الحج وعالمية الإسلام

ينظر بعض العقلاء إلى قضية الحج وموسم الحج على أنها فرصة عظيمة نستطيع من خلالها أن نطل على العالم ونقدم الإسلام كدين عالمي، فهذه الملايين التي تفد لأداء فريضة الحج لا بد من الاستفادة من تجمعها ومن إمكاناتها وقدراتها للعمل على نشر هذا الدين الحنيف، وإطلاع العالم ككل على قيمه ومبادئه، لأنها مبادئ تركز على سعادة الإنسان، كل إنسان، مهما كان لونه أو دينه، وليس العربي ولا حتى المسلم، ولكنها تتكلم عن عالمية الإسلام.

ولا شك أن من يقرأ أول ما يقرأ فاتحة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، {الحمد لله رب العالمين} [¹]، يحس بأن هذا الدين هو للعالمين، وأن الله هو رب العالمين، وليس رب المسلمين أو العرب، وإنما هو رب العالمين، ومن هنا يكتسب هذا الدين عالميته، فالرسول محمد أرسل للناس كافة، والرسول بعث معلماً للعالم كله، والقرآن نص في أكثر من آية على عالمية هذا الدين: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [²]، {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [³]، {وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً} [⁴].

والدين الإسلامي دين عالمي؛ لأنه الدين الخاتم لكل الديانات، وقد كانت الرسالات السابقة تأتي إلى قوم معينين، وفي بعض الأحيان يكون أكثر من نبي في وقت واحد، هذا أرسل إلى قومه، وذاك أرسل إلى قوم آخرين، ولهذا جاء القرآن بأخبار هؤلاء الأنبياء ورسالاتهم المحدودة إلى أقوامهم فقط: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} [⁵]، {وإلى مدين أخاهم هوداً} [⁶]، وأما الرسول فإن رسالته خاتمة الرسالات، وهو خاتم الأنبياء، ومن هنا فإن الإسلام دين عالمي ليس محدوداً بمكان ولا بقوم، بل هو منذ بعثته إلى يوم القيامة، والرسول في تأكيده على عالمية الدعوة لم يفرق بين عربي ولا عجمي، ولا أبيض ولا أسود، ولا امرأة ولا رجل، فأكد على عالمية الإسلام، وجاء القرآن صريحاً في هذا المجال: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت} [⁷]، وجاءت الآية الكريمة في سورة الفرقان لتؤكد على هذا المبعوث، حيث يقول الله عز وجل: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} [⁸]، وهذا مما يؤكد على أنه أرسل للعالمين نبياً ورسولاً ومبشراً ونذيراً.

ومن هنا فإن من واجبنا أن نفكر بعمق في كيفية الاستفادة من موسم الحج لاجتذاب العالم لهذا الدين، والاستفادة من كل هذه القنوات الفضائية التي تنتشر في شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه، فنقدم من خلالها الدين الإسلامي ونركز على عالميته، خاصة في هذا الوقت الذي يصطرع فيه العالم ويتصارع حول قضية العولمة والموجة القادمة، والتي من الممكن أن نركبها ـ أي موجة العولمة ـ لنشر الدين الإسلامي، ولإظهار عالميته ومواطن القوة فيه، ولعلنا نوفق في الاستفادة من هذه الإمكانات المتاحة في القنوات الفضائية فنوظفها لخدمة الإسلام، وقد حولت العالم إلى قرية صغيرة، فأصبح يتصل بعضه ببعض من خلال هذه القنوات والأقمار التلفزيونية والإذاعية في العالم.

إنها فرصة نستطيع من خلالها أن نطل على العالم ونقدم الإسلام في أبهى صوره، ونركز على عالميته، وأنه منهج حياة يصلح للبشرية جمعاء، وقد يكون القرن القادم هو قرن الإسلام، فإذا ما استطعنا الاستفادة من موسم الحج، وركزنا على استخدام القنوات الفضائية من جهة لتوضيح حقيقة عالمية الإسلام، وأن الرسول إنما أرسل للعالم كافة، بل للعالمين كافة، وهكذا نستفيد في هذا الموسم من الآلاف التي تفد إلى البيت الحرام لأداء مناسك الحج، وفيها من العلماء، وفيها من المفكرين، وفيها من الأطباء، وفيها من الأدباء، وفيها من الموهوبين، وفيها من عظماء العالم، فهي فرصة أن نلتقي بهم، ونجتمع معهم، ونخطط حتى قبل حضورهم للاستفادة من إمكاناتهم، فنحن نستطيع أن نتصل بسفاراتنا، وقنواتنا الثقافية في الخارج، بل في السفارات الموجودة في بلادنا لدول العالم الإسلامي، ونعرف منها الشخصيات العلمية والأدبية والفنية والثقافية التي ستحضر موسم هذا الحج لنستفيد منها ونعقد الندوات واللقاءات معها، ونبثها للعالم، ونركز من خلال حملات إعلامية وندوات ثقافية على اطلاع العالم على حقائق الإسلام العظيمة، وأنه دين عالمي. وكل هؤلاء يستطيعون أن يعينونا ويتحدثوا للعالم بلغات شتى إذا ما خططنا لذلك التخطيط السليم، واستفدنا من حقائق هذا الدين العظيم.

