فرحت كثيرًا بالتجاوب الذي وجدته عندما طرحت قضية الشباب الذين يحتاجون إلى
فرص عمل وعناية وتدريب إذا ما توقفوا عن الدراسة لأنهم لم يجدوا لهم مكانًا في
الجامعة، وأولئك الذين يتسربون خلال سنوات الدراسة ويذهبون مذاهب شتى في
دروب الحياة. وعندما طرحت هذا الموضوع في الأسبوع الماضي، وشرحت ما
تلقاه هذه الفئة من مصاعب بعد التخرج من الثانوية العامة، وخاصة عندما تكون
درجاتهم في التخرج متدنية، أو أولئك الذين يرسبون في الثانوية العامة أو ما دونها،
وقلت في حديثي إن هذه الفئة لا بد من الالتفات إليها، ودراسة أوضاعها وكيفية
توجيهها بصورة فاعلة ومناسبة لقدراتهم وإمكاناتهم، بحيث تتفق مع احتياجات البلاد
من العمالة الفنية في مجال الخدمات الإدارية والصحية ونحوها. ولقد فرحت كثيرًا
عقب نشر هذه المقالة، لكثرة ما وردني من اتصالات تتفق على أهمية هذا
الموضوع.
ثم إنه قد سرني الاطلاع على جهود موفقة للأخ الأستاذ عبد القادر بن محمد خليل
طيبة، وهو مدير البرامج بعمادة خدمة المجتمع والتعليم المستمر بجامعة أم القرى،
وكذلك شقيقه الدكتور أحمد بن محمد خليل طيبة، وهو أستاذ التخطيط والإدارة
التعليمية المساعد بكلية التربية، فرع جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة. وقد
اهتما بالموضوع وقدما دراسة لمشروع تهيئة الكوادر الوطنية، لشغل الوظائف
الحكومية والخاصة، وتهيئتهم لذلك. وقد وجدت أن هذه الدراسة ترتكز على:-
- استغلال برامج خدمة المجتمع في الجامعات، ومطالبتها بتقديم برامج تعليمية
تدريبية لخريجي الثانوية العامة، غير المقبولين في الجامعات. وتحتوي الدراسة
على نماذج مقترحة للتدريب وإعداد البرامج التوظيفية، وذلك بتوفير أعضاء هيئة
التدريس والمعامل، واستقطاب المتقاعدين من أصحاب الكفاءات من المدرسين
والفنيين وغيرهم، وتكوين هيئة متفرغة بعمادات خدمة المجتمع والتعليم المستمر.
مع إمكانية استخدام مباني ومعامل الجامعات في الفترة المسائية. على أن تكون
هناك رسوم رمزية، وتبرعات ومنح وزكاة أموال من القطاع الخاص للإنفاق على
متطلبات هيئة التدريس وخلافه.. وإشراك الشركات والقطاع الخاص في تمويل
وتدريب المشاركين، مع إلزامهم بإتاحة فرص العمل، للفئة التي تتدرب في مجال
اختصاص كل شركة. وفي الدراسة عرض لنوعيات البرامج والتخصصات التي
يحتاجها سوق العمل واقتراح بالمواد التي تدرس في كل مجال وعدد ساعات
التخرج.. واقتراح بأن يكون هناك دبلوم، ثم دبلوم عالٍ، مع وعد للدارسين بإتمام
الدراسة الجامعية في نفس التخصص إذا رغبوا.. وفي الدراسة وصف تفصيلي
لدورة دبلوم، دبلوم عالٍ للتبريد. وعدَّدت الدراسة المؤسسات التعليمية الفنية
الحكومية في المملكة والخاصة، وبلغت عشرين مجالًا وبأعداد كبيرة في كل مجال.
ولقد ركز الأخوان في دراستهما على قضية تحمل جامعات المملكة لهذه المسؤولية
وذلك من وجهة نظرهما، يفتح الطريق لهذا النوع من التدريب مع الأخذ بالاعتبار:-
- أن كافة جامعات المملكة لديها عمادات مستقلة لخدمة المجتمع والتعليم المستمر،
والتي تم إنشاؤها منذ أكثر من عشر سنوات، وغيرها من دور التعليم والتدريب لما
بعد المرحلة الثانوية، تخصص مراكز لخدمة المجتمع أيضًا. ونرى في ذلك إسهامًا
في تخفيف العبء في قبول الأعداد الكبيرة من خريجي الثانوية العامة، وإسهامًا في
إحلال المواطن الكفء محل نظيره من الوافدين. واضطلاع هذه العمادات والمراكز
بتقديم برامج تعليمية تدريبية لكافة خريجي المرحلة الثانوية، الذين لم يقبلوا في
جامعاتها – دونما قيد أو شرط سوى كون خريج الثانوية لم يمض على تخرجه أكثر
من (4) أربع سنوات. ويمكن قبول من مضى على تخرجه أكثر من (4) أربع
سنوات، لكن هذه الفئة لا يسمح لها نظام التعليم العالي الموحد بمواصلة الدراسة في
الجامعات. أما عن القبول في عمادات خدمة المجتمع والتعليم المستمر بالجامعات
فيرى الأخوان عبد القادر وأحمد طيبة بأن يتم على مدار العام ولا يقيده سوى:-
أ. وجود البرامج المعتمدة من قبل لجنة المناهج.
