حتى الجمادُ والحيوانُ أحبَّ رسولَ الله ﷺ

سبحان الله هذا الربُّ الكريمُ الذي أحبَّ رسولَ الله ﷺ وأكرمَه وكرَّمَه ورفعَ شأنَه وحبَّبَه إلى خَلْقه.. إلى كلِّ خَلْقه من بَشَرٍ وشَجَرٍ وحَجَرٍ وحيوانٍ، كلُّهم أحبُّوا رسولَ الله ﷺ بأمر الله.. حتى إنَّ بعضَهم من الحبِّ سبَّح بين يديه، والبعضُ سلَّم عليه.

ومن ينظر في هذه المسألة يرى أن الصحابة الثقات رضوان الله عليهم قد نقلوا إلينا صورًا من حبِّ الحيوان والجماد لنبينا محمد ﷺ، ومسألةُ حبِّ الحيوان والجماد لرسول الله ﷺ جانبٌ مهمٌّ لأنها ترينا كيف أن هذه المخلوقات وهي غيرُ عاقلةٍ ولا مكلَّفةٍ أحبَّت رسولَ الله ﷺ ومن الأمثلة المهمة على ذلك محبةُ جبل أُحُدٍ لرسول الله ﷺ وهذا رسول الله ﷺ يعلمنا بقوله “هذا أُحُدٌ، جبلٌ يُحبُّنا ونُحبُّه” ” رواه البخاري ومسلم ” .

فهذا الجبلُ المباركُ أحبَّ رسولَ الله ﷺ لأن الله قد غرس فيه حبَّ المصطفى، وكما يقول الشيخ المحدث الدكتور خليل ملا خاطر: “ومن نظر إلى جبل أُحُدٍ لا يجد فيه – من حيث الظاهر – ما يفرّقه عن غيره من الجبال، بل قد يكون دون غيره بكثير، فلا شجر ولا ماء ولا خضرة لديه، لذا قلَّ أن يثير ما يُحَبُّ لأجله. فلما غرس الله سبحانه وتعالى فيه محبة النبي ﷺ، بادَله النبي ﷺ نفسَ الحبِّ والشوق. ” انظر كتاب الدكتور خليل ملا خاطر  “محبة رسول الله ﷺ بين الإنسان والجماد”.

كما أن في هذا النص إظهارًا لمكانة النبي ﷺ، حيث غرس الله سبحانه وتعالى في الجمادات حبَّه، والشوقَ إليه.. مع ما في الجبال من يُبُوسةٍ وفَظاظةٍ وقوةٍ وصَلابةٍ وكثافة.

فإذا كانت الجمادات – والمتمثلة بالجبال في هذا الحديث – وهي التي لا تعقل ولا تدرك في الظاهر، قد أسكن الله سبحانه وتعالى فيها محبةَ نبيِّه وصفيِّه وحبيبه ﷺ.. فما أدلَّ هذا على محبة الله سبحانه وتعالى لنبيِّه عليه وآله الصلاة والسلام ورفعة مكانته عليه وآله الصلاة والسلام وإذا كانت الجمادات وهي التي لا تعقل ولا تدرك، وغيرُ مكلفة في الظاهر ومع هذا تُحبُّه ﷺ، فكيف يكون الإنسانُ العاقلُ المدركُ المكلَّفُ والمأمور.

وهناك قضية حنين الجذع إليه ﷺ فقد كان النبي ﷺ – قبل صُنع المنبر الشريف – يخطب قائمًا معتمدًا على جذع نخل منصوب على يمين المحراب فإذا طال وقوفه ﷺ، أو شعر بتعب، وضع يدَه الشريفة على ذلك الجذع.

فلما كثر عدد المصلين، وضاق المسجد بأهله، بحيث لم يعد يَرى – من صلى في آخر المسجد أو من كان جالسًا في آخره – رسولُ الله ﷺ إذا وقف في مقدمة المسجد، إضافة إلى تقدم سن النبي ﷺ، مما جعل الصحابة رضي الله عنهم يشفقون عليه ﷺ إذا طال وقوفه، لذا أشار عليه بعض الصحابة أن يصنعوا له منبرًا، فوافق ﷺ على ذلك، فصنعوه من طَرْفاء الغابة – وهي نوع من الشجر.

