الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد ﷺ خير مَن تعلَّم وأصدق مَن أعلم عن الله عز وجل، وبعد:
فهذه دراسة أحاول إلقاء الضوء فيها على التحولات الاجتماعية في المملكة العربية السعودية بصورة عامة، وفي المنطقة الغربية منها بصورة خاصة، وقد ركزت في الدراسة على منطقة مكة المكرمة كحالة دراسة، وحرصت على أن أدرس أهم التغيرات التي تمت في النواحي الاجتماعية بين عام ألف وثلاثمائة وعشرين وألف وأربعمائة وعشرين، وأخذت أدرس ذلك التغير الكبير والتحول الذي دخل على حياة الناس خلال هذه الفترة، وبالذات في نهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر، أي بين عام ألف وثلاثمائة وثمانين وألف وأربعمائة وعشرين، فقد تمت في هذه الفترة تحولات كبيرة، وتغيرت أوجه الحياة، وحتى شخصية المدن وتركيبها وكيانها وحدودها، فبعد أن كانت بعض المدن محصورة داخل أسوار مثل جدة والطائف ومكة المكرمة والمدينة المنورة، خرجت هذه المدن عن الأسوار، وتضاعف عدد السكان، وتغيرت شخصيات المدن من ناحية العمارة، وتغير كل شيء فيها من طريقة السكن إلى وسائل اتصال.
وبِدخول الكهرباء حدثت تغيرات جذرية في عادات الناس وفي تقاليدهم، وبعد أن كانوا ينامون بعد صلاة العشاء ويبدأون أعمالهم بعد صلاة الفجر، أثرت الكهرباء في حياتهم، وبعد أن كانوا يستعملون في تنقلاتهم الجمال والحمير، دخلت السيارات وأخذت تحل محل الدواب، ثم بدأت القفزات الكبيرة عندما انفتحت هذه المدن ودخلتها وسائل الاتصال الحديثة، وعرفت الأقمار الصناعية، وبدأ انفتاحها بصورة أكبر على عواصم العالم، فأثر هذا في الحياة الاجتماعية.
ثم جاء التطور الثاني عندما تحسنت دخول الناس، وقامت الدولة بخطط التنمية المتوالية، فأخذ الناس يستفيدون من هذه الدخول ويستعينون بعمالة خارجية سواء في أعمالهم أو منازلهم كمربيات في المنازل وخدم، وهكذا دخل تأثير جديد أدى إلى تحول كبير، وهو وجود العمالة الأجنبية وتراجع اليد الوطنية العاملة، وكان لهذا العامل تأثيره الشديد.
وجاء عامل ثالث أكثر خطورة لأن المجتمع لم يكن مستعدًا له، وهو ثورة الأقمار الصناعية وانتشار القنوات التلفزيونية ودخولها إلى كل منزل بكل ما فيها من برامج أثرت دون شك في حياة الناس وعاداتهم وتقاليدهم وقيمهم وموروثاتهم، وقد أثر هذا الأمر بكل أسف في عمق الحياة الاجتماعية وغير بعضها تغييرًا جذريًا حتى وصل إلى العمق، فأثر في الأخلاق والسلوك، وقد وصل الأمر إلى المدرس في المدرسة الذي لم يعد ذلك المدرس الذي عهده المجتمع عندما كان المدرس مُربِّيًا وقائدًا ومعلِّمًا وموجِّهًا للتلاميذ، فقد أصبح المدرس في المدارس يؤدي دروسه دون عناية بقضية التربية والأخلاق والسلوك، فزيادة الطلب والتوسع الكبير في التعليم الذي فرضته ظروف التنمية أدى إلى تخريج مدرسين ليسوا على المستوى التعليمي والتربوي الذي يؤهلهم لقيادة الطلاب وتوجيههم وتربيتهم، فأصبح التعليم خاليًا من التربية، أو على الأقل أصبحت التربية ضعيفة وليست بالمستوى والقدر المطلوب، وهذا أثر إلى درجة كبيرة في سلوك التلاميذ، وبالتدرج في سلوك المجتمع.
وجاءت المشكلة الأخرى وهي أن التطور في الدخول وتوفر فرص الكسب أدى إلى تخلي الكثير من الآباء والأمهات عن أدوارهم التربوية، فانشغلت الأم بقضايا ثانوية وأوكلت التربية إلى مربيات وحاضنات وخادمات في المنزل، وأصبح الإنسان يستطيع أن يقول بكل سهولة إن نسبة كبيرة من أبناء المجتمع هم أطفال المربيات والخادمات، وتخلى الأب عن دوره وانشغل عن تربية أولاده، فحصل الانفلات، وعانى المجتمع من هذه المؤثرات، ونتج عن ذلك تحولات اجتماعية خطيرة لم يلحظها الناس، وقد تكون أكثر تأثيرًا في المستقبل.
وإذا ما أحذنا صورة من الصور الاجتماعية للمجتمع المكي يوم كان مجتمعًا نقيًّا تحكمه القيم والأخلاق وتحرسه التقاليد والأعراف، لنقارنها بمدى التغير الاجتماعي الكبير الذي حصل اليوم، نجد ان المجتمع المكي كان مجتمعًا مترابطًا يعرف بعضه بعضًا، ويعرف الإنسان جاره ومَن حوله ومَن في حارته، وإذا كان يعمل في أي عمل فإنه يعرف جميع مَن يعملون في هذه الصنعة، ويعرف الناس الذين يعيشون في حارته، ويعرف معلمه ومدرسه وإمامه، وهكذا كان مجتمعًا مترابطًا. ومن الصور التي يرويها لنا الآباء وتدل على القيم التي كانت سائدة : لقد كان الرجل إذا سافر خارج مكة المكرمة وليس في منزله أولاد، فإن زوجته تقوم بعجن العيش وإعداده على طاولة ووضعه على الباب الخارجي، فلا يمر أي إنسان من الحارة إلا ويأخذ هذا اللوح ويذهب به إلى الفران ثم يعود به ويضعه أمام باب المنزل الذي أخذه منه في أدب واحترام..
نظرات في حياة مكة القديمة
هذا عن الفترة الحاضرة والتي حددناها في حدود مائة عام، أما إذا تعمقنا عبر التاريخ وحياة مكة الأولى أيام قريش، فإننا سنجد قضايا مهمة، وعناية خاصة بتربية أهل مكة لأبنائهم في العهد القرشي وما بعده، فقد كانت قريش تؤدب أبناءها، وتحرص على رعاية شبابها، وتتابع حركاتهم، فتؤدب المِعوجّ منهم، وتردعه، ولا تسمح له بالتمادي في خطئه، وتمنع أهل الشر والغي إن وجدوا من الشباب وغيرهم من إيذاء الناس أو التعدي عليهم منعًا زاجرًا يقضي على شرهم في مهده ويجعلهم عبرة لغيرهم.
فمن ذلك أن قريشًا أقامت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص يؤدب المخطئ من شبابها، يتابع أقوالهم وأعمالهم في جميع الأحوال وكل الأماكن إذا انحرفوا عن الصواب فيمنع شرهم ويكفهم عن إيذاء الناس، حتى يعيش الناس في طمأنينة ومودة، ولا يعترض على تأديبه للمخطئ منهم أحد من القبيلة أياً كان، ومَن كان، ومهما كان العقاب شديدًا، حتى إنه إذا لم يتمكن من القبض على المحدث منهم أو الذي أساء الأدب وأعياه طلبه، عمد إلى داره فهدمه تعزيرًا له، ومنعًا لشره، ليعتبر غيره، ويمتنع عن إيذاء الناس.
