لكل أمة ذكريات، ولكل أمة أياماً وأحداثاً عظاماً تتوالى عبر السنين وعبر الزمان،
وإن كل أمة لتأخذ من ذكرياتها مواقفاً وعبراً ودروساً تلقنها لأبنائها لتشد من
عضدهم وتبني شخصياتهم وتقوي الحماس في نفوسهم، ولتربطهم بتاريخهم ولتكون
هذه الدروس منارة لهم في حاضرهم ومستقبلهم، وما تلك الدروس إلا شحنات
لأفراد الأمة لتستمر في مستقبلها على نهج الآباء والأجداد.
وكم في تاريخنا من الذكريات المفيدة المرتبطة بعقيدتنا السمحاء، ولهذا تظل باقية
في نفوسنا نفرح باسترجاعها وننعم بخيرها وعبيرها الفواح. إن كل حدث من
أحداث تاريخنا كان لخدمة عقيدتنا وإعلاء كلمة الله ولتثبيتها في النفوس ونشرها في
الأرض بين البشر، ومن هنا جاءت أهمية الاحتفاء بهذه الذكريات، إذ لا بد من
تحريك القلوب ويقظتها وتذكير النفوس بهذه الذكريات لتظل قائمة شاهدة في العقول
والقلوب.
ومن ذكريات أمتنا الخالدة ذكرى ميلاد المصطفى ﷺ وذكرى البعثة وذكرى الهجرة
وغزوات النبي ﷺ، كل هذه الذكريات وغيرها ليست مواقف للاجترار وليست
مواسم عابرة إنما هي مواقف للتذكر والاعتبار والتأسي والاتباع.
إن الوقوف عند الذكريات أمر فطري وطبيعي يشد المسلم إلى ماضيه فيقوي مواقفه
في حاضره وينير له الطريق في خطوات مستقبله. فما هي المواقف والعبر
والذكريات من ميلاد المصطفى ﷺ؟
إن ميلاد الرسول ﷺ مشيئة من مشيئات الله سبحانه وتعالى في هذا الكون ورحمة
من رحماته إلى بني البشر، واختيار سيدنا محمد ﷺ من بني البشر ليكون خاتماً
للأنبياء والرسل ولتتنزل عليه رسالة هي خاتمة الرسالات، كل ذلك اصطفاء خاص
لا يماثله اصطفاء آخر. فهو سيدنا وسيد ولد آدم أجمعين، رسول الله وحبيبه،
ومصطفاه، ومختاره ومجتباه، أصل الشرف ومعدن المجد، أكرم والد وأشرف
مولود، وهدية الله ورحمته إلى هذا الوجود، الحبيب الأعظم والنبي الأكرم، العبد
الذي تشرف بكمال العبودية لمولاه، والبشر الذي قربه الله تعالى وأدناه ورفع مقامه
فوق خلقه أجمعين، وختم به النبيين والمرسلين، وبه شرف البيت وآله، ومن مقامه
الرفيع عظمة هذا البيت وكماله، ومن أجله أذهب الله الرجس عن أهل بيته وطهرهم
تطهيراً، ولمكان عبوديته الكاملة من ربه العظيم فرض علينا حبه وحبهم، وربط الله
الإيمان بمودتهم وموالاتهم.
فلقد اصطفاه الله تعالى من سلالة إبراهيم عليه السلام لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام
جاء بالدين الذي جاء به الرسول ﷺ من عند ربه إنه الحنيفية، قال تعالى: {قُلْ صَدَقَ
اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[¹].
ولقد اصطفى الله تعالى نبيه من العرب لأنهم ورثوا أموراً من ملة إبراهيم الحنيفية
فكان منهم حنفاء، ولأن لهم بعض الأخلاق الكريمة مثل الكرم والوفاء وحسن
الجوار والعفة والشهامة والمروءة.