فلما وُضع للنبي ﷺ المنبرُ في موضعه، وخرج ﷺ من باب الحجرة الشريفة، يوم الجمعة يريد المنبر، لِيَخْطُب عليه، فلما جاوز الجذعَ الذي كان يخطب عنده، ولم يقف عنده، وصعد المنبر، وإذا بالجذع يحنُّ إليه بصوت يسمعه كلُّ من كان في المسجد، حتى ارتجَّ المسجد، ولم يهدأ، فتأثر الصحابة رضي الله عنهم، وتعجبوا لذلك تعجبًا شديدًا.

هذا الجذعُ اليابسُ يحنُّ ويصيح.. نعم.

نزل النبي ﷺ عن المنبر، وأتى الجذع، فوضع يدَه الشريفة عليه ومسحه، ثم ضمَّه ﷺ بين يديه إلى صدره الشريف حتى هدأ.. ثم خيَّره ﷺ – بأن سارَّه وهو الجماد الميت – بين أن يكون شجرة في الجنة؛ تشرب عروقه من أنهار الجنة وعيونها، ويأكل منه المؤمنون فيها، وبين أن يعود شجرة مثمرة في الدنيا.. وذلك بأن يعيده إلى بستانه الذي كان فيه، فيثمر من جديد ويأكل منه المؤمنون.

فاختار الجذعُ المشتاق الحَنون أن يكون شجرة في الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: “أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله” فسكن الجذع. ثم قال ﷺ: “والذي نفسي بيده لو لم ألْتَزِمْه لبقي يحن إلى قيام الساعة شوقًا إلى رسول الله ﷺ” كما ثبت في عدد من الأحاديث الصحيحة والروايات. انظر كتاب الدكتور خليل ملا خاطر  “محبة رسول الله ﷺ بين الإنسان والجماد”.

هذا جمادٌ ابتعد عنه رسول الله ﷺ أمتارًا أربعةً أو خمسةً، فلم يتحمَّل هذا البعد، ولم يطقه، يبكي ويحنُّ شوقًا إليه ﷺ، وحزنًا على فراقه ﷺ، ولم يهدأ حتى ضمَّه ﷺ وخيَّره.

ثم هذا حجرٌ وتلك شجرة تسلِّم على رسول الله ﷺ وتحبه وتعرفه، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ “إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن” رواه مسلم.

وفي رواية عند أحمد والترمذي والبيهقي “كان يسلِّم عليَّ ليالي بُعثت”.. وهذا السلام من هذا الحجر يوضحه حديث علي رضي الله عنه، وإن كان الحجر لم يتفرَّد بالسلام على النبي ﷺ، بل كان يشاركه الجبل والشجر.

فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا معه في بعض نواحيها، فمررنا بين الجبال والشجر، فلم نمر بشجرة ولا جبل، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله..

وفي لفظ “فجعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلَّم عليه” وفي لفظ للبيهقي” فما استقبله شجر إلا قال له السلام عليك يا رسول الله”.

وفي لفظ له أيضًا: لقد رأيتني أدخل معه – يعني النبي ﷺ فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وأنا أسمعه. رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وأقره الذهبي والدارمي وأبو نعيم والبيهقي.

ففي هذه النصوص: لا يمر بحجر ولا شجر ولا جبل ولا مَدَر إلا وسلَّم عليه ﷺ.

ومن الملاحظ في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، الذي سمع السلام هو والنبي ﷺ لأنه كان بمفرده، أما في حديث علي رضي الله عنه، فقد سمعه علي رضي الله عنه ومن معه، إضافة إلى سماع النبي ﷺ، فهو نطق صريح من هذه الجبال والأشجار والأحجار في سلامها على النبي ﷺ.

