هل للزوجات حق في نهاية الخدمة

سبحان الله كيف تقسو قلوب بعض المسلمين حتى أصبحت كالحجارة أو أشد قسوة،
وسبحان الله كيف تغيض المودة والرحمة من قلوب بعض الأزواج وقد نبهنا الله
تعالى الى أهميتها في آية من آياته، ودليلاً من دلائل عظمته فقال سبحانه: {وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي
ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[¹].

وسبحان الله كيف يتجرأ بعض الأزواج على ظلم أزواجهم حتى يطلِّق زوجته التي
عاش معها وعاشت معه عشرات السنين، وأنجب منها الذرية وكان له منها الأولاد،
ثم لا يحفظ لها كرامة، ولا يصون لها كِبَرًا، ولا يرعى لها ذمة، بل يطلقها إرضاء
لهوى زوجة أخرى تزوجها فسألته أن يطلق زوجته الأولى التي ليس لها ذنب إلا
أنها أصبحت كبيرة، ونحن لا نحرِّم حلالاً، ونعلم أن الله عز وجل قد أباح للرجل أن
ينكح ما طاب له من النساء مثنى وثلاث ورباع، ولكن الله تعالى قد اشترط العدل،
فقال: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}[²] وأمر بالعدل والإحسان وحذر من الظلم
والبغي والعدوان فقال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ
وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[³] وقال تعالى:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ}[⁴] وحرم الظلم صغيره وكبيره في حديث قدسي جليل ترتعد لهوله

الفرائص، فقال سبحانه: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم
محرمًا فلا تظالموا”[⁵].
وهو سبحانه لم يشرع الطلاق تبعًا لهوى النفس، ولا استجابة لنزوة طارئة، بل
صانه عن العبث والأهواء والنزوات، فجعله صمام أمان، وحلاً لمشكلة مستعصية
عجزت عن حلها العقول، وأخفقت فيها كل محاولات الإصلاح الداخلية والخارجية
في البداية يحاول الزوج إصلاح زوجته بالنصح والتحذير، ثم بالهجرة في المضجع،
ثم بالضرب غير المبرح إن رأى في ذلك سبيلاً إلى الإصلاح، قال تعالى: {وَاللَّاتِي
تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا
تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا}[⁶] فإن لم يجد ذلك وتعذر الإصلاح بين الزوجين، وعجز أهل
الزوجين عن إنهاء الخلاف، ووصل الأمر إلى حافة الخطر انتدب أهل الزوج منهم
رجلاً وأهل الزوجة رجلاً للإصلاح قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا
مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
خَبِيرًا}[⁷] .

أما أن يكون الطلاق استجابة لهوى، وإرضاء لزوجة فإن هذا ظلم والظلم حرام
بحرمة الله وقد نهى رسول الله ﷺ الزوجة أن تطلب من زوجها تطليق ضرتها
لتستأثر به من دونها فقال: “لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها”[⁸]
فالطلاق المشروع هو الطلاق المبني على أسباب تتعلق بأحد الزوجين أو كليهما،
وبرضائهما، وبحفظ حقوقهما في الرجعة إن أرادا ذلك، فشرعت العدة والمراجعة
في الطلقتين الأولى والثانية إذا رأى الزوج مراجعة زوجته قبل انتهاء عدتها، فإن
انتهت العدة أصبح الأمر بيدها إن شاءت قبلت أن ترجع، وإلا فلا، ويبقى لهما حق
الرجوع مرة ثانية في أي وقت دون حرج، فإذا طلقها الثانية فهي كالأولى، له الحق
في مراجعتها في عدتها، فإن انتهت عدتها كان الأمر إليها إن قبلت رجعت، وإن
أبت فلا يملك أحد أن يلزمها بالرجوع، وهذا ما تدل عليه الآية الكريمة: {الطَّلَاقُ
مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}[⁹] فإن طلقها الثالثة لم يعد له حق
الرجوع حتى تتزوج غيره، فإن طلقها الذي تزوجها طلاقًا لضرورة، أو مات عنها
حل لزوجها الأول أن يتزوجها من جديد، وأن يعودا إلى حياة زوجية جديدة يؤملان

