أشكر جريدة الحياة اهتمامها بموضوع جوانب السيرة النبوية، وإعطائها الفرصة لتبادل الرأي والحوار الذي يقودنا إلى مزيد من التعمق في سيرة سيدنا محمد ﷺ، خاصة في هذا العصر الذي نحن بصدد مواجهات خطيرة فيه تشوه الإسلام الحنيف، وتسيء إلى سيدنا محمد ﷺ، ولا بد لنا أن نعنى بالطريقة التي نتحاور بها، وأن يتسم حوارنا بالأدب الذي علمه رسول الله ﷺ للصحابة، وكل من يكتب عن السيرة النبوية أو يتناول السيرة من الواجب أن يكون على هذا الخلق.
ولقد أسعدني مطالعة مقال (الاحتفال بالمولد النبوي سنة مستحبة) الذي نشر في عدد الحياة بتاريخ 7 جمادى الأولى 1431هـ للباحث في الشؤون الإسلامية الأستاذ عبد الرحمن الخطيب، الذي استنكر فيها طريقة معالجة الشيخ عبد العزيز السعيد للموضوع عندما كتب مقالًا بعنوان (ما هكذا نحتفي بخاتم الأنبياء) تعقيبًا على حديث نشرته عن هذا الموضوع.
إنني سعيد وأنا أرى الأخ عبد الرحمن الخطيب يتناول الموضوع بطريقة موضوعية، ويصحح للشيخ عبد العزيز السعيد المعلومات والأسس التي يجب أن يكون عليها الرد عندما قال: ” إن طريقة الرد الفظة، والهجوم الشخصي لا تليق بمفكر إسلامي كبير من أمثال الدكتور يماني، له باع طويل في التأليف في سيرة الرسول ﷺ وآل بيته الكرام، وله مآثر جليلة في مجال الدعوة إلى الله وصل صداها إلى معظم الجمهوريات الإسلامية التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقًا، ولنأخذ على سبيل المثال ما قاله الشيخ السعيد: “إن ما ورد في المقال المذكور خروج عن حدود الله”، وجملة “لا يجوز لأحد أن يتكلم في المسائل الشرعية ما لم يكن من أهل العلم، وإلا فهو معرض للعذاب”.¹ حاول الشيخ السعيد جاهدًا أن يقنع القراء بوجهة نظره من خلال تكرار عبارة “على الوجه المشروع”، ولكن لم يذكر ما هو الوجه المشروع الذي نحتفل فيه بمولد الرسول الأعظم ﷺ، بل حتى أنه أنكر تخصيص صوم ذلك اليوم، واستشهد بقول ابن تيمية وابن حجر وآخرين معاصرين مغمورين لا يعتد بآرائهم”.
ولا شك أن الأخ الشيخ عبد العزيز السعيد كان فظًّا في أسلوبه، وكرهت أن أدخل في حوار معه في ذلك الوقت، لأبين له أن نيتنا، والحمد لله، إنما تهدف إلى خدمة هذه السيرة وربط الناشئة بها، وليس ارتكاب أي بدع من أي لون؛ لأن هذا الأمر فعله رسول الله ﷺ، وأصبح من الأعمال المستحبة، خاصة في عصرنا هذا الذي نحتاج فيه إلى التعاون للدفاع عن كتاب الله وسنة سيدنا محمد ﷺ.
وأحسب أن الشيخ عبد العزيز يخلط بين ما يجري في بلادنا من قراءة للقرآن وأناشيد في مديح المصطفى ﷺ، وبين ما يجري في بعض المناطق، مما لا نؤيده نحن أساسًا؛ لأن مجالس السيرة النبوية يجب أن تتسم بالأدب، لأنها مجالس وقار وعلم، يُستعرض خلالها جوانب من حياته ﷺ، وكيف كان يتعامل مع صحابته الكرام، وكيف كان يعلمهم ويؤدبهم، وكيف كانوا يحترمون تلك التعليمات، ويفرحون بها، ويجلسون في مجالس لتدارس سيرته عليه أفضل الصلاة والسلام.
وكم أتمنى أن يعود الأخ الشيخ عبد العزيز السعيد إلى نفسه، ويراجع الموضوع، ليعلم أن هذا ليس بدعة، ولكنه أمر له أصل، وأمر مطلوب في العصر الحديث الذي نحن فيه، الذي هو عصر الاتصالات وعصر المواصلات والقنوات التلفزيونية العالمية لتذكير الشباب بالمناسبات الإسلامية، فهو من الأعمال الحسنة.
