يماني .. قيادة ورمز خالد

د. هاشم عبده هاشم

بعد (خميسية حمد الجاسر) التي خُصصت للتحدث عن (معالي الدكتور محمد عبده يماني) الوزير.. والداعية الإسلامي الكبير.. والمفكر المتميز.. ووجه الخير.. وأحد رواد العمل الخيري الواسع في هذه البلاد..
جاءت احتفالية منطقة مكة المكرمة بالفقيد الغالي من قبل نادي جدة الثقافي والأدبي مساء الثلاثاء الماضي.. لتعبر عن مدى الخسارة الكبيرة التي لحقت بنا كوطن.. وكمواطنين.. وكمثل عليا.. بوفاة هذا الإنسان (الأمثولة) و(الرمز)..
ومن لا يعرف الدكتور يماني عن قرب.. فإنه لابد وأن يعرف انه يقف أمام إنسان نادر ومتميز.. فهو قمة في عمله وتخصصه.. (الجيولوجيا الاقتصادية) بما قدمه وأجراه من أبحاث ميدانية في أنحاء المملكة في مختلف مراحل حياته العملية سواء في جامعة الملك سعود أو جامعة الملك عبدالعزيز وحتى بعد أن ترك وزارة الاعلام..
كما أنه قمة في الادارة وقوة الشخصية كما وصفه بذلك أستاذه وعميد كليته .. كلية العلوم بجامعة الملك سعود الذي عدد صفاته.. وخصائصه وقال عنه بأنه كان قائداً وذا كاريزما خاصة.. ليس فقط بالنسبة لزملائه وإنما بالنسبة لأساتذته وإدارة كليته التي كانت تستعين به كثيراً في حل مشاكلها مع الطلبة.. وإيصال رسائلها إليهم..
والحقيقة أن شخصية القائد الدمث الاخلاق هذه التي اكتشفها فيه الدكتور (رضا عبيد) مبكراً.. قد لازمته حتى في أمريكا عندما اكتشف أيضاً المشرف على رسالته للتحضير لدرجة الدكتوراه انه شخصية متميزة ونصحه بالالتحاق بدورة في إدارة الجامعات رغم دهشة الدكتور اليماني من هذا التوجيه.. وإن كان الرجل قد بدا وكأنه يقرأ كف المستقبل.. بالرغم من انه لايعرف ان اليماني سيصبح في يوم من الأيام وكيلاً لوزارة.. أو مديراً لجامعة.. أو وزيراً في أعلى قمم السلطة..!
ليس هذا فحسب.. بل ان تلك الجامعة الأمريكية قد اختارته لمزاياه القيادية.. رئيساً لأول برلمان للطلبة فيها وهم يتشكلون بالآلاف ومن أكثر من أربعين جنسية في هذا العالم.. وهو الحدث الذي أوقعه في حساسية بالغة مع سفارتنا في واشنطن في البداية.. ثم حين تبين السفير الحقيقة.. شد عليه وبارك اختياره..
والشخصية القيادية التي كان يتمتع بها الفقيد هي التي جعلته صاحب مبادرات ومغامرات وأوليات غير مسبوقة.. فقد كان وراء توجه وزارة المعارف نحو نشر ثقافة الانتخاب لمجالس الفصول الدراسية بالمدارس الحكومية.. وكأنه يضع بذلك نواة جديدة لنشر ثقافة الانتخاب في مجتمعنا..
كما أنه كان وراء فتح أول قسم للبنات بجامعات المملكة رغم المعاناة التي واجهها في هذا الاتجاه.. وكذلك كان صاحب فكرة الدراسة الجامعية بالانتساب أيضاً.. بالاضافة إلى فتحه لأول مركز للاقتصاد الاسلامي وأول قسم لعلوم البحار كتخصص فريد ومتميز..
ليس هذا فحسب.. بل إنه كان صاحب فكرة أول قسم للطاقة النووية بجامعات المملكة.. بعد التنسيق مع وزير التعليم العالي الشيخ حسن آل الشيخ رحمه الله.. ومعالي وزير البترول والثروة المعدنية الشيخ احمد زكي يماني.. وبمباركة منه.. وهذا القسم لو أنشئ بالصورة التي اقترحها يماني لاختصرنا ثلاثين عاماً من عمر المملكة إلى أن تأسست مدينة الملك عبدالله للطاقة النووية والمتجددة أخيراً.. كما قال الدكتور اليماني في مذكراته التي ستنشر قريباً..
ولم تكتف شخصيته اليماني القيادية هذه بتلك الأفكار.. بل كان وراء تبني جامعة الملك عبدالعزيز لأول مؤتمر للأدباء في المملكة عام (1394ه) ولم يعقد المؤتمر الثاني من بعده الا عام (1419ه)..
أما في وزارة الإعلام.. فإن اليماني بشخصيته القيادية هذه استطاع أن يفتح آفاقاً جديدة أمام الإعلام السعودي.. بقنواته الفضائية.. وبثه الأرضي.. وبصحافته.. وتناولاته الموضوعية..
وبشخصيته القيادية أيضاً.. كان اليماني وراء إصدار أول بيان مفصل عن جلسة الوزراء .. بعد أن كان الاجتماع يُسفر عن خبر مختصر لا يشير إلى مضامين الجلسة وقراراتها..
تلك هي الشخصية القيادية التي لازمته.. حتى بعد تركه الوزارة وتفرغه للدعوة والتأليف والاعمال الخيرية.. والتي قدم خلالها مساهمات كبيرة في الداخل والخارج.. بروح مسؤولة وعقلية مستنيرة.. وشخصية شجاعة وقوية في الحق.. إلى أن وافاه الأجل على هذه الحال..
وأنا بهذه الإضاءة.. التي نبهني وغيري إليها معالي الدكتور الفاضل (رضا عبيد) لا أقول شيئاً من عندي وإنما استنبطته من مذكراته التي شرفني بكتابتها – على مدى عام كامل – قبل وفاته.. وإن لم ينته منها مع كل أسف..
وما أريد أن أقوله اليوم هو .. أن الدكتور اليماني كان قمة وقيمة أخلاقية وإنسانية وصاحب مبادئ.. كما قال بذلك عنه سمو الامير نايف بن عبدالعزيز عندما زار أسرته إثر وفاته.. وهي المزايا التي يعرفها فيه قادة هذه البلاد ويعظمونها في شخصيته.. ويدعون الى التمثل بها .. وبه..
فهل يكون الدكتور اليماني قد غادرنا بعد كل هذا الإرث ؟
قطعاً لا .. لأن من ترك وراءه أعمالاً عظيمة.. وخالدة لايمكن أن ينساه الوطن والمواطنون.. لأنه كان – كما قلت مراراً – قمة وقيمة.. وحين تجتمع القيمة والقمة فإنهما تقدمان لنا رمزاً لا ينسى.