فيها الإصلاح ودوام العشرة، وهذا ما تدل عليه الآية الكريمة: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}[¹⁰].
وأنا لست هنا معنياً ببيان أحكام الطلاق الفقهية وأحكام العدة، وأكتفي بما قلت
باختصار، وأريد أن أقول: إن الرجل الذي يطلق زوجته التي قضى معها سنين
عديدة، عشرًا أو عشرين أو أكثر، اتباعًا لهوى واستجابة لميل وإرضاء لزوجة
جديدة يكون زوجًا ظالمًا ظلمًا كبيرًا، وهو مسؤول أمام الله عز وجل عن هذا الظلم
ويعظم الخطب إذا كانت المرأة المطلقة لا تجد محرمًا يؤويها، وتجد نفسها لا مأوى
لها ولا معين ولا مال لها تستغني به، وهذا محتمل الوقوع، وبخاصة في هذا الزمان
الذي تفرق الناس في جهات كثيرة سعياً وراء لقمة العيش أو ركضًا وراء الغنى،
وتكون الأيام والسنون قد قطعت أو أوشكت أن تقطع الأخ عن أخيه، وابن الأخ
والأخت عن عمه وخاله، وربما الوالد عن أولاده، والوالدة عن أولادها، فماذا يكون
حال هذه المطلقة إذا لم تجد من يؤويها ويحافظ عليها، ويصون كرامتها؟!! وربما
يكون الزوج قد اغتنى بعد فقر، وتكون زوجته فقيرة مثل زوجها قبل أن يستغني،
فإذا طلقها لم تجد ما يغنيها، لأنها لا تملك شيئًا فيقع عليها الغبن والضرر الكبير
لأنها ربما ساهمت بطريقة غير مباشرة فيما أصابه من ثراء وغنى.

ولا شك أن الشريعة الغراء لا تقر الظلم ولا ترضى به صغيرًا كان أو كبيرًا،
وسواء كان بسبب طلاق تعسفي أو لأي سبب آخر، ولا بد للظالم أن يوفي المظلوم
حقه في الدنيا، فإذا لم يفعل أدّاه يوم القيامة، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال:
“لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء”[¹¹]
وقال عز وجل في تصوير أهوال يوم القيامة والتخويف من الظلم: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ
لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}[¹²].

ولهذا أجد نفسي أمام سؤال مهم: أليست شريعتنا الغراء قادرة على رفع هذا الظلم
عن هذه المرأة التي تحدثنا عنها وعن مثيلاتها، وهي الشريعة التي لم تترك صغيرة
ولا كبيرة من أمور الحياة إلا ولها معه موقف يعالج الداء ويقدم الدواء، ويضع أنجح
الحلول لكل مشكلة.

إن قوانين العمل في البلاد تجعل للعامل حقوقًا تقع على كاهل صاحب العمل سواء
كان جهة حكومية أو مؤسسة خاصة، والمحاكم الشرعية وغير الشرعية أنحاء العالم
تعطي هذه الحقوق لأصحابها بقوة القضاء إلا أن يكون قد وقع منه ما يخالف نص
العقد، ويحرمه ذلك الحق أو تلك الحقوق، ولا يستطيع أحد أن يتهرب من أداء هذا
الحق أو تلك الحقوق مهما علا شأنه، كما لا يستطيع أحد أن يصف تلك الحقوق بأنها
غير شرعية، مادام العقد قد أبرم برضى الطرفين، ومادامت تلك الشروط لا تحل
حرامًا، ولا تحرم حلالاً، فلماذا لا يكون للمحاكم الشرعية عندنا حق التدخل في مثل
هذه الأحوال لتنصف الزوجة المظلومة وتفرض لها في مال زوجها ما يفي بحاجتها
من مسكن ونفقة مشروعة، وهي الجهة المخولة بإنصاف المظلوم وإعطاء كل ذي
حق حقه وبخاصة أن شريعتنا الغراء تملك من المرونة وبعد النظر ومن الحكمة ما
تمنع به الظلم، وتأخذ على يد الظالم. وهي مأمورة بنص الشارع الحكيم بإقامة العدل
الذي فوض الله رسوله ﷺ بإقامته فقال: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُم}[¹³] بل إن الشريعة
الغراء تصعد إلى ما هو أسمى من العدل وهو الإحسان، فتدعو إليه في آيات كثيرة
منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ}[¹⁴] والإحسان
أعلى مراتب العمل الخالص لوجه الله، وهو ذروة في الإسلام لا نظير لها في أي
تشريع آخر.