وقد أحدث الحارث بن أمية الأصفر بن عبد شمس حدثًا تعدى فيه اللياقة، حيث هجا هشام بن المغيرة ببيت من الشعر، فشكوه إلى حكيم بن أمية، فطلبه حكيم بن أمية ليعاقبه على قوله، فلم يتمكن من الوصول إليه لكثرة هروبه عنه، وفراره منه في الجبال والشعاب والوديان، فعمد حكيم هذا إلى دار الحارث بن أمية وهدمه عقابًا له وزجرًا لغيره، فقال الحارث بن أمية يندب حظه، ويشكو حاله في ملاحقة حكيم بن أمية ومطاردته له:
أفرُّ بالأبطح كل يوم *** مخافة أن يشرد بي حكيم
فلو أننا أدبنا أبناءنا تأديبهم لأبنائهم ورجالهم لأرحنا واسترحنا.
وكان أهل مكة يولون تربية البنات عناية خاصة ويصونونهن صيانة فائقة لا يوجد مثلها عند غيرهم من الناس.
فمن ذلك أنهم إذا بلغت البنت منهم الحلم ألبسوها أحسن ما عندهم من الثياب والحلي والزينة، وخرجوا بها إلى الكعبة فطافوا بها أسبوعًا وهي مكشوفة الوجه ليراها مَن يرغب في خطبتها من أهلها، ثم يعودون بها إلى دارهم ويجلسونها فيه ولا يسمحون لها بالخروج منه إلا إلى بيت زوجها مهما طال الزمان.
فأين نحن اليوم من تربيتهم وصيانتهم للبنات ونحن نعيش هذا الانفلات؟!!
من مظاهر التماسك الاجتماعي بين المكيين
إن مما يُذكر به المكيون الأوائل من التآلف والتماسك الاجتماعي ومحبتهم لبعضهم بعضًا أنه نشأ فيهم رجال وجهاء شرفاء كثيرون عرفوا بالديانة والأمانة والتقى ورجاحة العقل والمحافظة الكاملة على رعاية حقوق الآخرين ورعاية المحتاجين من الناس وإكرامهم مع التواضع لهم، حتى سعد بهم المجتمع واطمأنت إليهم القلوب وأمنهم الناس على حقوقهم وذراريهم.
ومن أشهر هؤلاء الأتقياء الأمناء الأوفياء هاشم بن حمزة بن عبد الله بن الزبير – رحمه الله تعالى – الذي كسب ثقة كل الناس ممن عاصروه وعايشوه، وكان محل ثقة الأسرة الزبيرية بكاملها، يعهدون عليه بالوصاية على أولادهم بعد موتهم، فيرعاهم ويقوم عليهم ويشرف على تربيتهم وتعليمهم وتأديبهم، ويحفظ لهم أموالهم وينميها لهم، فإذا بلغوا رشدهم دفع إليهم أموالهم وتركة آبائهم وما أثمره لهم منها فيغتنون بها. فهل عندنا اليوم مثل هؤلاء الرجال الذين يصدقون مع الله في السر والعلانية؟!!.
هذا عن مظاهر التماسك الاجتماعي في القديم، وما سبقه عن حياة المجتمع في فترة المائة عام التي أتعرَّض لها بالحديث، وطريقة حياة الناس وطريقة ترابطهم وعلاقاتهم الاجتماعية، فلننظر ماذا يفعل أولاد الحي اليوم وكيف يتصرفون عندما يرون سيدة في سيارتها أو مجموعة فتيات فيتعقبونهن ويسعون خلفهن ويقطعون عليهن الطريق في وقاحة ليس لها مثيل، أما إذا خرجت من سيارتها فإنهم يتعقبونها وهي تدخل إلى محل تجاري ويقذفون لها بالأوراق، وهكذا تحولت صورة المجتمع، وهكذا تحول أولاد البلد، وتحولت جوانب من أخلاقهم، واختفت لدى كثير منهم الشهامة والرجولة والغيرة والاحترام، إلا من رحم ربي، وحلت محلها مجموعة من الأخلاق السيئة التي ترمز إلى تحولات خطيرة في المجتمع، وهؤلاء الأولاد إنما تصرفوا على هذا النحو لأنهم فقدوا التربية، فالأم تخلت عن مسئوليتها وجعلت المربية أو الخادمة هي التي تربيهم، والأب تخلى عن دوره وانشغل بمباهج الحياة ومكاسبها، وأغدق على أولاده من العطايا ليريح ضميره بأنه قدم لهم شيئًا ما أي شيء بعد أن حرمهم من حنانه وتربيته ومسئوليته أمام الله عنهم، وتخلى المدرس عن مسئوليته وأصبح ملقِّنًا للعلوم، ومُسخت في كثير من المدرسين الشخصية التربوية، وغابت الأخلاق، وحدث التحول الذي أدى إلى تغييرات جذرية في المجتمع، ومن هنا فإننا نستطيع أن نلاحظ التغيرات التي حصلت في المجتمع المكي كنموذج للتحول الاجتماعي في المملكة العربية السعودية، وإن اختلفت من مكان لمكان بقدر ما وبصورة تزيد أو تقل وبدرجات مختلفة في المدن والقرى، ولكنه تحول أثر في مجتمعنا ككل.
وأنا عندما أتحدث عن هذا التغير فإنني لا أستطيع أن أنكر أن أمة سيدنا محمد ﷺ إلى خير، ولا يزال في المجتمع نفر من الناس يحرصون على تربية أولادهم، وما تزال هناك أمهات يسهرن على تربية أولادهن من البنين والبنات، وما يزال لدينا مدرسون أمناء يحرصون على أداء واجبهم، ولكن كل هؤلاء قلة أمام السيل الجارف والتحول الكبير الذي يطحن المجتمع ويؤثر فيه ويغيره تغيرات جذرية تضرب في عمق المجتمع.
ودعونا الآن نلقي الضوء على صور من حياة المجتمع المكي في مكة المكرمة، فإني كما ذكرت أتحدث عن التحولات بين عام ألف وثلاثمائة وعشرين إلى ألف وثلاثمائة وثمانين، ثم بعد ذلك مرحلة التحول بين عام ألف وثلاثمائة وثمانين وألف وأربعمائة وعشرين، والمتتبع بدقة لهذه المرحلة يلاحظ أن الحياة كانت عادية وطبيعية وبدون تغييرات جذرية لا في الناس ولا في المجتمع قبل ظهور البترول في المملكة، وبعد ظهوره ظلت الحياة كذلك إلا من متغيرات بسيطة خلال العشرين سنة الأولى لظهور البترول، وبعد ذلك بدأت بعض التغيرات الأساسية ولكن بصورة بسيطة، وتحسنت دخول الناس وموظفي الدولة على وجه الخصوص والعاملين في التجارة، وظل الأمر على هذا النحو إلى أن جاءت الفترات التي بدأت فيها الدولة بالإنفاق بصورة واسعة، ووضعت خطط التنمية، وبدأت القفزات الكبيرة في الدخول، وكان ذلك خلال الفترة (1395-1405هـ)، وعند ذلك تم التوسع الكبير في عمليات التنمية، وكان سريعًا مما تطلب فتح باب الاستقدام على مصراعيه، وتم إحضار آلاف من العمالة الأجنبية من الرجال والنساء، ثم ازداد بالملايين حتى بلغ عدد العمال الأجانب ما يزيد على سبعة ملايين بين رجل وامرأة.