ولأنهم بجوار الكعبة المكرمة أول بيت وضع للناس، ولأنهم بجوار الحرم الذي
جعله الله حرماً آمناً فأراد الله أن يجعل للعرب شرفاً فاصطفى منهم إمام المتقين
وخاتم النبيين وأفضل المرسلين وأفضل خلق الله أجمعين، وأنزل القرآن بلغتهم. قال
تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}[²].
واصطفاه ربه سبحانه من كنانة ولد إسماعيل واصطفى من كنانة قريشاً واصطفى
من قريش بني هاشم واصطفى من بني هاشم محمداً عليه الصلاة والسلام فكان
خياراً من خيار من خيار.
ولقد اصطفاه ربه من بني هاشم الذين توارثوا خدمة بيت الله تعالى والزعامة الدينية
في مكة.
ولقد اصطفاه تعالى يتيماً فتوفى أبوه وهو في بطن أمه وتوفيت والدته وله من العمر
ست سنوات، وتوفى جده أبو طالب وعمره ثماني سنوات فرباه سبحانه أحسن تربية
وأدبه أحسن تأديب وكان عوناً له ومعيناً وناصراً، ولقد امتن الله تعالى عليه بقوله
سبحانه: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}[³] وحتى لا يقال رباه أبيه وجده.
واصطفاه فقيراً حتى لا تكون فيه صفة من صفات الملوك وعظماء الناس
والزعامات الدنيوية ثم أغناه ليتفرغ للدعوة فيما بعد فهيأ له الزواج من السيدة
خديجة التي أعطته مالاً فتاجر به وأعطته حناناً وسنداً معنوياً ليثبت في المواقف
الصعبة، ولقد امتن الله عليه بقوله: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}[⁴].
والذي لا شك فيه أبداً أن السيدة خديجة كانت من أجل نعم الله على رسوله ﷺ ، فقد
هيأها الله عز وجل لتخفف عنه أعباء المهمة الصعبة والحمل الثقيل في دعوة العرب
إلى الإسلام، فتثبته وتواسيه وتنصره وتشد عزيمته، تبعث الأمل والرجاء في صدره
حتى أدى الرسالة وبلغ الأمانة.
ولقد امتن الله على نبيه بها، وواساه بأجمل المواساة حين ظن أن الوحي لن يعود إليه
وقد أبطأ عنه، وأن الله عز وجل قد ودعه وقلاه، فذكر في جملة ما ذكر من نعمه
عليه فضل خديجة التي أغنته بمالها عن طلب المعاش، وهيأت له ظروف التفرغ
للدعوة إلى الله حتى يبلغ رسالته: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}[⁵].
وإذا كان الأمر على هذا فكيف لا تكون خديجة أحب أزواجه إليه يذكرها بالحب
والرضى، ويخصها بالمنزلة العالية حتى غارت زوجاته منها وهي ميتة، إنها
الزوجة التي عاصرت أشد الظروف قسوة على الرسول الكريم وأصعب المواقف
والأزمات، فنصرت الله ورسوله بمالها ونفسها وصبرت على الأذى الشديد فما
وهنت عزيمتها، ولا لانت قناتها، وظلت تبعث الأمل في قلب النبي ﷺ حتى آخر
حياتها، وكان من أشد ما صبرت عليه حصار الشعب، وتطليق ابنتيها رقية وأم
كلثوم حين أمر أبو لهب ابنيه بتطليقهما إمعاناً منه في الكيد للنبي ﷺ والأذى له.
وقد جاء جبريل بالبشرى لها ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب جزاء صبرها
وجهادها وإخلاصها لدينها:
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة قال: أتى جبريل عليه
السلام إلى النبي ﷺ فقال له يا رسول الله هذه خديجة قد أتت ومعها إناء فيه أدم أو
طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في
الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. فأخبر الرسول السيدة خديجة بما قال
جبريل فقالت: “الله هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام”[⁶].
