكاة طهارة للصائم ومن كل ما مر به من رفث أو فسق أو خطأ. وحرص الشارع
الحنيف على تبسيط هذه الشعيرة وحث الناس عليها. فمن واجبنا ليس فقط أن نخرج
الزكاة ولكن أن نتواصى بها.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الحواشي:

[¹] متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فرض صدقة
الفطر، حديث رقم (1503). ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر
على المسلمين من التمر والشعير، حديث رقم (984).

[²] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على الحر
والمملوك، حديث رقم (1508). ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر
على المسلمين من التمر والشعير، حديث رقم (985).

[³] متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر قبل
العيد، حديث رقم (1509). ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب تقديم زكاة
الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين، حديث رقم (986).

[⁴] أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الزكاة، باب وقت إخراج زكاة الفطر،
حديث رقم (2125).

[⁵] سبق تخريجه.

[⁶] سبق تخريجه.