ب. قدرة الجامعة على تدريسه.
ج. توفر الحد الأدنى من الراغبين في الالتحاق به.
وقد تحدثا عن قضية النقلة الحضارية الكبيرة لهذه البلاد، وأن هذه النقلة الحضارية
والتقدم العمراني والزراعي والصناعي والاجتماعي والخدمي أدى إلى التوسع في
الميكنة والاستخدامات التقنية المتعددة، مما زاد الحاجة في كافة قطاعات المجتمع
التنموية إلى الأيدي العاملة الوطنية المتدربة ذات الخبرات المتخصصة الناتجة عن
تعليم تطبيقي ونظري يفوق مستوى المرحلة الثانوية. وهذا التعليم يسهم في إيجاد
الأيدي العاملة شبه المتخصصة لمساندة المتخصصين في كافة المجالات التنموية.
هذا وإن عمادات خدمة المجتمع والتعليم المستمر في جامعات المملكة تستطيع
الإسهام ببرامج تدريبية تعليمية تحقق أهدافًا مهمة في هذا المجال.
ولقد ركز الأخوان على عمادات خدمة المجتمع والتعليم المستمر، لأنها تستطيع أن
تسهم ببرامج تدريبية وتعليمية في نفس الوقت، ومن ذلك مثلاً:-
أولاً: مساعدة خريج الثانوية العامة في تحقيق أحد الهدفين التاليين:-
- اكتساب مهارات تؤهله للانضمام إلى سوق العمل في التخصصات التي يرغبها
الطالب ويحتاجها المجتمع، عن طريق برامج تتراوح مدتها من عام إلى عامين
دراسيين. - تأهيل العناصر المتميزة من الدارسين لإكمال دراستهم الجامعية في التخصصات
التي تخرجوا منها.
ثانيًا: بإمكان “التعليم المستمر” كجزء رئيسي من مهام هذه العمادات أن يقدم: - نفس البرامج التعليمية والتدريبية المقترح تقديمها لخريجي الثانوية لبقية أفراد
المجتمع المحيط بالجامعات، الحاصلين منهم على درجات علمية، أو العاملين في
القطاعات التنموية المختلفة في البلاد، والراغبين في: زيادة خبراتهم، أو صقل
مهاراتهم، أو إعادة تأهيلهم وتدريبهم لوظائف أخرى يرغبون في الانخراط فيها، أو
لمجرد تحقيق رغباتهم في توسيع خبراتهم في حقول تربوية أو علمية أو فنية أو
اجتماعية يودون معرفتها وخوض غمارها. - دورات تطوير وتحديث وإضافة معلومات جديدة للمتخرجين الذين مضى على
تخرجهم عدة سنوات، وهم يقومون بأعمال في غير تخصصهم، كالإشراف
والأعمال الإدارية، مثل المهندسين الذين يقومون بأعمال إدارية في البلديات. - بإمكان كافة المتخرجين الذين لم يتمكنوا من العمل في حقل تخصصهم أو غيره،
مثل خريجي العلوم الاجتماعية والدراسات الإسلامية والإعلام، الالتحاق بعمادة
خدمة المجتمع لدورات قصيرة لدراسة تخصص جديد يحتاجه سوق العمل في
القطاع الحكومي أو الخاص، لأن هذه الفئة سبق لها دراسة مواد الثقافة العامة،
وكذلك مقررات الدبلوم التربوي، مثل دراستهم لتخصص الحاسب الآلي والمكتبات،
تلبية لاحتياج مدارس التعليم العام.
ولقد سرني اهتمام الأخوين بمشاركة القطاع الخاص في هذا المجال، ولهذا عندما
وضعا الأسس التي يرجى تحقيقها على المدى الطويل ركزا على النقاط التالية:-
الأسس التي يرجى تحقيقها على المدى الطويل:
- قيام الجهات المتخصصة بوضع المناهج الجديدة اللازمة للبرامج التدريبية التي
لم تتم تغطيتها في البرامج الحالية. - اختيار هيئات مؤهلة بحيث يكون ثلث أعضائها أو أكثر من القطاع الخاص
لمواصلة تطوير المناهج القائمة أولاً بأول، وتعميم ما يستجد على كافة المؤسسات. - الوصول إلى مقاييس مقننة لسائر الوظائف والمهن أو نظام إجازة معترف به،
بحيث لا يمارس أي شخص وظيفة فنية أو مهنية أو اجتماعية وغيرها دون
الحصول على المؤهل المحدد لها، سواء بالدراسة أو الاختبارات الموضوعة لذلك،
وتعطى له هذه الإجازة بحيث يتم تجديدها كل (3) ثلاث سنوات بعد أن يحضر
الفني وثيقة تفيد تدربه على ما استحدث في مهنته خلال الثلاث سنوات الماضية.