وجاءت النقطة الأخرى عندما تحسنت الدخول زاد عدد المواطنين الذين سافروا إلى خارج المملكة بعوائلهم، كما زاد عدد الناس الذين يستخدمون ويشغلون خادمات ومربيات في المنازل، وحتى إن بعض ذوي الدخل المحدود أصبح لديهم سائقون ومربيات، وهكذا بدأ التغيير بصورة كبيرة وواسعة، وبدأ الجميع يعاني من هذا الاختلاط ومن آثاره الاجتماعية، وهذا ما يخصنا، واقتصاديًا وهذا ما لا يستطيع أي باحث إغفاله، فقد قُدِّرت المبالغ التي تحول من العمالة أي بين عام 1410- 1420هـ بما يزيد عن عشرين مليار ريال.
مكة المكرمة والعادات والتقاليد:
عندما أتحدث عن مكة المكرمة فلا بد أن أحدد أنني أتحدث عن تلك الفترة التي كانت فيها مدينة مكة المكرمة محدودة وسكانها جميعًا مرموقون، والوافد إليها إنما يفد إلى الحج ثم يعود إلى بلاده، ويبقى بعد الحج أهل الحارات، وكل إنسان يعرف أبناء حارته، وقد كانت حدود مكة المكرمة لا تتعدى الثكنة، وبعض الناس كانوا يسمونها حدود مكة المكرمة الثكنة العسكرية وهي على يمين القادم من جدة، وكانت هي نهاية حدود مكة من الشمال.
وهناك كانت منطقة بيبان مكة وكانت تسمى البيبان، وفيها قهوة مشهورة تسمى قهوة المعلم يجلس فيها كبار أهالي مكة وتستقبل القادمين من خارجها ليستريحوا فيها بعد رحلة شاقة، وهناك منطقة الشهداء، وما عدا ذلك لم يكن هناك عمران غير هذا، وأما في الجنوب فلم تكن غير منطقة جرول والحفاير، وكان بيت الشيخ محمد سرور الصبان وهو آخر المناطق للخارج من مكة، وأما من ناحية الشرق فقد كان القصر الملكي في المعابدة هو آخر الحدود، وكان يسمى قصر السقاف، وقبله كان بيتًا لآل الشيبى، وأما من ناحية المسفلة فقد كانت بركة ماجد هي آخر حدود مكة، ثم توسعت بطبيعة الحال المدينة حتى غدت – والحمد لله – على هذا النحو الذي نراه. هذا من ناحية حدود المدينة، ودعونا الآن نلقي نظرة على الأسر المكية وعاداتها وتقاليدها.
الأسرة في مكة المكرمة والعادات:
كانت الأسر في مكة المكرمة تعيش في وحدات ملتحمة مترابطة، ومعظمهم أسر كبيرة تعيش في بيت واحد يسكن فيه الأب والجد والأولاد، وكلما تزوج ابن وسعوا في المنزل ليكون معهم، بل أن بعض العادات كانت عجيبة وتدل على الكرم والإيثار، فقد كان بعض الناس الذين ليس لهم أولاد إذا رأى أي إنسان آخر ودخله محدود ولا يستطيع أن يشتري أرضًا ليَبني عليها، يدعوه ليَبني غرفة، أو مجموعة غرف عنده، ويقول له: بدلاً من أن تتكلف تعال فابن فوقي، ليوفر عليه، ومن هنا نجد في المحاكم اليوم قضايا لمجموعة من الناس لبعضهم الدور السفلي يملكونه بصكوك ولبعضهم الدور العلوي وهكذا.
((وكان النظام العائلي يقوم على الترابط كما يقول الأستاذ محمد علي مغربي والذي كان يصف جانبًا من حياة الأسرة، فقد كان الناس يعيشون في كنف رب الأسرة وكبيرها إذا كان أبًا أو جدًا، وكانوا يأكلون على مائدة واحدة، فالرجال يأكلون مع بعضهم البعض وبقية بنات العائلة ونسائها يأكلن معًا، وكان الجميع يأتمرون بأمر رئيس العائلة ويحرصون على سماع نصائحه ويستأذنونه في كل شيء، ولا بد من أخذ إذن رئيس الأسرة في كل تصرف. وكان الصغير يوقر الكبير، والجميع يعطون للسن حقها.
وكان رئيس العائلة هو الجد، وبعد وفاته يبقى أكبر الأبناء هو رئيس العائلة، وقد كان لشباب البيت مكانٌ خاص للاجتماع والسمر مقصورًا على رجال العائلة الكبار وأصدقائهم، وقد كان الكبار يعتبرون أنفسهم مسئولين عن صغار العائلة فهم يرعون شئونهم ويراقبون تصرفاتهم وخاصة ما يتعلق منها بالآداب العامة، فالالتزام كان مبنيًا على التعاطف وهو يمثل الرابط العائلي من الجانبين))[1].
أهل مكة وسكانها:
كان أهل مكة يعيشون في أحياء محدودة ومعروفة وتسمى الحارات، ولكل حارة أهلها وسكانها وعمدتها ونقيبها، وهناك كبار أهل الحارة الذين يعود إليهم الناس في كل شأن ويرعون شئونهم ويحتكمون إليهم، وكان أهل مكة عامة يهتمون بشئون الحج والحجاج، والحرفة الأساسية كانت هي خدمة الحجاج، فهم يعتبرونهم ضيوف الرحمن، وكانت مهنة الطوافة في مراحلها الأولى مهنة ذات صبغة علمية، ويقوم بها أهل العلم والورع لخدمة ضيوف الرحمن، ويفتحون بيوتهم للحجاج باعتبارهم ضيوف الرحمن ولا يأخذون منهم أي مقابل ولا يشترطون عليهم أي مقابل، فيأتي الحاج ويأخذه المطوف لأداء طواف القدوم، ثم يأخذه إلى المنزل ليطعمه ويسكنه ويرعاه من يوم قدومه إلى يوم مغادرته وتحركه من مكة، وعند مغادرته يودعه كما استقبله، وعندما يهم الحاج بالسفر يقوم بوضع بعض المبالغ والهدايا في محل أمام المطوف لأنه يعتبره معلمه وقائده في الحج، ويقول له: يا سيدي تتقبلون هذا منا، ولا نستطيع أن نجازيكم، وجزاؤكم على الله.
وهكذا كانت هذه المهنة هي المهنة الأساسية لأهل مكة المكرمة، وهناك بعض المهن التي كان يعمل فيها الناس خلال العام ويكسبون رزقهم من العمل في هذه المهن، فمنهم الحدادون، ومنهم النجارون، ومنهم بائعو الأقمشة والمشتغلين بالجزارة وبيع الخضروات وجلبها إلى مكة المكرمة، ومنهم أصحاب الفنون في زخرفة المنازل، ومنهم طلاب العلم والعلماء الذين يدرسون في المسجد الحرام، وهناك أنواع أخرى من المهن التي كانت مشهورة في مكة المكرمة كأعمال البناء والحجَّارة الذين يعملون في صناعة الحجر، وهكذا، ولكل من هؤلاء شيخ يحكم ويستحكم في قوانين الصنعة. فلا يعمل أي إنسان إلا بإذن، ويرجع إلى شيخ الصنعة، فللمطوفين شيخ، ولباعة القماش شيخ، وللجزارين شيخ، وهكذا يلتزم كل أهل صنعة بآداب الصنعة وقوانينها، ويحرصون على أداء أعمالهم على خير وجه.