وكم أسعدني طرح الأستاذ عبد الرحمن الخطيب للموضوع بطريقة علمية، وما نقله عن السيوطي رحمه الله في الحاوي للفتاوى عندما أوضح أن: “احتفال المسلمين بمولد رسولهم ﷺ لا يقتصر على شكل واحد، فالتعبير عن الفرحة يتعدد ويتنوع، وأول تعبير عن تلك الفرحة هو التأسي بسنة نبيهم، عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو الصيام. فقد أخرج مسلم في «صحيحه»، عن أبي قتادة أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين، قال: “ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل عليّ فيه”.²
وفي فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، أورد ابن حجر العسقلاني حديث البخاري: “أن بعض أهل أبي لهب رآه في المنام بعد موته في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلا أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة.³” وروى غير البخاري أن الذي رأى أبا لهب من أهله هو أخوه العباس، وأنه قال: “مكثت حولًا بعد موت أبي لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، وذلك أن رسول الله ولد يوم الاثنين. وكانت ثويبة مولاة أبي لهب قد بشرته، إذ قالت له: أشعرت أن آمنة ولدت غلامًا لأخيك عبد الله، فقال لها: اذهبي فأنت حرة. فنفعه ذلك وهو في النار، كما نفع أخاه أبا طالب ذبّه عن رسول الله ﷺ واجتهاده في منعه ونصرته، فهو أهون أهل النار عذابًا، ويفعل الله ما يشاء مما يطابق سابق تقديره”.⁴
وأحسب أن التسرع في تكفير الناس أمر خطير لا مبرر له، وخاصة ونحن نتناقش على مائدة السيرة النبوية، وكما قال الأخ عبد الرحمن: كان حريًا بمن كفّر وجعل عمل الذين يقيمون مثل هذه الاحتفالات من باب الشرك بالله، والخروج عن حدوده، أن يفتي لهم بصوم يوم مولد الرسول ﷺ أسوة ببعض الأيام المباركة عند المسلمين، كيوم الإسراء والمعراج، ويوم الوقوف على عرفة، ويوم عاشوراء وغيرها من الأيام، دليلًا على محبة نبيهم ﷺ.
فأنا في الوقت الذي أشكر فيه الأستاذ عبد الرحمن الخطيب على هذه المداخلة والمطالعة العلمية، أذكّر الأخ الشيخ عبد العزيز السعيد بأن يبتعد عن الانفعال، ويقترب من الحوار الهادف البناء، ويتجنب تجريح إخوته من المسلمين، وعليه أن يجلس معنا في أي وقت شاء، لنتدارس هذا الموضوع بما يعين على مزيد من الفهم، خاصة ونحن في عصر نرى فيه: إن أكثر من بليون مسلم يحتفلون بمولد الهدى كل عام، صلوات الله وسلامه عليه، محبة فيه، وأنا أولهم منذ نعومة أظفاري، أفلا ندعهم على نواياهم، لعله ﷺ يكون شفيعهم الشفاعة العظمى يوم القيامة؟.
والله من وراء القصد، وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
الحواشي والتوثيق
1. هذه العبارات منسوبة في النص إلى الأستاذ عبد الرحمن الخطيب، وهي نقل عن مقال صحفي معاصر، وليست نصًا شرعيًا أو قولًا منقولًا من مصدر تراثي. وقد وردت في المادة المنشورة بعنوان «الاحتفال بالمولد النبوي سنة مستحبة»، وهي المادة التي يتضمن نصها هذه العبارات نفسها
2. أصل الحديث ثابت في صحيح مسلم، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه». وقد استند السيوطي نفسه إلى هذا الحديث في حسن المقصد في عمل المولد. أما عبارة «ويوم بعثت أو أنزل علي فيه» الواردة في المقال فهي صياغة تجمع بين روايات وطرق للحديث، والأثبت في صحيح مسلم: وأنزل علي فيه.
3. أخرج البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، عن عروة بن الزبير أن ثويبة مولاة أبي لهب أرضعت النبي ﷺ، وأن أبا لهب أعتقها، ثم قال عروة: «فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله في النوم في شر حِيبة، فقال له: ماذا لقيت؟ فقال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة». وقد شرح ابن حجر هذا الخبر في فتح الباري. والمهم توثيقيًا أن البخاري لم يقل إن الرائي هو العباس، وإنما قال: “أريه بعض أهله”
4. رواية كون الرائي هو العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وردت في مصادر السيرة، ومنها الروض الأنف للسهيلي، حيث قال: «وفي غير البخاري أن الذي رآه من أهله هو أخوه العباس…»، ثم ساق القصة بلفظ قريب من النص الوارد هنا. كما وردت في الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء. ولذلك فصلتُ بين رواية البخاري وبين الرواية التي ذكر فيها السهيلي أن الرائي هو العباس.
أما قول السهيلي: “فنفعه ذلك وهو في النار كما نفع أخاه أبا طالب ذبه عن رسول الله…“ فهو موجود في الروض الأنف ضمن سياق قصة أبي لهب، ثم بيّن السهيلي أن هذا النفع لا يعني دخول الجنة، وإنما هو نقصان في العذاب، وذكر أن عمل الكافر محبط.
أصل ما نقله النص عن موقف السيوطي من المولد موجود في رسالته «حسن المقصد في عمل المولد» ضمن الحاوي للفتاوى. وقد قرر السيوطي أن أصل الاجتماع لقراءة القرآن ورواية أخبار مولد النبي ﷺ وإطعام الطعام، إذا خلا من المحرمات، من البدع الحسنة عنده، ثم نقل عن ابن حجر العسقلاني تخريج عمل المولد على أصل الشكر لله تعالى على النعمة في يوم معين.
نقل السيوطي في الحاوي للفتاوى كلام الحافظ ابن حجر في المولد، وفيه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، لكنها اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة وإلا فلا. ثم استدل ابن حجر بقصة صيام يوم عاشوراء شكرًا لله تعالى.