ولا شك أن هناك منظمات متخصصة تستطيع أن تتعاون للخدمة في هذا المجال، كـ رابطة العالم الإسلامي، ولها خبرة في هذا المجال ودعمت وخططت وتعاونت مع المؤسسات الدعوية في العالم، وكذلك منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعات، فإن تعاونها في هذا المجال سيساهم في وضع خطة حكيمة تقوم على أسس سليمة، وتخاطب العالم بعقلانية وبأسلوب عصري يصل إلى عقولهم وقلوبهم، وتستفيد فيها من كل هذه الإمكانات ومواطن القوة في العالم الإسلامي، ونخرج من دور المتلقي الذي يكتفي بالأخذ دون العطاء، لنكون فاعلين فنقدم الدين الإسلامي الحنيف، ونتحرك بصورة فاعلة. ثم إنها فرصة أن نقدم القرآن الكريم وقضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، والحقائق التي كشف عنها القرآن ولم يعرفها العالم إلا في هذا العصر، وبهذه الصورة الناصعة.

ولا شك أن تقديم جوانب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة يساهم بصورة فاعلة في تقديم الإسلام لأهل العلم والعلماء، وخاصة في هذا العصر الذي يتسم بالحقائق العلمية، ولأن في الإعجاز العلمي في القرآن استدعاء لأهل العلم والحكمة لتوجيه أنظارهم إلى ما في هذا الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة، وهذا من العلم الذي أودعه الله سبحانه وتعالى في القرآن ليكون معجزة علمية لكل زمان.

إننا أمام ثروة ضخمة من آيات الكون المفتوحة التي نستطيع من خلالها أن نقدم الإسلام كدين عالمي، خاصة في عصر العلم والعلوم الكونية.

وإن من أهم ما في الإعجاز العلمي أنه يتعامل مع حقائق ثابتة من حقائق العلم، وليس من منطلق الظن أو التخيل، ويستند إلى دليل قاطع وبرهان واضح يدلل فيه على أن هذه الحقائق التي اكتشفت اليوم قد جاء ذكرها قبل أربعة عشر قرناً، وبهذا نستفيد من موسم الحج، ومن اهتمام الناس بهذه الشعيرة، فنطل عليهم من خلال القنوات الإذاعية والتلفزيونية، ونقدم القرآن الذي يخاطب الناس كافة من خلال مضمونه العلمي، وأنه كتاب من عند الله سبحانه وتعالى الذي قد أحاط بكل شيء علماً.

إن هذا القرآن عندما نقدمه بصورة علمية يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أنه صالح لكل زمان ومكان، ولكل شعوب العالم، وكلما تدبرنا وتأملنا وتعمقنا فيه نستطيع أن نقدمه ونقدم من خلاله عالمية الإسلام. وهكذا نستطيع من هذا الجانب أن نحاور العلماء والفقهاء ونضع الخطط العلمية المناسبة للدعوة إلى عالمية الإسلام.

ثم إنها فرصة لنقدم حقائق الإسلام، وأنه يحترم الديانات الأخرى، ونظرته إلى أهل الكتاب، والتوصيات التي جاءت في القرآن الكريم: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [⁹]، {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا والذي أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} [¹⁰].

إن هذه القضايا إذا ما أحسنا طرحها وتحدثنا عنها إلى الناس بلغة عصرية، واستفدنا من كل الأبحاث التي أجريت في هذا المجال، فإننا نستطيع أن نقدم الإسلام وعالميته، ونستفيد من موسم الحج لطرح هذه القضايا المهمة، وربط الناس بهذا الدين الإسلامي الحنيف.

وهناك فرصة عظيمة لتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، فنحن نستطيع من خلال موسم الحج أن نعين الناس ونزودهم بكل الإمكانات حتى إذا ما رجعوا إلى بلادهم كانوا دعاة، واستطاعوا أن يصححوا الكثير من المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، وخاصة في الغرب، كما أننا نستطيع من خلال قنوات تلفزيونية بلغات عالمية مختلفة أن نصحح في موسم الحج الكثير من الأخطاء ونظرات الناس للإسلام؛ لأنهم يتابعون برامج الحج حباً للاستطلاع، ونحن أيضاً نستطيع أن نضع كل الوسائل والإمكانات، ونشتري أوقاتاً في قنواتهم التلفزيونية، ونوظف صحافتهم ومفكريهم، ونعينهم على فهم الإسلام، ونقدم الحقائق عن نظرة الإسلام للإنسان، ونظرة الإسلام للمرأة، ونظرة الإسلام لحقوق الإنسان، وسبق الإسلام إلى حقوق الحيوان.