((وكذلك العلماء في المسجد الحرام كان لهم شيوخ وفقهاء، ولا يسمح لأي إنسان أن يشترك في التدريس في المسجد الحرام إلا بعد أن يتتلمذ على الشيوخ والعلماء، ويأخذ الإذن والرخصة، ويشهدون له بالتأهيل للتدريس في المسجد الحرام، وليس له الحق في أن يتقاضى أجرًا في بداية عمله، ولكن بعد فترة وحسب المقاييس ينال حصة من الأعطيات أو يصرف له راتب سنوي، ويعتمد هذا الراتب على قناعة شيخ العلماء بمدى أهليته للتدريس، ولا بد أن يجتاز الامتحان، وهذا الامتحان يشبه إلى حد كبير امتحان المعلمية بالنسبة لطوائف الحرفيين، ويقوم شيخ العلماء بتحديد موعد الالتحاق، أما مكانه فهو في الغالب في الحرم قرب باب الزيادة، ويكون الامتحان في الغالب قبيل الظهر أو بعد صلاة العصر، والممتحن في العادة هو شيخ العلماء أو نائبه مع عدد من الأساتذة الذين يجلسون على هيئة حلقة دائرية يحضرها بعض الأصدقاء والمهتمين يجلس هؤلاء في الخلف عادة، وهناك أربعة أو خمسة من الأساتذة يعملون كمراقبين لعملية الامتحان الذي يقتصر أحيانًا على البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وبعد انتهاء الامتحان يدعو الحاضرون بالتوفيق لزميلهم الجديد، ثم تدار القهوة بعد ذلك، وحينما يكون الشيخ ميسور الحال يدعو الجميع لتناول طعام العشاء في بيته))[2].
وحتى الأغوات في المسجد الحرام كان لهم شيخ يعرف بشيخ الأغوات، وهو الذي يوجههم لخدمة البيت الحرام والمسجد الحرام، وهؤلاء الأغوات كانوا يفدون إلى مكة المكرمة من بلادهم هدية من أهاليهم لخدمة المسجد الحرام، وكان بعضهم مخصيًا، وبعضهم يقوم الحاكم في أفريقيا بإخصائهم وإرسالهم عندما يكبرون لخدمة نساء الطبقات العليا في المجتمع، وبعضهم يبعثون إلى الحرمين الشريفين، وهم في الغالب من أفريقيا من الأحباش والنوبيين.
ولقد تطورت أعمال شيخ الأغوات حتى أصبح في وقت من الأوقات يعتبر من الشخصيات المهمة في مكة المكرمة، وكان أمير مكة أو حاكمها يذهب في أيام الأعياد والمناسبات ليسلم على شيخ الأغوات، كما أن أوضاعهم الأخرى قد تطورت حتى وصلت ذروتها عندما تطورت دخولهم من الأوقاف والعقارات التي كانوا يملكونها والتي هي باقية حتى اليوم، وكان شيخ الأغوات يساهم في احتفالات ومناسبات أهل مكة المكرمة التي كانت تقام كذكرى السيدة خديجة بنت خويلد زوجة المصطفى ﷺ، وذكرى كانت تقام لعبد الله بن عمر رضي الله عنه، وذكرى الإسراء والمعراج، وذكرى المولد النبوي الشريف، وكانت هذه مناسبات وعادات تقام في مكة المكرمة في ذلك الوقت.
وكان عمد الحارات يختارون بعناية وبدقة، ولا يعين العمدة إلا من الرجال المحترمين الذين يشهد الناس لهم بالأخلاق والرجولة والمسئولية، والعمدة يعرف كل سكان الحى، وقد كان من أطرف الأمور التي تحكى – وقد حكاها لي الشيخ عبد العزيز محضر وهو من قدامى أهل مكة المكرمة ومن شيوخ الركب الذي كان يسير إلى المدينة المنورة – حيث يقول الشيخ عبد العزيز: كنا نجلس عند مدخل الحارة فسمعنا طرقًا على النافذة في أحد المنازل، وعندما اقتربنا سمعنا السيدة صاحبة المنزل تقول: (يا رجال يا عمدة الحارة اندعست) أي إن رجلاً غريبة دخلت الحارة أي إن وافدًا دخل الحارة، وهذا يدل على مدى ترابط أهل الحارات، كل حارة تعرف مَن فيها، والعمدة يعرف جميع أولاد الحارة، إلى هذا الحد كان السكان في مكة المكرمة يعرفون بعضهم بعضًا.
((ومن ينظر في أحوال أهل مكة المكرمة وطريقة كسبهم يلاحظ – كما سبق أن ذكرنا – أن المهن الأساسية لهم كانت خدمة الحجاج، ولكن تبين بعض الدراسات تنوع الأنشطة التي اشتغل بها أهل مكة من أجل تأمين معيشتهم، فأولها العمل بالوظائف الحكومية والخدمة العامة، وهذه تخص ولاة مكة وأعوانهم من الجنود والرجال والقضاة وعمال السوق والشرطة والحرس وحجبة البيت وأئمة الحرم وغيرهم، ولا بد أن هؤلاء كانت تتفاوت دخولهم وفقًا لأهمية الوظيفة ومهامها، ومن المحتمل أن لكثير منهم دخولاً إضافية إما من خلال العمل الجزئي بالتجارة أو تربية الماشية أو امتلاك رقيق وتشغيلهم ببعض الحرف والخدمات وغير ذلك، وكان العطاء المنظم وما يوزعه الخلفاء من أموال في المناسبات يشكل رافدًا طيبًا لدخول بعض أهل مكة.
أما أهم الأنشطة السكانية فكان العمل بالتجارة، وكان أكثر أهل مكة يرتبط بالتجارة والكسب منها بشكل أو بآخر، ولقد تغيرت طبيعة التجارة عنها فيما قبل الإسلام تغييرًا أساسيًا بحيث أضحت تعتمد على التجارة الداخلية، وتنوعت التجارة ونشأت الأسواق والبائعون المتخصصون ، ونشطت حركة الصرافة وتبادل السلع مع البادية والأقاليم القريبة والبعيدة والأمصار الإسلامية، وكان ذروة نشاطها موسم الحج، ومن خلال الدراسة تبين أن عدد العاملين بالتجارة أقل بقليل من إجمالي عدد العاملين بكل المهن الأخرى، وربما أنهم كانوا الأعلى دخلاً.
أما الزراعة فلا تشكل أهمية كبيرة كنشاط سكاني على الرغم من إقامة عدد من المشاريع الزراعية في فترة الدراسة، ولكن نظرًا لطبيعة مكة فإن الانشغال بالزراعة لم يكن ذا جدوى اقتصادية بحيث تستقطب للعمل فيها أعدادًا من أهل مكة.
أما العمل بالرعي فقد استقطب عددًا كبيرًا نسبيًا نظرًا لامتلاك أهل مكة الكثير من الثروة الحيوانية، لكنها مهنة شاقة ودخلها زهيد، ويُعتقد أن معظم مَن كان يشتغل فيها أبناء الأعراب المقيمين بالقرب من مكة أو بعض الرقيق.