كما روى أهل السير أن النبي ﷺ، حين أراد الله عز وجل كرامته، وابتدأه بالنبوة، جعل لا يمر في شعاب مكة وبطون أوديتها، فيمر بحجر أو شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله.

ويلاحظ هنا صيغة السلام: السلام عليك يا رسول الله.. ولم يكن هذا السلام معروفًا في الجاهلية.. فهي تعلَمُ إذًا أنه رسول الله ﷺ.. لذا خاطبته بهذه الصيغة.

هذا عن الحجر والشجر الذي سلَّم على رسول الله ﷺ: فعن يعلَى ابن مرة الثقفي رضي الله عنه قال: بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ، فنزلنا منزلًا، فنام النبي ﷺ فجاءت شجرة تشق الأرض، حتى غشيته، ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له ذلك، فقال: “هي شجرة استأذنت ربها عز وجل في أن تسلِّم علي، فأذن لها”  رواه أحمد والطبراني وأبو نعيم والبيهقي، ورجال أحمد وأبي نعيم والبيهقي رجال الصحيح وللحديث شواهد.

ثم نأتي إلى قضية مهمة وهي تسبيح الطعام والحصى بين يديه ﷺ حيث كان الطعام يسبح بين يدي رسول الله ﷺ، وهذا لون من ألوان التعبير عن المحبة.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نعد الآيات بركة ( أي المعجزات التي اجراها الله على يد النبي ﷺ )، وأنتم تعدونها تخويفًا، وكنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقل الماء، فقال: “اطلبوا فضلا من ماء” فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: “حي على الطهور المبارك، والبركة من الله” فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ.. ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل – رواه البخاري.

وفي رواية الإسماعيلي والترمذي والبيهقي – لهذا الحديث: كنا نأكل مع النبي ﷺ، ونحن نسمع تسبيح الطعام.

وهذا النص يدل على التكرار “كنا نسمع” والله تعالى أعلم.

وفي رواية عنه رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فدعا بالطعام، وكان الطعام يسبح. – رواه ابن حبان بسند قوي.

وإذا كان في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان المسبح هو الطعام، فإنا نجد الحصى تسبح بين يدي الرسول ﷺ أيضًا، ولم يقتصر تسبيحها على كونها في يد رسول الله ﷺ، بل سبحت في يد أبي بكر ويد عمر ويد عثمان رضي الله عنهم جميعًا.. ولكن ذلك كان بسببِه هو ﷺ.

والنبي ﷺ لم يأمر الحصيات – ظاهرًا – ولكن الفعل أبلغ من القول. انظر كتاب الدكتور خليل ملا خاطر  “محبة رسول الله ﷺ بين الإنسان والجماد”.

فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: إني لشاهد عند النبي ﷺ في حلقة، وفي يده حصيات، فسبحن في يده – وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يسمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن النبي ﷺ إلى أبي بكر فسبحن مع أبي بكر، يسمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن النبي ﷺ إلى عمر، فسبحن في يده، يسمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن النبي ﷺ إلى عثمان، فسبحن في يده، ثم دفعهن إلينا، فلم يسبحن مع أحد منا.. – رواه أبو نعيم في دلائل النبوة – بإسنادين – أحدهما برجال ثقات – ورواه البزار بإسنادين أحدهما ثقات ورواه ابن أبي عاصم بإسناد جيد، ورواه البيهقي والبزار والطبراني في الأوسط، من طريق آخر.. وقال الهيثمي عن إسناد البزار الأول: إسناده صحيح.. وقال في موطن آخر.. رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.. ورواه التيمي مختصرًا ومطولًا في الدلائل قلت وإسناد أبي نعيم الأول وإسناد البزار الثاني كافيان لصحة الحديث والله تعالى أعلم.

