ينظر بعض الناس بعمق إلى قضية الحج وآدابه وموجباته وواجباته.. وتبرز أهمية تنظيم الأسئلة والأجوبة في الحج. وعلى الرغم من أن السؤال مفتاح العلم، وطريق الوصول إلى المعرفة، فإن كثرة الأسئلة في الحج واختلاف الأجوبة في الأمر الواحد قد يؤدي إلى البلبلة والتشويش على العامة في بعض الأحيان، وقد يوقع في الارتباك والحيرة. فهذا يمنع وذاك يجيز، وهذا يحلل وذاك يحرم. والأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للفتوى، أو يتطوع بها ويلقيها عن يمين وشمال من ليس من أهل العلم والفتوى. وغالب الناس يأخذون كل ما يفتون به على محمل الجد، فإذا سمعوا فتوى أخذوا بها وأفتوا بها غيرهم، وربما أنكروا على من خالفها، فكان إنكارهم ذريعة إلى الاختلاف، وربما كان ذلك سببا من أسباب الفرقة والعداوة. فإذا أضفنا إلى ذلك اختلاف رأي الأئمة في بعض الأحكام الفقهية، وتعصب بعض المفتين للمذهب، والاستهانة بالمذاهب الأخرى، كان الخطر الأشد. وربما وقع الجدال المذموم الذي نهى الله تعالى عنه بقوله: {ولا جدال في الحج} [¹].
أقول هذا بمناسبة موسم الحج في هذه الأيام المباركة، وكثرة ما يلقيه الحجاج من الأسئلة المتعلقة بأعمال الحج، وحاجتهم إلى معرفة الكثير من الأحكام التي يجهلونها، وبسبب ما يقعون فيه من الأخطاء، وما يتعرضون له من المفاجآت والمواقف الحرجة، وما يسمعونه من إخوانهم من أحكام متباينة أو متعارضة في الأمر الواحد، فينجم عن ذلك بلبلة واختلاط لدى كثير من الحجاج الذين يأتون من بلاد مختلفة.
ولا يخفى على أحد أن بعض البلدان الإسلامية يغلب على أهلها الأخذ بهذا المذهب أو ذاك من المذاهب المعتمدة. ولا تخلو جماعة من الحجاج من وجود عالم أو طالب علم، أو مداوم على الحج ممن لهم معرفة ببعض أحكام الحج. وكل ذلك من الظواهر الصحية التي تجعل أكثر الحجاج يؤدون حجهم بشكل صحيح، والحمد لله.. ولكن المؤسف ما نراه من كثرة الأسئلة في الأمور الصغيرة، وفي المسائل الخلافية بين العلماء، والتعصب للرأي وللمذهب أو المفتي، وما يجره ذلك من البلبلة في أذهان العامة. وما أكثر العامة بين صفوف حجاج بيت الله الحرام.. وأنا إذ أنبه إلى ذلك لا أدعو إلى منع الأسئلة، فمن واجب كل مسلم أن يسأل عما يجهل، وفرض على كل مسلم أن يتعلم فقه كل عبادة افترضها الله تعالى عليه؛ لأن ما لا يتم الفرض إلا بتعلمه يكون تعلمه فرضا. فالصبي إذا احتلم، والكافر إذا أسلم، أصبح فرضا عليه أن يتعلم أمور الطهارة وفروض الصلاة وواجباتها وسننها. كذلك المسلم إذا أراد أن يحج، يصبح تعلم أحكام الحج فرضا لازما عليه. فإذا أراد أن يدخل في النسك لم يصح حجه إلا بأعمال مخصوصة في أماكن مخصوصة وأوقات مخصوصة، ومعرفة ذلك لا تكون إلا بالعلم والتعلم وسؤال أهل العلم.