أما النشاطات الأخرى التي توازي التجارة وتتفاعل معها فهي العمل بالحرف سواء كانت إنتاجية مثل الدباغة والخرازة والحدادة والنجارة والغزل والخياطة وصناعة الأطعمة، أو خدمية مثل مهن السقائين والحطابين والحمالين والحلاقين، وتقدر الدراسة أن أعداد الذين اشتغلوا فيها كُثُر، أما العاملون بالنشاط الترفيهي فيبدو أنهم أقل أصحاب المهن عناءً وأعلاهم دخلاً، وقد شاركت المرأة في التجارة وفي بعض الحرف مع الرجال، وهناك حرف خاصة بالمرأة.
وباستثناء التجارة كانت الشريحة الثالثة من السكان وهي الموالي والرقيق تشكل العمود الفقري في النشاطات الحرفية، فقد كان بعضهم يشتغل لصالح نفسه، وبعضهم يشتغل لصالح غيره بأجر أو نصيب من الدخل.
أما الرقيق خاصة فقد كانوا يعملون لأسْيادهم، وبعضهم كان يؤدي للسيد مبلغًا محددًا أو خراجًا معلوماً كل يوم أو كل شهر))[3].
علاقات الناس بعضهم ببعض في مكة المكرمة
هذه التي قدمناها صور من حياة المجتمع المكي في سكنه وعيشه وعلاقة الناس بعضهم ببعض، وأنواع العلاقات الاجتماعية التي تربطهم سواء كانوا من العلماء أو من العامة، وحتى أهل الطرب والغناء كانت لهم مجالسهم ولهم شيوخهم ولهم أصولهم حتى في الطرب والنشيد.
وكان من الجيل الأول والرعيل الأول – كما يقول السيد عباس بن علوي المالكي في كتابه “هكذا كانوا” – أن ذلك الجيل كانت له عادات وتقاليد كثيرة وروابط فيما بينهم، وكانوا يفتخرون بنسبهم، وعندما يقولون هذا فلان ابن حارة كذا أي بمعنى أنه تربَّى في الحارة، وهي المدرسة التي يتخرج فيها الرجل الشهم صاحب الغيرة والمروءة، فابن الحارة هو العضو الفعال في المحلة، فهو يعرف الحارة ومنافذها ومداخلها وأزقتها وأسواقها ومَن يكون فيها من العائلات، كما أنه صاحب فراسة دقيقة فيعرف السارق ويعرف المتلبس بالجريمة ويعرف الرجل الأجنبي الذي دخل الحارة، لذلك ترى الكل يعرفون بعضهم بعضًا، وعلى سبيل المثال فإذا كان الرجل مارًّا من داخل الحارة ويريد مكانًا آخر أو حارة أخرى وكان الطريق يمر من هذه الحارة، فترى أعين أهل الحارة معه حتى يخرج من تلك البقعة التي يقطنون بها، فيستلمه أهل الحارة الثانية التي تلي حارتهم، وهكذا من حارة إلى حارة إلى أن يصل إلى المكان الذي يريده وهو مراقب من جميع أهل الحارة.
وهكذا كانوا أهل غيرة على التراب وعلى العرق والدم واللحم، ومن عاداتهم أنهم أهل عمل وصنعة لا يرضون بالعجز والكسل، فترى الواحد منهم إذا أصبح ينهض بنشاط، يقوم مبكرًا يتضرع بالدعاء إلى الله: (أصبحنا وأصبح الملك لله) فيؤدي ما عليه من صلاة وذكر ثم إلى العمل، فإذا كان معلم بناء يبادر إلى العمل قبل العمال إلى أن ينتهي العمل.
وكان العمل في ذلك الوقت يبدأ من الساعة السابعة صباحًا حتى الظهر، ثم يصلون الظهر ويتناولون طعام الغداء، ثم بعد ذلك يعودون إلى العمل إلى قبل غروب الشمس بساعة، ثم يبطلون – على لغة أهل الصنعة – ويعود كل واحد إلى داره ويلبس ملابسه النظيفة بعد أن يغتسل، ثم يذهب مع الإخوان للسمر أو الغناء في بعض المقاهي المنتشرة في مكة في حارته أو في غيرها، والمقهى هو: عبارة عن مكان يجتمع فيه أهل الحارة وأهل الحرف، كما كانت هناك مقاهٍ للأدباء في آخر محلة المسفلة يتسامرون فيها ويتذاكرون في الأدب والشعر، وكانت تسمى قهوة صالح عبد الحي أمام بركة ماجد، ثم بعد صلاة العشاء إذا كان هناك حفلة أو زواج أو مناسبة سعيدة يذهبون إليها، ويكون السمر في حدود المعقول، ويمكث الواحد منهم وقتًا من الليل ثم يعود إلى داره، ومنهم من يذهب إلى الحرم للصلاة فيه والجلوس في حلقات الدرس والاستماع لدروس العلماء، وكان معظم أهل الحرف لا يجيدون الكتابة أو القراءة، ولكنهم كانوا يتخلقون بالأخلاق الإسلامية الحميدة أخلاق طلاب العلم، وهذا هو البرنامج اليومي لأصحاب الحرف[4].
وقد كان الناس يفرقون بين ابن الحارة وبقية الأولاد في الحارة الذين كانوا في أعمالهم أو في مدارسهم، وأما ابن الحارة فله زي خاص في لبسه، وخاصة العمامة على رأسه، وغالبًا ما تكون الغبانة، وفي وسطه حزام يعرف بالبقشة أو الكمر، وابن الحارة شاب يتحمل المسئولية مع رجال الحارة والعمدة والنقيب في الحفاظ على أمن الحارة وأمانها، وكان الناس يتعاونون في إصلاح شأن أولاد الحي ويؤدبونهم، وإذا وجدوا منهم خطأ عاقبوهم، ولا يعترض على ذلك الأب أو أي إنسان من الأسرة، وكان لأولاد الحارة عادات عندما يمر الرجل الكبير في شارع وهم جلوس يقفون احترامًا له، وإذا رأوا امرأة في الطريق أفسحوا لها الطريق، ويتعاونون على نجدة أهل الحارة ومساعدتهم.
الغناء والطرب عند الناس في مكة المكرمة
كان الغناء، وخاصة الذي يقوم على الإنشاد، من أبرز مظاهر الفرح عند أهل مكة المكرمة، وكان لهذا الغناء أعلامه وأصوله، وكان الناس بعد الفراغ من موسم الحج يذهبون إلى خارج مكة في بعض مناطق البساتين وبعض مناطق تجمعات المياه المنحدرة والمتبقية من الأمطار مثل منطقة الحَزَّار ليقيموا أيامًا يرتاحون فيها بعد عناء العمل، ويقيمون حفلات غناء ولا يحضرها إلا الرجال، وكذلك كانوا يفعلون في مناسبات الزواج، وفي معظم الحالات وفي المراحل الأولى لم يكونوا يستخدموا آلات الطرب كالعود والكمان وغيرها.
وكان الغناء هو أبرز الفنون الحجازية الأصيلة في الأربعينات والخمسينات، وكانت مكة المكرمة تنفرد باثنين من أعلام الغناء في ذلك العصر، هما زعيما هذا الفن، أعني بهما الشيخ إسماعيل كردوس، والشيخ حسن جاوة، والأخير هو والد الأساتذة أمين وجمال جاوة.
