طلابنا وكلمة حق

كتبت قبل أيام عن موضوع رمي الطلاب للكتب المدرسية بعد الانتهاء من
الامتحانات، ولمتُّ الكُتَّاب الذين عبروا عن غضبهم لهذه الظاهرة، وقلت في مقالي
بجريدة الرياض: إن الواجب يملي علينا أن نتعمق في هذه الظاهرة وأن نبحث عن
أسبابها ومسبباتها وجذورها قبل أن نلوم هؤلاء الأطفال والناشئة؛ لأنها ظاهرة لم
نكن نألفها. فلماذا يرمي أولادنا الكتب ويتبارون في قذفها والخلاص منها، وكأنه
إعلان عن غضب عليها؟

ويأتي السؤال: هل هو غضب من الكتاب أم من المنهج أم من المدرس أم من البيئة
المدرسية؟ وقد عاتبني بعض الإخوان يلومونني على أنني سميتها ظاهرة صحية،
وعبرت عن أن قذف الكتب من قبل الطلاب هو ظاهرة صحية، وربطت ذلك
بحديث سابق كنت قد نشرته قبل سنوات عندما انتشر التفحيط في مناطق مختلفة في
المملكة، وخاصة في الكورنيش في جدة وفي عرفات بمكة المكرمة وفي الرياض
وفي بعض مناطق الشرقية، وكيف أن الطلاب يتبارون في التفحيط. وقلت في ذلك
الوقت: إن هذه ظاهرة صحية تدلنا على ما يعانيه هؤلاء الطلاب من نقص. وإنني
أستسمح الإخوة الذين انتقدوا أن أقول رأيي بصراحة وأكرر بأن تصرف هؤلاء
الطلاب وقذفهم للكتب ظاهرة صحية؛ لأنه يأخذ بأيدينا ويضعها في مكامن الداء
الذي كان دفينًا في النفوس فطفح على السطح وأصبح ظاهرًا للعيان. ولا شك أن
هؤلاء الذين يقذفون بالكتب ويزداد عددهم يومًا بعد يوم يلفتون الأنظار إلى قضايا

جوهرية يعاني منها هذا الجيل، ولا بد لنا أن نهتم بهم بدلاً من شجبهم وبدلاً من
تعنيفهم. ولا بد أن نعود إلى أنفسنا ونتساءل:
لماذا يقذفون بالكتب؟
هل هي الأسرة التي انشغلت عن أبنائها؟
أم هي المدرسة التي لم تعد تعنى بحاجات الطالب في هذه الفترة الحرجة من حياته؟
هل هو المدرس أم هي المناهج وكثافتها أم تلك الأوزان الثقيلة من الكتب التي تنهك
ظهورهم عند حملها؟ أم مجموعة عوامل ساعدت على تلك الظاهرة؟

ومن المهم أن يدرك المجتمع مسؤوليته تجاه هؤلاء الشباب، وأن يحرص على تفهم
رغباتهم وطموح هذا الجيل واحتياجاته، وأن نعمل ما نستطيع لسد الفجوة بين كلا
الجيلين. ولا بد من تفهم مشاكلهم وتوفير المرونة الكافية لهم حتى تتبلور إمكاناتهم
وكفاءاتهم وتتضح معالم شخصيتهم. ولا بد من اتصال مباشر بيننا وبينهم حتى لا
تنقطع الصلة وتتعطل قنوات الاتصال. ولا بد أن نعي دورنا بالنسبة لشغل أوقات
فراغهم، وبصورة خاصة الفراغ النفسي لدى الشباب. ومن الأهمية بمكان أن يكون
هناك هدف معين يدورون حوله، أو شعار خاص بهم، أو قضية تجمعهم، أيّة قضية
شبابية، أو رياضية كانت أو فنية أو علمية. وإذا كانت الأمم المعادية للإسلام قد
جعلت للشباب مؤتمرات ومعارض ومباريات وغير ذلك، فإن الواجب علينا نحن أن
نربط شبابنا بهدف أو قضية ينشغل بها وينفس عن طاقاته في العمل من أجلها. ولا
بد أن نعرف هنا أن الشباب لا يكون صاحب قضية إلا إذا تفاعل مع الأحداث أو
انفعل بها ولم يدعها تمر به دون أن يشارك فيها.

وكم أتمنى أن ندرك جميعًا أن العملية التعليمية لها خصائص أساسية في كل مرحلة
من المراحل؟ فالمرحلة الابتدائية وهي مرحلة تعتبر أساسية في التربية وبصورة
خاصة في مجال السلوك وعملية محو الأمية لدى الطفل، والأخذ بيده ليعرف كيف
يقرأ ويكتب وكيف يتعايش مع المجتمع من حوله. في وقت تختلف فيه المرحلة
الثانوية اختلافًا جوهريًا؛ لأنها مرحلة تثقيف وبلورة للمفاهيم والتعرف على

المواهب. فإذا وصلنا إلى المرحلة الجامعية بدأنا في مرحلة التخصص. ومن ناحية
أخرى تبقى النظرة للمدرس الكفء على أنه حجر الزاوية الذي يعمل على تنفيذ
المنهج عن طريق قدراته الذاتية واستيعابه للمادة وقدراته التربوية، سواء عن طريق
دفع الطلاب إلى القراءة الحرة أو النشاط اللا صفي أو حتى بالقدوة الحسنة والسلوك
العلمي القويم، عوضًا عن هذا الرفض الذي نراه والذي يتمثل في قذف الكتب
مباشرة بعد الخروج من صالات الامتحانات.

و أقول بكل صراحة وصدق: إنه قد آن الأوان للتعمق في دراسة مثل هذه المظاهر
والظواهر، ومعرفة أسبابها؛ لأن لها أسبابًا أساسية وعوامل قادت إلى مثل هذه
الانفعالات والأفعال. ولا يصح أن ننظر لها من وجهة نظر سطحية أو نلجأ إلى
فرض عقوبات أو إملاءات، وإنما لا بد أن ندرس: لماذا يحدث هذا؟ وما الذي
يدفعهم إلى ذلك؟ لأن ما يفعلونه لا شك هو نوع من التعبير عن الانفعالات التي في
أنفسهم، والنقص الذي يحسونه، والإهمال الذي يلقونه. ولهذا لا بد من نظرة جادة
في التعليم ومناهج التعليم وأساتذة التعليم ومناخ المدرسة. وإن القضايا التربوية لا
تقل أهمية عن الناحية التعليمية، وإن الخطة الدراسية أصبحت ترهق الطالب
والطالبة، فلا يكاد يعود من مدرسته إلا ويجد أن أمامه كمًّا من الواجبات المدرسية
لا بد أن يقوم بها، فيضيق صدره بالعلم والتعليم والأستاذ، وهذا ما يدفعه إلى هذه
الانفعالات إلا من رحم ربي.
هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى لنتذكر أننا في خضم ثورة اتصالات وثورة
تقنية في العلم وثورة إعلامية وبرامج تؤثر على سلوك الأطفال وتربيتهم، ونحن في
غفلة عن ذلك. وإلا فإن هؤلاء الأولاد سوف يستمرون في قذف الكتب أو الاتجاه
إلى أي لون من التعبير يلفتون نظر المجتمع إلى أنهم أصبحوا يضيقون بالمدرس
والمناخ المدرسي والمنهج، وطول المنهج وضخامة الكتب، وعنف بعض
المدرسين. وقد رأينا بأعيننا كيف وصل سلوكهم إلى ضرب بعض المدرسين. ولهذا
فإني لأرجو أن ندرس هذه الظاهرة بعلمية وعناية.

والله من وراء القصد وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.