ولكي يكون الحجاج على بصيرة من أمور الحج، ويكون حجهم صحيحا تاما، بعيدا عن الأخطاء، أرى أن تتعاون دوائر الإفتاء وكليات الشريعة والعلماء في كل بلد إسلامي على إعداد برامج تعليمية عن الحج يقترن فيها الصوت بالصورة، تبين مراحل الحج منذ البدء في النسك والدخول فيه حتى الانتهاء منه، وتبين المواقيت الزمانية والمكانية، وما يجب فعله في كل مرحلة من المراحل، وفي كل موقف من المواقف. وبيان نوع النسك الذي يؤديه الحاج من إفراد أو قران أو تمتع، والمذهب الذي يؤدي النسك على أساسه. وبيان الأخطاء التي يقع فيها بعض الحجاج وطرق تلافيها، والمخالفات وكفاراتها. وتعليم ذلك بطريقة جذابة وسهلة، يرى الحاج من خلالها العمل الصحيح المقترن بالأدب المطلوب، كما يرى الخطأ وسبب الوقوع فيه، وما يترتب عليه من كفارة أو توبة أو تصحيح. ويسمع السؤال والجواب الصحيح. وبذلك يسهل على الحاج أن يتلافى الخطأ قبل الوقوع فيه… وهذا أمر ممكن والحمد لله، بما أتاحة العصر من وسائل تعليمية حية.
وقد أعجبتني في هذا المجال التجربة الماليزية في تعليم الحج والزيارة للحجاج من خلال برامج خاصة تبين كل ما يجب على الحاج أن يفعله منذ البدء بالنسك حتى الانتهاء منه، موضحة بالصوت والصورة، والزمان والمكان، والأعمال المطلوبة في كل موقف. وبذلك يكون الحاج على هدى وبصيرة، وكأنه قد رأى الأماكن المقدسة، وعرف ما هو مطلوب منه في كل مرحلة وكل مكان، وحكم هذه الأعمال من حيث كونها ركنا أو واجبا أو سنة مؤكدة أو مندوبا، وما يترتب على ترك بعض الأعمال، أو الوقوع ببعض الأخطاء من الكفارات. ولو أن الجهات المسئولة في البلاد الإسلامية حذت حذو التجربة الماليزية لأسدت إلى حجاجها معروفا وخدمة كبيرة، يستطيعون من خلالها أن يؤدوا مناسك الحج على هدى وبصيرة، فلا يفوتهم عمل من الأعمال المطلوبة في الأركان والواجبات، ويحرصون على أداء السنن والمندوبات ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ويجتنبون المحظورات بالكلية. وإذا فاتهم شيء أو أوقعوا في أخطاء عرفوا كيف يتداركونها، فقدموا الأركان والواجبات وأتوا بها كاملة، وحرصوا على السنن والمندوبات فأدوا منها ما استطاعوا، دون أن يحملوا أنفسهم ومن معهم من الضعفاء عسرا ورهقا، وقد يعرضونهم للأذى الفادح، والخطر الشديد.
ومن المهم أولا وقبل كل شيء أن يتحلى الحجاج نفسيا وخلقيا بآداب الحج: من التوبة الصادقة، والبعد عن الرفث والفسوق والجدال. ويدركوا أسرار الحج ومعانيه، والتأدب بآدابه، وتحرير النية، وإخلاص العمل لله، وتقديم التوبة بين يدي الحج، وتوطين النفس على الصبر والعفة والتخلق بأحاسن الأخلاق: من التعاون والتناصح والإيثار والتواضع، والاجتهاد في العبادة وكثرة الذكر والاستغفار، والبعد عن المشاحنة والمجادلة والرفث والفسوق والعصيان. ومعرفة آداب دخول مكة المكرمة والمسجد الحرام وما لهما من الحرمة، وآداب الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وأحكام الوقوف بعرفة، والنزول إلى المزدلفة، وحكم المبيت في المشعر الحرام وفي منى، ورمي جمرة العقبة، وشروط التحلل الأصغر والأكبر، وطواف الإفاضة، وأعمال أيام التشريق، وأوقات الرمي، وطواف الوداع، والأحكام الخاصة بالنساء بشأن طواف القدوم وطواف الإفاضة وطواف الوداع.