وكانا يحييان حفلات الغناء التي كانت تقام دائمًا بمناسبة الأعراس الكبيرة، في مكة المكرمة وجدة، وكان الغناء في الواقع يقوم على الإنشاد، ولم تكن تصاحبه آلات الطرب كالعود والكمان والقانون وغيرها من الآلات التي يشاهدها الناس، والتي تتكون منها الفرق الغنائية، فلقد كان استعمال هذه الآلات ممنوعًا بصورة صارمة خلال الأربعينات والخمسينات، بل وحتى الستينات وما بعدها، كما أنه لم تكن هناك الميكروفونات لأنه لا توجد كهرباء، وقد ذكرنا أن إذاعة الأذان من الحرم المكي الشريف بالميكروفون إنما تم في النصف الأول من الستينات[5]، ولهذا فإن المغني أو المنشد إنما كان يعتمد على صوته وحده، وكانت أصوات المغنين الذين ذكرتهم جهورية عالية الطبقات، وكان المرحوم إسماعيل كردوس أعلاهم طبقة، وأجهرهم صوتًا، وكانوا يبالغون إنه إذا كان يغني في الهدا سمعه الناس في الكُر، والكُر – بضم الكاف والراء وتشديدها – هو سفح جبل كرا وهو موضع معروف في الطريق الجديد للطائف.
وكان هؤلاء المغنون يتعلمون الغناء على أيدي المغنين والمطربين المشهورين في زمانهم، وكانوا يتقنون الإنشاد إتقانًا تامًا، وما يقال عن إسماعيل كردوس يذكرني بما قرأناه في كتب الأدب عن المغني الحجازي الشهير معبد الذي كان مختصًا بشاعر الغزل الشهير عمر ابن أبي ربيعة، والذي كان إذا أنشد حبس الحجيج كله ليستمع إلى إنشاده، وقد أدركت كلاً من إسماعيل كردوس وحسن جاوة، شاهدتهما أولاً في حفلات الأعراس الكبيرة التي كانا يستقدمان لها من مكة المكرمة خصيصًا فيقضيان الليالي العديدة في جدة لإحياء هذه الحفلات، ثم شاهدتهما في مكة المكرمة والطائف حينما أقمت في مكة السنوات الطوال، وتوثقت صلتي بالمرحوم الشيخ حسن جاوة الذي كان يقضي بعض أشهر الصيف في ضيافة المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان بالطائف في بعض الأعوام، وكان رجلاً ذواقة أريبًا، يعطي المجالس حقها، فإذا حضر إلى الحفل نظر إلى الحاضرين ليعرف مشاربهم فينشد لهم ما ينسجم مع أذواقهم، وتطرب له نفوسهم، فإذا كان المجلس يضم المتعلمين من الشباب مثلاً أنشدهم من شعر الغزل الرقيق، وكان يحفظ إلى جانب الشعر القديم طرفًا من الشعر الحديث، وكان هناك من يمدونه بهذا الشعر الجيد، ويطلبون منه إنشاده، وأذكر أنه بعد أن توثقت صلتي به كان يطلب مني تصحيح النطق لبعض المقطوعات الشعرية، ويقول لي: (شيخها) فكنت أكتبها له بخط واضح وأشكلها تشكيلاً كاملاً، ونقرأها معًا المرة تلو المرة، حتى يسلم له نطقها دون لحن أو خطأ، كما كان يطلب ممن يعرفهم من الأدباء اختيار ما يستحسنونه له لإنشاده.
على أي حال كان الرجل ذواقة أريبًا كما ذكرنا قبل، وكان يعطي لكل السامعين ما يرضي أذواقهم، وتطرب له جوارحهم، فإذا كان الجمع من عامة الناس، وخاصة حينما يتجمع حوله شبان الحارة ويحيطون بدكاك العرس، كان ينشد لهم القصائد الحماسية لعنترة وأبي فراس، وإذا كان الجمع من العلماء والمشايخ الذين تمتاز مجالسهم بالوقار لجأ حسن جاوة – رحمه الله – إلى هذا الشعر الذي يعتبره بعض المتصوفين تمجيدًا للذات الإلهية، ويأخذه غيرهم على أنه من الغزل العف الرقيق، كما أنه كان يختار لما ينشد الأوقات التي تتناسب مع الإنشاد، وأذكر أنه كان دائمًا في آخر الليل يغني قصيدة شاعر العرب المرحوم فؤاد الخطيب في الطائف:
أيها النائم قد حان البكور *** وانطوى الليل كما تطوى السطور
ولقد خطت يد الله على *** صفحة الكون من الخلق سطور
والتي يقول فيها في وصف حدائق الطائف:
ولقد حدثني رمانها *** أنه كان نهودًا في الصدور
وروى لي البان عن أعطافها *** أنه كان قدودًا وخصور
وكان المغنون الحجازيون يبدأون الإنشاد بالمجَسْ – بفتح الجيم وسكون السين –، وهذا المجس هو نوع حجازي خالص، وهو عبارة عن مقطوعة صغيرة تتكون من أربع أبيات أو أقل أو أكثر من الشعر العربي الفصيح، يبدأ بها المغني إنشاده فيستثير حماس السامعين ويهيئ نفوسهم لما سيغنيه بعد، وهذا المجس يطرب له السامعون بحيث لا يملكون إلا ترديد استحسانهم، حينما يتوقف المغني بأصوات عالية تنسجم مع نفس النغم الذي ينشد به المغني، وكان المغني يتجاوب مع هذا الترديد ويستزيد السامعين منه بنغمة خاصة يختتم بها المجس، ويسمونها المحط – بفتح الميم والحاء وسكون الطاء –، فتنطلق أفواه السامعين بالترديد المطلوب، الذي تصاحبه بعض كلمات الاستحسان من السامعين المتحمسين.
وكان المغني بصورة عامة هو الملحن وهو المنشد، فلم تكن هناك فرقة الموسيقى أو الكورس أو خلافه مما هو معهود في هذه الأيام، ذلك أن استعمال آلات الطرب في ذلك الوقت كان محظورًا.
آلات الطرب:
وكان هناك من يتقن الضرب على هذه الآلات، ولكنهم كانوا يمارسون ذلك في السر بعيدًا عن العيون والآذان في أقبية البيوت أو في الأماكن المكتومة، التي لا تظهر فيها أصوات آلات الطرب أو في الخلاء بعيدًا عن العمران.
الطريقة:
وكان المغني إذا انتهى من المجس بدأ بالغناء، وكان هذا الغناء على أنواع، وكان أشهره الطريقة اليمانية، وهو غناء راقص تهتز له الجوارح طربًا، وخاصة إذا صاحبته آلات الطرب، وللطبل فيها مكان بارز، ولعل أشهر من يمثل هذا النوع من الغناء في الوقت الحاضر، هو المغني الأستاذ محمد علي سندي، فهو بقية ممن يجيدون هذا الفن الجميل.
وكان هناك الغناء العراقي ويسمون النعمة عراق، وكان أشهر وأجود من يؤديه المرحوم إسماعيل كردوس، ويشعر السامع بالشجن الذي تمثله تلك النغمة الطويلة التي يختم بها المغني إنشاده، والتي تسمع فيها بعضًا من نواح الروح الشجي الحزين.