ومن هنا فإن الحج والعمرة يعتبران فرصة مناسبة ونافذة نطل من خلالها على العالم ونقدم الدين الإسلامي الحنيف. ثم إنه من الممكن أن نقدم صوراً من حياة المصطفى وسيرته العطرة، والإعجاز العلمي في السنة النبوية الشريفة، ومن هنا فإننا نعمل على اجتذاب الناس إلى الاهتمام بهذا الدين الحنيف.

إن قضية الاستفادة من موسم الحج قضية جوهرية وهامة، ولا شك أن من ينظر بعمق يستطيع أن يدرك أنه قد آن الأوان للاستفادة من هذا الموسم العظيم في عدة اتجاهات، أهمها:

أولاً:
الإطلال على العالم من خلال القنوات التلفزيونية التي انتشرت في أنحاء العالم، وتوظيف هذه القنوات في هذا الموسم العظيم لنشر الإسلام والتأكيد على عالميته وتقديمه بصورة تصل إلى عقول الناس وقلوبهم.

ثانياً:
أن نستفيد من أولئك الرجال والنساء الذين يفدون إلى موسم الحج، ونستفيد من إمكاناتهم ومن قدراتهم لنشر هذا الدين والتأكيد على عالميته، وإذا ما بدأنا التخطيط السليم لهذه القضية المهمة فسوف نسير على بركة الله، وستكون فرصة للتأكيد على عالمية هذا الدين، وإيصال هذه الرسالة إلى العالم أجمع عاماً بعد عام، وبتخطيط سليم وقدرات منظمة وخطط محكمة.

ثالثاً:
أن نخطط للتعرف على وفود الحجاج بطريق الغرف التجارية في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة، ونستطيع من خلالها أن نعرف أسماء رجال الأعمال القادمين ورجال الصناعات، ونجمعهم ونقدمهم إلى رجال الأعمال في المملكة، ونخطط لذلك ونستفيد من اجتماع قدرات هؤلاء الرجال بعضهم مع بعض، وتعريفهم على رجال الأعمال في العالم الإسلامي في هذا الموسم العظيم. كما يمكن أن تستفيد النوادي الأدبية من الأدباء الذين يفدون إلى المملكة، فتخطط لاستقبالهم وتعريفهم بعضهم ببعض، وتعريفهم بأدباء المملكة والاستفادة منهم لتقديم صور مشرقة عن الإسلام في العالم، والمساهمة في إظهار عالمية الإسلام من خلال وجودهم في المملكة. كما أن العلماء الذين يفدون يمكن أن نستفيد منهم ونتعرف عليهم ونعرفهم على علماء المملكة العربية السعودية، وأن يلتقوا حول المسجد الحرام ويتعرفوا على زملائهم في العالم الإسلامي. وهكذا يتلاقى المفكرون والعلماء ورجال الفكر ورجال الأدب ورجال القانون، ويصبح موسم الحج فرصة للتعارف فيما بينهم والاستفادة من توظيف قدراتهم في خدمة الإسلام في هذا الموسم العظيم. وهكذا يمكن تحويل موسم الحج إلى مؤتمر إسلامي عظيم نستفيد فيه من كل هذه الإمكانات ونوظفها لنشر عالمية الإسلام، وفي الوقت نفسه لتلاحم العالم الإسلامي وترابطه بعضه ببعض.

إن من ينظر بعمق في هذه المسألة يلاحظ كيف يفد هؤلاء الأدباء، وهؤلاء العلماء، وهؤلاء المثقفون ورجال الأعمال ورجال العلم والفكر والأدب، ولا أحد يستفيد منهم، ولا أحد يعرف عن مجيئهم.

نسأل الله أن يوفقنا حتى نستطيع أن نوظف قدرات هؤلاء الناس الذين يفدون من مشارق الأرض ومغاربها لأداء هذا الركن، كما نسأله أن يوفقنا للتخطيط السليم للاستفادة من موسم الحج لنشر الإسلام والدعوة إلى عالميته، وأنه الدين الناسخ لكل الأديان في كل زمان ومكان، وأنه للعالمين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أرسل للناس كافة، وهو رحمة للعالمين. وهكذا نستفيد من موسم الحج للتأكيد على عالمية الإسلام.

والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.


الحواشي:

[¹] سورة الفاتحة، الآية: ٢.
[²] سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.
[³] سورة سبأ، الآية: ٢٨.
[⁴] سورة الفرقان، الآية: ٥٦.
[⁵] سورة الأعراف، الآية: ٥٩.
[⁶] سورة الأعراف، الآية: ٦٥.
[⁷] سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.
[⁸] سورة الفرقان، الآية: ١.
[⁹] سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.
[¹⁰] سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.