ولقد اصطفاه أمياً حتى لا يقال بأن القرآن من عنده أو أنه تعلمه من بشر وحتى
يظهر للعيان أن ما جاء به محمد ﷺ هو من عند الله. قال تعالى مخاطباً لنبيه ﷺ:
{وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن
جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ
اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}[⁷]. وجعل
الله تعالى هذه الصفة المعيبة عند كل الناس صفة تكريم للنبي ﷺ وامتدحه الله تعالى
بها في كتابه، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا
عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ}[⁸] وقال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[⁹]. وقد أسلم عباقرة ومستشرقون
وعلماء غربيون أفذاذ عندما علموا أن محمداً ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب.
ولقد اصطفاه الله تعالى من منطقة تحتوي كل الأديان لتكون رسالته ناسخة لتلك
الأديان وليكون الإسلام قيماً شاهدا على كل الدعوات، وليس من قبيل الصدف أن
تكون ولادته ﷺ بعد حادثة الفيل بأربعين يوماً لأن هذه الحادثة كانت نصراً من الله
تعالى لبيته الحرام بدون سبب من الأرض، ولينتبه المشركون إلى قدرة الله تعالى
ويشاهدوا آيات قدرته قبل بعثة النبي ﷺ، ولقد كان هذا النصر تكريماً لميلاد النبي
ﷺ الذي يحمل رسالة من رب العالمين إلى الخلق أجمعين وهو على ملة أبيه إبراهيم
عليه السلام.
ومن هذا الاصطفاء أن يتحدث الأنبياء من قبله عن بعثته فلقد كانت ولادته تحقيقاً
لدعوة إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}[¹⁰].
وكان ﷺ بشارة عيسى عليه السلام قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي
مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}[¹¹].
وقد جاء في الحديث الصحيح: “أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى”[¹²].
وقال: “أنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي”[¹³].
وقال: “أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة”[¹⁴].
جمع الله في شخصه كمالات الأنبياء، فهو صهرتهم وخلاصتهم، وجمع الله في
رسالته جميع الرسالات وشريعته خاتمة الشرائع وجامعة لها، واتباعه اتباع الأنبياء
مؤمنون بجميع الأنبياء والمرسلين وما جاءوا به من عند الله. قال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا
بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا
أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ}[¹⁵]. وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ
آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}[¹⁶].
نبذ من حياته ﷺ:
إن الله سبحانه تولى رعاية المولود الكريم ﷺ فهيأ له من يرعاه ومن يتولى حضانته
فتولت أمه حضانته حتى السادسة ثم كفله جده حتى الثامنة ثم رعاه وحماه عمه أبو
طالب مدة أربعين سنة، ويوم الهجرة استوثق له عمه العباس من أصحاب بيعة
العقبة، وهيأ الله تعالى من يدخله في جواره بعد رجوعه ﷺ من رحلة الطائف، وهيأ
له من يمزق الصحيفة يوم مقاطعة قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب.
وفي مجال الحديث عن الاصطفاء والاختيار من الله تعالى لنبيه نود أن نقول إن الله
تعالى أحاط كل ذلك الاصطفاء بالتأديب الرباني فلقد قال النبي ﷺ: “أدبني ربي
فأحسن تأديبي”[¹⁷]، وبعد هذا التأديب كيف سيكون خلق النبي ﷺ؟ لقد وصفه ربه
في كتابه: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}[¹⁸]، وعندما سئلت السيدة عائشة عن خلقه
قالت: “كان خلقه القرآن”[¹⁹] فليس بغريب بعد هذا على من أدبه الله تعالى أن
تسميه قريش بالأمين وبالصادق، وأن يضعوا أماناتهم عنده قبل بعثته ويشهدون
بصدقه وكريم خلقه.