وكان هناك الغناء المصري، وكان أجود من يتقنه هو المرحوم سعيد أو خشبة، وهو مغنٍّ شاب من مكة المكرمة، ويأتي مقامه بعد كل من حسن جاوة والكردوس، ولعله حينما بدأ الغناء كان أولئك على مشارف شيخوختهم، وكان الغناء المصري قد انتشر بفعل الراديو الذي ظهر في مصر لأول مرة في الخمسينات بعد تأسيس الإذاعة المصرية، وأخذ الناس يستوردون أجهزة الراديو، ويلتقطون هذه الإذاعة ويستمعون إلى أغاني أم كلثوم التي كانت تقام لها حفلات شهرية، وإلى أغاني محمد عبد الوهاب وصالح عبد الحي، وفريد الأطرش، فكان هواة الغناء ومحترفوه يقلدون هذه الأغاني، وكان البعض منهم يتقنها إتقانًا جيدًا.
هذه صور ونماذج من الحياة الاجتماعية في الحجاز في المرحلة ما بين عام ألف وثلاثمائة وعشرين إلى ألف وثلاثمائة وثمانين، وبعد هذه الفترة حصلت تحولات كبيرة في المجتمع أثرت فيه تأثيرًا كبيرًا وغيرت بين معالمه ومظاهره، بل وحتى من مكوناته الاجتماعية، وغيرت من طبائع الأسرة والأفراد والمجتمع ككل، ولا شك أن أهم المؤثرات التي أثرت بصورة كبيرة هي:
أولاً: تطور دخول الأفراد والأسر بصورة سمحت لكثير منهم بالسفر إلى خارج المملكة، وكان أهل مكة لا يحبون السفر إلى خارج مكة، وأقصى ما يذهبون إليه هو مدينة الطائف في الصيف.
وبعض العوائل الموسرة وبعض من التجار وأهل المصالح يذهبون إلى جدة لقضاء بعض حوائجهم، وما عدا ذلك فأهل مكة يكرهون مغادرتها، ومعظمهم إذا غادرها يحرص على أن يعود إليها في نفس اليوم، فجاءت الدخول الجديدة وشجعت الناس على السفر إلى مصر ثم إلى منطقة الهلال الخصيب في سوريا ولبنان والأردن، ثم حصلت بعد ذلك قفزات فانتقل الناس وتحولوا إلى السفر إلى تونس والمغرب، ولا شك أن هذا كان من المؤثرات التي تعرضوا فيها لعادات وتقاليد لم يكونوا يألفوها، وبالذات في مسألة الحجاب ومسألة الاختلاط، والشباب الذي لم يكن يشاهد امرأة غير متحجبة، وبدأت المسألة في التطور شيئًا فشيئًا، وانتقلوا للسفر بعد ذلك إلى أوروبا وأمريكا وغيرها.
وهذا الأمر وإن كان تأثيره في بادئ الأمر محدودًا إلا أنه أصبح بعد ذلك رافدًا مهمًا من روافد التغير الاجتماعي.
ثانيًا: عندما بدأت الدولة في تنفيذ خطط التنمية، وبالذات في مجال بناء الطرق والموانئ وبرامج الإسكان والمدارس، احتاج الأمر للاستعانة بعمالة من خارج البلاد، وتم فتح الباب واستقدام أعداد كبيرة من العمال من مختلف الجنسيات العربية والأجنبية، ومن مختلف المذاهب والديانات.
وأخذ الأمر يتطور شيئًا فشيئًا، ومع تحسن دخول الناس ثم فتح باب التعاقد مع عمالة أجنبية للمنازل، هنا بدأت ملامح الخطر أولاً حيث دخلت العمالة الأجنبية النسائية إلى المنازل، وأخذ الناس يعتمدون عليها بدرجة كبيرة حتى إن أعداد الخادمات والخدم من الرجال يفوق عدد الأسرة في كثير من الأحيان، وأخذ دور الأم يتراجع، وهذا من أخطر مراحل تأثير العمالة الأجنبية على المجتمع المكي، ثم أخذ هؤلاء العمال ينتشرون في كل عمل، وتراجعت العمالة الوطنية بعد أن كان الناس يقومون بكل شيء حتى في حلقات الخضار وفي الأطعمة والألبسة، وحتى في خدمة الحرمين الشريفين التي كان يعتز بها أهل مكة، فقد حلت محلهم العمالة الأجنبية، وتراجعوا وانصرفوا وعزفوا عن العمل، وغفلوا عن تعليم أولادهم حب العمل، حتى في المقابر أصبحت العمالة أجنبية، وهكذا أثرت هذه العمالة الأجنبية تأثيرًا كبيرًا وأدت إلى تراجع اليد الوطنية العاملة، وتطور الأمر أكثر وأكثر عندما اتجهت الاستثمارات في الصناعة وظهرت الحاجة إلى استقدام ملايين العمال حتى بلغوا سبعة ملايين عامل، وكان لمكة نصيبها من هذه العمالة الأجنبية، ولا يستطيع أي عاقل على بصيرة من أمره أن ينكر تأثير هذه العمالة في مجتمع المملكة العربية السعودية، وفي بحثنا هذا يظهر التأثير والتأثير في مدينة مكة المكرمة واضحًا جليًا، فأنت ترى الشباب يتسكع في الشوارع وينشغل بتوافه الأمور في وقت يقوم به العمال الأجانب بكل شيء.
وبكل أسف فإن التأثير الأكبر هو في المنازل وفي تربية الأولاد، فقد أدى هذا إلى تحولات اجتماعية مؤثرة وخطيرة داخل الأسرة، وقد ساهمت الجامعات بكل أسف في صناعة هذه البطالة عندما بقيت على حالها وتجمدت مناهجها واستمرت على نفس تخصصاتها دون أن تنظر إلى التحول الذي تم في المجتمع، فالجامعات ما تزال تخرج طلابًا في الآداب وفي الاقتصاد العام وفي الإدارة العامة، ومَن يتخرج ليس له عمل خاصة وهو يدرس تخصصات لم تعد مطلوبة ومناهج أكل عليها الدهر وشرب، ولم تعد هذه المناهج صالحة ولا تعين المتخرج في الحصول على عمل، وتطور كل شيء وبقيت بعض مناهج الجامعات جامدة بكل أسف غائبة عن حاجات المجتمع، فساهمت بدون قصد في صناعة البطالة، وخرجت الآلاف من الشباب وقذفت بهم يتسكعون فلا يجدون أي عمل رغم شعار السعودة الذي رُفع، إلا أن الشباب غير مؤهل للعمل وغير محب للعمل وذلك لأننا جامدون في نظامنا التعليمي.
لأننا لم نحسن تربية أولادنا، ولم نعد المعلم الكفء!!
لأننا لم نستفد من التجارب العالمية المتطورة في مجال التعليم..
لأننا ظللنا وحتى يومنا هذا نراوح في مكاننا بالنسبة للتقدم في التعليم.. والعالم حولنا يتغير..
لأن التعليم عندنا لا يزال يعتمد على السبورة والطباشير والوسائل اليدوية..
لأن مناهجنا تتسم بالحشو والتكرار وتبعث على الملل، وخالية من أي معلومات تواكب العصر الذي نعيشه..
لأن الصورة في التعليم الابتدائي – بالذات – تغيرت في العالم ونحن كما نحن.. بل بالعكس نسير إلى الوراء.. وعدد الطلاب في الفصول يزداد عامًا بعد عام..