وقد درس الأخوان الموضوع من الناحية الاقتصادية، ورأيا أن تكون الرسوم رمزية
لمثل هذه البرامج على النحو التالي:-
- لا يزيد ما يدفعه المتدرب أو المتدربة عن (20) عشرين ريالًا لكل محاضرة
نظرية ولكل حصة معملية فقط في البرامج التي ستستحدث وتدرس من قبل عمادات
خدمة المجتمع والتعليم المستمر في الجامعات. أما باقي المعاهد والمراكز
والمؤسسات الثمانية عشرة التي ذكرت أعلاه فسوف يستمر التدريس فيها مجانًا
وكما هو قائم حاليًا. - إمكانية تشغيل المتدرب أو المتدربة في مرحلة الدبلوم أثناء دراستهم في
المؤسسات التي سيعملون بها في المستقبل إن أمكن، أو عن طريق صندوق
الطلاب، بحيث لا يزيد عدد الساعات عن ثلاث ساعات في اليوم في الفترة
الصباحية. - متدربو مرحلة الدبلوم العالي سيتطلب منهم برنامجهم الدراسي العمل خلال
الفصل الصيفي تطبيقًا لما درسوه، لقاء راتب لا يقل في معظم الحالات عن
(2000) ألفي ريال شهريًا.
وهذا سيعوضهم جزءًا لا بأس به مما دفعوه ويعينهم على مواصلة دراستهم ويفتح
لهم مجال العمل بإذن الله.
هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإن مثل هذه البرامج يمكن الاعتماد فيها على
هيئة التدريس والمدربين عن طريق:-
- استقطاب الكفاءات العالية ممن أُحيل على التقاعد بقوة النظام، أو من سيحال من
أعضاء هيئة التدريس والفنيين ومدرسي اللغات وغيرهم، لتكوين الهيئة التعليمية
المتفرغة بعمادات خدمة المجتمع والتعليم المستمر. - الاستفادة من المدرسين القادرين على التدريس يستمر دون تحديد للسن للحاجة
الماسة لتخصصاتهم وخصوصًا مدرسي مواد الثقافة العامة، لحاجة كل العمادات
والمعاهد والمراكز إليهم. - عدم تقييد المكافآت التي تصرفها عمادات خدمة المجتمع والتعليم المستمر
بالجامعات بأي نظام حكومي يحد منها أو يمنع أي فئة من الاستفادة منها، وتركها
لتتحكم بها سياسة العرض والطلب والقدرة الفنية. - ولا شك أن موافقة أولي الأمر على المشروع تعتبر إضاءة لشمعة جديدة في حقل
التعليم والتدريب المهني، تواصل توهجها كلما زاد التأييد والدعم، حتى يعم ضوءها
كافة أرجاء الوطن، ويتم القضاء تدريجيًا على التأفف من ممارسة الأعمال اليدوية
التي يعدها الإسلام وسامًا يشرف أصحابها، ويجعل كسبهم من عمل أيديهم وعرق
جباههم.
وختامًا فإن هذه الدراسة تستحق العناية هي وأمثالها، لأن الشباب في حاجة ماسة
للتدريب. ولقد فرحت كذلك ببدء القبول بدبلوم المختبرات الطبية بجامعة الملك
سعود في عمادة خدمة المجتمع، بالتعاون مع كلية العلوم الطبية التطبيقية وهذه أيضًا
خطوة موفقة بإذن الله.
ومن هنا فإنني أرى أن نهتم بهذه الدراسة وأمثالها لأنها تفتح آفاق العمل أمام الشباب
وتعِين على تعليمهم وتدريبهم وتهيئتهم لأعمال تتناسب مع مؤهلاتهم من جهة،
وتوفر للبلاد مصادر للعمالة الفنية والوظائف الإدارية في المستويات المختلفة. كما
إنها تعين على توفير اليد العاملة في مجال المختبرات الطبية المختلفة. وقد سرَّني
أنها تدعو إلى الاستفادة من المتقاعدين من مدرسي التقنية، ومن أساتذة الجامعات،
وهذه لفتة كريمة موفقة لا شك. والموضوع على أي حال يحتاج إلى همة جديدة
وتحرك في الاتجاه الصحيح، وفي الوقت المناسب، وخاصة بعد أن أخذت هذه
الأعداد تتكاثر بالآلاف من حولنا، ولا حول لها ولا قوة، ولا بد أن نعينهم على حياة
كريمة وعمل شريف.
وشكرًا للأخوين طيبة على جهودهما في هذا المجال وهو جهد يستحق العناية
والاهتمام.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