ومن الآيات التي تأمر بالإحسان في موضع الطلاق قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان}[¹⁵] وقوله تعالى في معرض الطلاق أيضًا: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}[¹⁶]، ومن الآيات في هذا الصدد قوله عز وجل:
{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف}[¹⁷] وقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف}[¹⁸].

فهل من الإحسان أو المعروف أن يطلق الرجل زوجته في حال لا تملك من حطام
الدنيا شيئًا، ويكون هو واسع الثراء؟ وهل من المعروف أن تجد المرأة نفسها خارج
أسوار البيت الذي عاشت فيه عشرين سنة أو أثلاثين أو أكثر، وبدون عروة زواج

بعد أن فصم زوجها تلك العروة تحت تأثير زوجة أخرى!! والله عز وجل يسأل عن
صحبة ساعة فيقول: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي
الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ
وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}[¹⁹]، ومتى
كانت عروة الزواج مجالاً للعبث والظلم وقد سماها الله بالميثاق الغليظ تأخذه المرأة
على الرجل أن يحفظها ويصونها ويكرمها ويرعى حقوقها ولا يظلمها فقال تعالى:
{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}[²⁰]
وكيف يسوغ لرجل كريم أن يهين امرأته بطلاقها بعد عشرة طويلة وقد أوصى
رسول الله ﷺ بالنساء في مواضع كثيرة هامة، في تربيته لأصحابه حيث قال: “أكمل
المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم”[²¹] وفي حجة الوداع يوم
الحج الأكبر حين خطب الناس يوم النحر فقال بعد أن وعظ الناس وذكرهم: “ألا
واستوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوان عندكم.. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا
إليهن..”[²²] وقال ﷺ في التأكيد على حق المرأة والتخويف من ظلمها وهضم
حقوقها: “اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة”[²³] وقال في بيان حقوق
الضعفاء والمرأة منهم: “ابغوني في الضعفاء فإنما تنصرون وترزقون
بضعفائكم”[²⁴] والمعنى: اطلبوا مودتي ومحبتي بإحسانكم إلى الضعفاء.

وبعد فهل آن للقلوب القاسية أن تلين، وهل نطمع أن نرى في رجالنا ونسائنا مزيدًا
من الوعي والإدراك للحقوق الزوجية، واجتناب كل ما يسئ إلى المرأة التي كرمها
الإسلام أعظم تكريم، وأعطاها من الحقوق ما يصونها ويحفظ كرامتها أما وأختًا
وزوجة وابنة.

الحواشي:

[¹] سورة الروم، الآية: 21
[²] سورة النساء، الآية: 3

[³] سورة النحل، الآية: 90
[⁴] سورة المائدة، الآية: 2
[⁵] رواه مسلم في صحيحه
[⁶] سورة النساء، الآية: 34
[⁷] سورة النساء، الآية: 35
[⁸] رواه البخاري ومسلم
[⁹] سورة البقرة، الآية: 229
[¹⁰] سورة البقرة، الآية: 230
[¹¹] رواه مسلم في صحيحه
[¹²] سورة طه، الآية: 111
[¹³] سورة الشورى، الآية: 15
[¹⁴] سورة النحل، الآية: 90
[¹⁵] سورة البقرة، الآية: 229
[¹⁶] سورة البقرة، الآية: 237
[¹⁷] سورة البقرة، الآية: 231
[¹⁸] سورة الطلاق، الآية: 2
[¹⁹] سورة النساء، الآية: 36
[²⁰] سورة النساء، الآية: 21
[²¹] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
[²²] رواه البخاري ومسلم
[²³] رواه النسائي وابن ماجه

[²⁴] رواه أبو داود والنسائي