إن وصف الله تعالى له بأن خلقه عظيم جدير بالاهتمام لأن كلمة عظيم من الله تعالى
للنبي ﷺ في وصف خلقه تعني شيئاً عظيماً، فلقد حمل النبي ﷺ من الأخلاق الفاضلة
والصفات العظيمة والنبيلة طيلة حياته منذ طفولته إلى شبابه ثم بعد بعثته إلى وفاته
ما يحقق هذا الوصف الذي وصفه الله تعالى به: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} فهو ﷺ
جدير بالاتباع وأن يتأسى به ويقتدى به، وهو جدير بأن يكون محبوباً اتباعه لأن
شخصيته فذة بين الأنبياء فكيف بين البشر، إذ ليس إجماع أهل مكة على تسميته
بالأمين وهو في شبابه قد جاء من فراغ بل لأنهم لمسوا هذا الخلق فيه والذي ناءت
الجبال والسماوات عن حمله لما أطلقوه عليه، وإن إجماع أهل مكة على أنه الصادق
لم يكن من فراغ، فعندما دعاهم ليبلغهم دعوة الله قال لهم: “ما تقولون لو قلت لكم إن
وراء هذا الجبل عدواً يريد الإغارة عليكم؟” قالوا: “ما عهدنا عليك كذباً” فشهدوا
بصدقه ولكنه العناد والكبرياء والغطرسة والحسد الذي أعماهم عن رؤية الحق،
فقالوا قولتهم: {لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}[²⁰].
لقد شارك ﷺ أهل مكة كل صفاتهم الحميدة فلقد حضر حلف الفضول الذي أسس
لنصرة المظلوم. وبنفس الوقت لم يكن إمعة يسير مع قومه بغير تفكير فلقد رفض
مشاركتهم في عبادة الصنم فلم يسجد لأصنامهم ولم يشاركهم الخمر والميسر ولا
اللهو في سهراتهم.
وإن قبول السيدة خديجة في الزواج منه لم يأت صدفة وإنما جاء لصفات فيه عظيمة
حيث تقدم لها كبار أهل مكة فرفضتهم. ولكنها تعلقت بمحمد خاصة بعد أن نقل
غلامها ميسرة لها صفات سيدنا محمد ﷺ في سفره ونقل لها أمانته وصدقه ووفاءه
فطلبت الزواج منه. وبعد زواجه منها وضعت مالها بين يديه، ولقد أجملت السيدة
خديجة خلق الرسول في شبابه في عبارات قليلة قالتها له مطمئنة إياه عندما جاءه
الوحي لأول مرة وجاءها يرتعد ﷺ قالت له: “والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل
الرحم وتحمل الكل ـ أي الضعيف ـ وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق”[²¹].
هذا الكلام قيل في الجاهلية ومن امرأة لا تزال لم تدخل الإسلام، فهذا الحس كان
معروفاً في الجاهلية بأن من يحمل هذه الصفات الاجتماعية الكريمة لا يضيمه الله
تعالى. فكيف عمن حملها وهو مؤمن بالله ورسوله ويفعلها قاصداً إرضاء ربه وليس
لأنها عادة من عادات قومه؟ فلا شك أنه سيكون في أمان الله سبحانه.
وقبل البعثة صرف الرسول جزءاً كبيراً من وقته متخفياً في غار حراء لاستقبال
العبء الثقيل والقول العظيم: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}[²²]، ولا بد من التعريف
ببعض نواحي العظمة التي تكونت في شخصية المصطفى ﷺ تحقيقاً لقوله تعالى له:
{وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}.
فلقد جمع ﷺ جمعاً فريداً بين أعلى درجات الصفاء الروحي باجتهاده في العبادة
وبين أعلى درجات النشاط العملي للحياة عملاً برعي الغنم ثم عملاً بالتجارة ثم بعد
ذلك جهاداً وبناء في دعوة الله تعالى، واجتمع لرسول ﷺ من خلق التواضع والحياء
والإيثار وهو في مركز القيادة ما لم يجتمع لأحد، حيث كان يعيش حياة البساطة
ويجلس حيث ينتهي به المجلس، يساوي أتباعه في المظهر والملبس ويشارك قومه
في العمل، فلقد شاركهم بحفر الخندق يوم الأحزاب وكان يجمع لهم الحطب في
أسفارهم، وكان يوزع عليهم الغنائم ويبيت ليس عنده منها شيء، ومات ﷺ ودرعه
مرهونة عند رجل يهودي.