ثم هناك موضوع تأدب الحيوانات معه ﷺ فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كان لآل رسول الله ﷺ وحش ( حيوان غير أليف ) ، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل، ربض فلم يتحرَّك، ما دام رسول الله ﷺ في البيت، كراهية أن يؤذيه.. رواه أحمد – من طريقين – وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل والدارقطني برجال الصحيح.. وقال ابن كثير – رحمه الله عن سند أحمد: هذا الإسناد على شرط الصحيح، ولم يخرجوه، وهو حديث مشهور والله تعالى أعلم.

فهذا حيوان بهيم يحترم ويقدر النبي ﷺ ويبجله ويجله، ولا يزعجه بحركته، ولا يؤذيه بلعبه واشتداده، فإذا أحس بدخوله ﷺ ربض ولم يتحرَّك، وهو حيوان..

وأذكر حادثة طريفة غريبة، تدل على مدى أدب الحيوانات واحترامها وتقديرها للنبي ﷺ، مع أنها حصلت بعد وفاته ﷺ. أخرج الحاكم ج3: 66 عن محمد بن المنكدر أن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: ركبت البحر، فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، فركبت لوحًا من ألواحها، فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد، فأقبل إلي يريدني، فقلت يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله ﷺ (زاد في رواية، كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد) فطأطأ رأسه وأقبل إلي، فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة، ووقفني على الطريق، ثم همهم فظننت أنه يودعني.. فكان ذلك آخر عهدي به.. رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي، والطبراني في الكبير، والبزار وعبد الرزاق في مصنفه، وأبو نعيم في الحلية والدلائل، والبيهقي في الدلائل، والتيمي في الدلائل، وأبو يعلى، وعزاه السيوطي في الخصائص: لابن سعد وابن منده، إضافة لأبي يعلى والبزار والحاكم.

قلت: ورجاله عند عدد منهم ثقات، وقد ورد عند أغلبهم عن محمد بن المنكدر عن جابر ، وروي ايضا من طريق أبي ريحانة ( صحابي له صحبة ورواية عن النبي ﷺ ) وقد قال محمد بن محمد اليعمري الأندلسي المصري المشهور بابن سيد الناس  رحمة الله تعالى:

والليث أذوى في سفينة مفردًا    بالروم في فيفاء قفر بلقـع

مازال يكلؤه إلى أن دلـه              عند الأمان على سواء المشرع

فإذا كان الأسد – ويظهر أنه كان جائعًا لأنه جاء يريده – عندما سمع من سفينة رضي الله عنه أنه مولى رسول الله ﷺ ما كان منه إلا أن طأطأ رأسه وتأدب، ثم لم يكتف بذلك، بل بقي يسير معه ويوجهه من مكان لآخر، وإذا سمع صوتًا ذهب إليه، ثم عاد إلى سفينة رضي الله عنه، حتى أوصله إلى الطريق الذي فيه الجيش الذي كان قد ابتعد عنه.

هذا حيوان مفترس متوحش.. وفعل هذا الفعل، فماذا يقول المسلمون المقصرون وفعل الأسد إنما هو بإذن الله تعالى قذف في قلبه ونفسه التأدب والاحترام {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} (النساء: 64).

على أن الله سبحانه سخَّر لصحابة نبيه ﷺ الحيوانات والجماد إكرامًا لرسول الله ﷺ فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، أمر عليها عاصم بن أبي الأقلح رضي الله عنه. الحديث بطوله في قصة خبيب بن عدي رضي الله عنه وفيه: أن عاصمًا قال: لا أنزل في ذمة مشرك وكان قد عاهد الله أن لا يمسَّه مشرك ولا يمسَّ مشركًا فأرسلت قريش ليأتوا بشيء من جسده، وكان قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته منهم، ولذلك كان يقال: حمى الدبر”. وعن عروة في تلك القصة: أراد المشركون أن يقطعوا رأسه فيبعثوه إلى المشركين بمكة، فبعث الله الدبر تطير في وجوه القوم وتلدغهم فحالت بينه وبينهم أن يقطعوا رأسه.