وكذلك الشأن في معرفة آداب زيارة المدينة المنورة وزيارة قبر النبي ﷺ، والسلام عليه وعلى صاحبيه، وفضل المسجد النبوي الشريف، وفضيلة الدعاء والاستغفار عند الزيارة، وفضيلة ذكر الله تعالى. ومعرفة فضائل المدينة المنورة وحرمتها، ومعرفة الأماكن والمساجد التي تزار فيها، وما ترتبط به تلك الأماكن من تاريخ الإسلام…
لقد كان المطوفون في الماضي يتحملون مسئولية الحاج في أداء نسكه، وكان المطوف ملما بأعمال الحج قد تعلمها على العلماء، وقد يكون عالما وابن عالم، وكان يشعر بمسئوليته عن حجاجه أمام الله عز وجل، فلا يدخر وسعا في تعليمهم وإرشادهم، ويعطيهم كل اهتمامه. ولم يكن عدد الحجاج بهذا القدر الهائل، ولم تكن هناك مشكلة ضيق في المشاعر كما هو اليوم، وبخاصة في عرفات ومزدلفة ومنى، وفي رمي جمرة العقبة، ورمي الجمار في أيام التشريق. وكل هذه الأعمال كانت تؤدى في أزمانها وأماكنها دون حاجة ملحة إلى الرخص. ومع ذلك فقد شرع النبي ﷺ الرخص حين أذن للضعفاء والنساء برمي جمرة العقبة والطواف بعد منتصف ليلة النحر، وبتقديم طواف الإفاضة على رمي جمرة العقبة. وحين سئل عن التقديم والتأخير في الرمي والحلق والذبح والطواف، فقال لكل من سأله في ذلك: «افعل ولا حرج» [²]. وبإعفاء السقاة والرعاة من المبيت في منى، فكان قوله وإقراره تشريعا للأمة إلى يوم القيامة، قائما على التيسير والتبشير، لا على التضييق والزجر والمنع والحصر.
أما في هذه الأيام، ومع زيادة عدد الحجاج زيادة هائلة، ومع قيام مؤسسات الطوافة التي تستقبل عشرات الآلاف من الحجاج، فمن الصعب أن يجد الحاج كل ما كان يجده من المطوف من الرعاية والتعليم.. ومع أن وزارة الحج تبذل جهودا مشكورة لتثقيف العاملين، وتوفير المرشدين والمفتين، فما زال النقص في هذه الخدمات قائما، وما زالت الحاجة إلى المرشدين الذين يقومون بأعمالهم بتجرد ونبل وإيثار وتضحية ونكران ذات قائمة أيضا.
ومن الملاحظات الهامة في هذا الشأن أن وسائل الإعلام تعقد ندوات تعليمية يتحدث فيها صفوة من أفاضل العلماء والفقهاء لبيان أحكام الحج. وكثيرا ما نرى أن الذين يشاركون في هذه الندوات يحصرون فتاواهم في إطار مذهب واحد، وقد يكون هذا المذهب متشددا في الحكم أو في بعض الأحكام. وقد يحصرون أحكام الحج برأي إمام من أئمة المذهب، ويكون في المذهب نفسه سعة وآراء أخرى لدى أئمة آخرين، ولكنهم يغفلونه أو يتجاهلونها. وقد تكون المسألة خلافية، ويكون في الاختلاف سعة وتيسير على الناس، فلا تعرض أقوال تلك المذاهب، بل يلزمون الناس برأي إمام واحد، ويصرفونهم عما هو مشروع وجائز دون حرج، فيجد الناس في ذلك مشقة وحرجا، وقد يدفعونهم إلى إيذاء أنفسهم وإيذاء غيرهم بهذا التشدد. وكثيرا ما رأينا الذين يمسكون مكبرات الصوت وينهون الناس عن فعل ما هو جائز وصحيح في مذهب آخر، أو مذاهب أخرى، ورمي المخالفين بالتفريط أو التساهل في الدين. وقد يتجاوزون ذلك إلى اتهام الآخرين بتضييع الأحكام. وينجم عن ذلك كثير من التشويش والبلبلة والتشكيك والتضييق.
وينتج عن ذلك ما لا يحمد من الاختلاف والعداوة والفرقة. وذلك ما يأباه الدين الذي قام على التيسير ورفع الحرج، وجلب المصالح ودفع المضار. ومن الخطأ أن يكون الحج باعثا على الاختلاف والافتراق والعداوة، وقد شرعه الله تعالى للتعارف والتآلف والتعاون على البر والتقوى، وتحقيق منافع الدنيا والآخرة، وتحقيق معنى قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} [³]. وقوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [⁴]. وقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [⁵].
نسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يهدينا سواء السبيل.
الحواشي:
[¹] سورة البقرة، الآية: ١٩٧.
[²] أخرجه البخاري في صحيحه.
[³] سورة الحج، الآية: ٢٨.
[⁴] سورة الحجرات، الآية: ١٣.
[⁵] سورة المائدة، الآية: ٢.