التعليم الجامعي في العالم تطور وأصبح فيه التخصص حتى وصل إلى “الجامعة المصنع” ونحن ما تزال جامعاتنا تخرج الآلاف الذين لا يجدون عملاً ويتسكعون في الشوارع..
وعندما جاءت الطفرة توسعنا في افتتاح المدارس وأعددنا مدرسين لم يختاروا مهنة التدريس – أساسًا – عن قناعة ورضا، ولكنهم اختاروها لأنهم لم يوفقوا في القبول في كليات أخرى.. وحتى الآن لم نتمكن من الإعداد الجيد للمدرس..
وكانت خطواتنا سليمة عندما افتتحنا الجامعات واستقدمنا أساتذة متخصصون من معظم الجامعات العالمية.. لكننا أخطأنا الطريق ونحن نتعجل السعودة وأنهينا عقود العديد من الأساتذة بحجة إحلال سعوديين محلهم، ونسينا أو تناسينا أن الجامعات العريقة تتعاقد وباستمرار مع أساتذة متخصصين في مختلف المجالات من أي جامعة في العالم..
ثالثًا: جاء التأثير الثالث والخطير عند انفتاح العالم ووصول القنوات التلفزيونية الفضائية إلى الناس بكل سهولة، وزاد عدد القنوات على مائتي قناة، ولا شك أن ما يقدم في هذه القنوات قد أثر وغيَّر في عادات الشباب من البنين والبنات، وأخذوا يتعلمون بكل أسف من ما في هذه القنوات التي أثرت في حياتهم وغيَّرت من طبائعهم وأفكارهم من خلال ما تقدمه من أفلام وما تبثه من أفكار، والناس في غفلة عن كل ما يجري، فالأب لم يعد يتابع شئون أولاده إلا من رحم ربي، والأم تخلت عن دورها للمربية، وأدى هذا بكل أسف إلى تهيئة الفرصة لتأثير مثل هذه القنوات من جهة، واختلاط أولاد الأسرة بالعاملين الأجانب وأخذ عاداتهم وتقاليدهم، وغابت التربية عن الأسرة، وتغيرت الحارة وتقاليدها وعمدتها ونقيبها ورجالها، واختلط الحابل بالنابل، وبدأت تحولات اجتماعية تظهر في الأسرة، فالأم تهتم بملابس بناتها ومظهرهن أكثر من اهتمامها بتربيتهن، ولم تعد قضية التربية وقضية الأخلاق هي الأساس.
رابعًا: جاء التحول الأخطر عندما زاد الطلب على المدرس وأخذنا نتوسع بصورة سريعة فأصبحنا نستعين بالمدرس أي مدرس لسد الحاجة، وأدى ذلك إلى تعيين أحداث من الشباب ليس لديهم أي خبرة، وبعضهم غير مؤهل للتدريس وغير مؤهل تربويًا، ولكنه يحمل الشهادة، وقذفنا بهم إلى المدارس وخاصة في القرى، وهذا من أخطر الأمور التي فعلناها، وأرغمتنا عليها الحاجة إلى مدرس أي مدرس، ورفعنا علم السعودة في هذا المجال الذي كان يجب أن نكون فيه أكثر روية وأن نعتمد وخاصة في المراحل الأولية الابتدائية على مدرسين مؤهلين، فإننا إنما نبني للمستقبل، ولا يصح أن نتعجل على هذا النحو الذي فعلناه.
وختامًا فلا بد أن نقف لحظة لنتصارح ونتفق على خطورة التحول الاجتماعي الذي يتم في بلادنا، وأننا نعيش فترة من الانهيار الأخلاقي ظواهره متعددة، ولكن في الجملة نستطيع أن نتبين أننا نعيش أزمة تربوية ونعاني من خلل أخلاقي، حتى لغة التخاطب بين الشباب اختلفت، والكلمات التي يستخدمونها تدل على مدى التردي الأخلاقي، إلا من رحم ربي…
وقد تحول جانب من حياة الشباب إلى العنف ليس اللفظي فقط بل إلى العنف البدني، وهكذا بدأنا نحس أن هناك خللاً تربويًا، ولا بد أن نعترف بخطورة التحولات الاجتماعية، وأن نتحمل جميعًا مسئولية تصحيح المسار، فلا نلقي اللوم على جهة دون أخرى، وأن نتحمل متعاونين مسئولية العمل لتصحيح المسار وتعديل هذه الظواهر وإصلاحها، فقد أصبحت تؤثر على قيمنا ومبادئنا وحياتنا بل على مستقبلنا كافة.
الحل يبدأ من هنا..
إن الحل في رأيي يبدأ بإصلاح التعليم ومناهج التعليم ورجال التعليم، وخاصة النواة الأولى : المدرس والمدرِّسة، فلا بد من تغيير مناهج التربية ومناهج كليات التربية، والتركيز فيها على القيم والأخلاق، والاستفادة في الوقت نفسه بصورة فعالة من التطور الكبير الذي حصل في مجال التعليم، واستخدام العقول الإلكترونية والحاسب الآلي، وتطوير قدرات أولادنا وإمكاناتهم، وتحسين مستوى المدرس.. وتغيير الكتب، والاستعانة بالبرامج الإلكترونية وعلوم الكمبيوتر، ولا بد أن نعي حقيقة مهمة وهي أن البداية من هنا من التعليم ومنهج التعليم وكتاب التعليم والمدرس، حتى نصحح أوضاعنا ونعدل ونصحح الأخطاء التي وقعت، والمهم أن نتحرك قبل فوات الأوان وقبل أن تتعقد المشاكل أكثر وأكثر.
هذا بالنسبة للتعليم وأهميته، وأنه رأس الحربة في قضيتنا، ولكن هناك قضية الأخلاق والأسرة وتحملها للمسئولية، والمدرسة وتحملها للجانب الآخر من المسئولية، وأجهزة الإعلام ودورها الخطير، ودورنا في كيفية تعليم أولادنا مع انطلاقة أجهزته وتفسخها، وخطورة بعض ما يقدم فيها، فنحن لا نستطيع أن نمنعهم، ولكن نستطيع أن نعلمهم ونربيهم على طريقة التعامل مع مثل هذه المخاطر والمؤثرات.
كما إن من واجبنا أن نتعامل بحذر مع هذه الملايين التي بدأت تفد إلينا وتتغلغل في مجتمعنا، خصوصًا ما يتصل منها مباشرة ويتعامل ويتفاعل مع أولادنا بنين وبنات ومع أطفالنا، فهذا جانب من الجوانب التي يجب أن نوليها اهتمامًا خاصًا.
وختامًا فهذا جهد المقل، حاولت أن ألقي فيه الضوء على التحولات الاجتماعية في مكة المكرمة كحالة دراسة، ومقارنتها بما يحصل اليوم بين ظهرانينا، وأنه لا بد من تحرك جاد وعمل صالح نعدل به المسار ونصحح الأوضاع، ونأخذ فيه بيد أولادنا بنين وبنات نحو تربية صالحة نسير بها لتصحيح أوضاع المجتمع ووضعه على المسار الصحيح.
الهوامش
[1] محمد علي مغربي، من مذكرات غير منشورة.
[2] عبد الله بن محمد الغازي، نشر الثناء الحسن.
[3] أحمد بن علي القاري، تاريخ مكة.
[4] عباس بن علوي المالكي، هكذا كانوا.
[5] عبد القدوس الأنصاري، آثار المدينة المنورة.