وهناك قصة ذكرها صاحب شريعة الإسلام أن أبا علاء الحضرمي رضي الله عنه كان على رأس سرية وأنهم ضلوا في الصحراء وليس معهم ماء، فوقف قائلًا: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم إنا في طاعتك وطاعة رسولك، اسقنا، فما ذهبوا كثيرًا حتى مروا على جدول ماء صاف فشربوا وتوضئوا وملئوا أسقيتهم وأوعيتهم وطبخوا ثم ارتحلوا، ونسي أحدهم متاعًا عند الماء فرجع فلم يجد قطرة ماء. أخرجها البيهقي في “دلائل النبوة”، وأبو نعيم في “معرفة الصحابة”، وابن كثير في “البداية والنهاية” في ترجمة العلاء بن الحضرمي، وهي من أخبار كرامات الصحابة

كذلك روي أنهم تعرضوا لمضيق حال بينهم وبين المسير لمقصدهم في الجهاد في سبيل الله، فوقف وقال: يا حليم يا عليم، يا علي يا عظيم إنا في طاعتك وطاعة رسولك أَجِزْنا، وأمر الصحابة أن يخوضوا، فخاضوا وانتقلوا للطرف الآخر. أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية في كرامات العلاء بن الحضرمي. وروى ابن أبي شيبة في المصنف دعاء العلاء حين خاض البحر بلفظ: “اللهم يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم”

وكذلك روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد وقعة القادسية عندما أراد التوجه للمدائن حال نهر دجلة بينهم وبين العدو، فوقف قائلًا: ما أظن أن دجلة يعصي الله وأمرهم بالخوض في الماء، فخاضوا وانتقلوا إلى الضفة الثانية ولم يصابوا بسوء ولا نقص لهم متاع. انظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك، حوادث سنة 16 هـ؛ وابن كثير، البداية والنهاية، أحداث فتح المدائن؛ وابن الأثير، الكامل في التاريخ.

هذه بعض صور المحبة لرسول الله ﷺ من قبل الجمادات والحيوانات والنباتات.. وكلها تدل على عظمة الله عز وجل الذي ذلَّل هذه المخلوقات ووضع فيها الحب لهذا النبي الكريم والرسول العظيم عليه أفضل الصلاة والتسليم وهي وإن كانت خارقة للعادة.. إلا أنها لا تستغرب ولا تستكثر في حق مقلب القلوب عز وجل والفعال لما يريد الذي بيده ملكوت كل شيء سبحانه وتعالى.. الذي أحب رسوله ﷺ.. وعلمنا حبه وأمرنا بهذا الحب.. وجعل فيه النجاح والفلاح.. وأوضح أنه يبدأ بالاتباع.. والخضوع والانقياد لمنهج الله الذي جاء به ﷺ.. ومن هنا كان واجبًا أن نحبه ونعلم أولادنا حبه.. ونأخذ بأيديهم لدراسة السيرة النبوية العطرة.. ولقد فرحت كثيرًا وأنا أرى بعض جامعات المملكة تبدأ بتطبيق عملية تدريس السيرة النبوية لجميع الطلاب كمادة أساسية فالحمد لله رب العالمين وأسأل الله أن ينفع بها ويوفقنا إلى مزيد من العناية بهذه السيرة النبوية العطرة له ﷺ وآل بيته الطيبين الطاهرين.. وصحابته الكرام البررة.

وختامًا فإننا عندما ننظر في حياة المصطفى ﷺ، ونحس بما أكرمه الله تعالى به من قبول، حتى إن الحيوان والجماد قد أحبه ﷺ، ونضع كل تلك الصور أمام الناشئة لنعمق حب المصطفى في قلوبهم ونربطهم به.

والحق أن كل ملامح السيرة النبوية فيها عظات وفيها إضاءات كلما تتبعناها ازددنا قربًا من سيرته ﷺ ومنه ومن أفعاله، وفي جميع الحالات لا بد أن ندرك أن الحب لرسول الله ﷺ يبدأ بالاتباع والالتزام بمنهجه والعض على سنته، وهذا أصل الطريق وبهذا أوصانا رسول الله ﷺ.

والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،