وإن من أبرز صفاته ﷺ أنه كان يصبر على من يسيء إليه لا مذلة وضعفاً ولكن
خلقاً كريماً ليتحقق الغاية التي أرادها الله سبحانه من هذه الدعوة ولتبلغ مداها في
العالمين.
ولقد حافظ رسول الله ﷺ على هذه الأخلاق المثالية حتى في أحلك الظروف، فإنه
حافظ على صفة الأمانة مثلاً في نفسه حتى حين أخرج من بلده وتآمر عليه القوم
ليقتلوه يوم الهجرة، فقد أناب سيدنا علياً كرم الله وجهه وأمره وأوصاه بأن يرد
الأمانات إلى أهلها، ولو أخذها في مثل تلك الظروف لوجدت له الكثير من
المبررات لكنه لم يفعل ما يخالف ما أدبه الله عليه، وقد تخلف سيدنا علي رضي الله
عنه على الودائع وبقي ثلاث ليال بأيامها حتى رد ما كان عند رسول الله ﷺ من
ودائع لأصحابها.
وختاماً فإن لهذه المناسبة آدابها وحقوقها أهمها أن نعلم أن رسول الله ﷺ لم يثبت
عنه أنه أقام احتفالاً بمولده أو دعا إليه وكذلك لم يفعل ذلك خلفاؤه الراشدون وإنما
الذي ثبت عنه ﷺ أنه كرم هذا اليوم واهتم به لأنه يوم ولد فيه، فمن أراد أن يقتدي
به ﷺ فيحتفي بهذا اليوم بالصيام فهو أمر مشروع وكذلك لم يعب سيدنا رسول الله
ﷺ على صحابته إذا اجتمعوا لتدارس سيرته وفضله ومن هنا فلا بد أن يتأدب
الناس بآداب المصطفى ﷺ ويحذروا من مخالفته ومن أراد أن يجتمع بأهله وولده
ويقرأ عليهم السيرة النبوية ويذكرهم بالمواقف العظيمة في جو من الأدب والتأدب
بآداب الإسلام فلا بأس عليه، وكذلك إذا اجتمع نفر من الناس لنفس الهدف واقتصر
اجتماعهم على قراءة القرآن وتدارس جوانب من السيرة النبوية وإن فعلت ذلك
أجهزة الإعلام بدعوة العلماء والمفكرين لهذه الغاية فهو أمر محبب إلى النفس في
هذا العصر الذي كثرت فيه المغريات وشبابنا في أمس الحاجة للارتباط بسيرة
المصطفى ﷺ وآل بيته وخلفائه الراشدين وصحابته الكرام البررة رضوان الله عليهم
أجمعين، وكما قال رسول الله ﷺ: “إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى”[²³].
وسبحان عالم الغايات الذي أحب المصطفى ﷺ وأمرنا بحبه وصلى عليه وأمرنا
بالصلاة عليه.
والله الموفق وهو من وراء القصد وإليه السبيل.
الحواشي:
[¹] سورة آل عمران، الآية: 95
[²] سورة الزخرف، الآية: 44
[³] سورة الضحى، الآية: 6
[⁴] سورة الضحى، الآية: 8
[⁵] سورة الضحى، الآيات: 1-8
[⁶] رواه البخاري ومسلم
[⁷] سورة الشورى، الآيات: 52-53
[⁸] سورة الأعراف، الآية: 157
[⁹] سورة الأعراف، الآية: 158
[¹⁰] سورة البقرة، الآية: 129
[¹¹] سورة الصف، الآية: 6
[¹²] رواه البخاري
[¹³] رواه البخاري ومسلم
[¹⁴] رواه الترمذي
[¹⁵] سورة البقرة، الآية: 136
[¹⁶] سورة البقرة، الآية: 285
[¹⁷] رواه البيهقي في شعب الإيمان
[¹⁸] سورة القلم، الآية: 4
[¹⁹] رواه مسلم
[²⁰] سورة الزخرف، الآية: 31
[²¹] رواه البخاري
[²²] سورة المزمل، الآية: 5
[²³] رواه البخاري ومسلم
