لقد أكرم الله هذه الأمة ببعثة سيدنا محمد ﷺ الذي علمنا عليه الصلاة والسلام عن ربه عز وجل أن الإسلام يتركز في قضية أساسية وهي التوحيد، وإفراد الله عز وجل بالعبادة، وأنه لا يقبل عمل أي إنسان ما لم يؤمن بأن الله عز وجل هو الخالق والباريء والمصور والمتصرف في هذا الكون وحده لا شريك له؛ لأن الله أغنى الأغنياء عن الشرك. ولكن في الوقت نفسه علمنا رسول الله ﷺ أن الإيمان لا يكمل ولا يكون تاماً إلا بمحبة سيدنا محمد ﷺ المحبة الكاملة والصادقة. ولهذا فإن الصحابة قد أقبلوا على حب رسول الله وحرصوا على ذلك الحب، وفازوا وغنموا، وكانوا قدوتنا في هذه المحبة؛ فقد صدقوا مع رسول الله وصدقوه وأيدوه وأحبوه أكثر مما أحبوا أنفسهم وأهلهم وعشيرتهم ومن أي شيء. وقد بشرهم رسول الله ﷺ بأنهم معه جزاء على حبهم له، وأن ذلك ليس لهم وحدهم بل لكل من أحب رسول الله فهو معه، وذلك بقوله: “إِنَّ الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ”[¹]. ولا شك أن هذه بشارة عظيمة لكل من أحبه، وأحب أهل بيته وأحب أصحابه.
إن محبة رسول الله ﷺ في الحقيقة تبدأ باتباع هذا النبي والحرص على سنته وطاعته: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾[²].
﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾[³].
ويقول صلى الله عليه وسلم: “مَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ”[⁴].
إنها محبة تسمو فوق كل محبة، وترتفع بصاحبها إلى ذروة الإيمان. وهذا رب العزة والجلال يعلمنا أن محبته ومحبة رسوله ﷺ فوق كل محبوب، شرط السعادة والنجاة من عذاب الله في الدنيا والآخرة فيقول:
﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾[⁵].
ومن هذه الآيات الكريمة يتبين أن الإيمان والإسلام لا يكتملان لمسلم إلا باتباع النبي ﷺ، وطاعته ومحبته، وأن يكون هواه تبعاً لما جاء به ﷺ. وهذا ما عبر عنه بقوله ﷺ:
“لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ”[⁶].
وأول الذين أحبوا رسول الله ﷺ، كانوا صحابته الأبرار. ولا شك أن أعظم الناس محبة لرسول الله ﷺ هم الذين فازوا بالصحبة وبالمحبة الصادقة؛ فقد جعلوا سيرته مناراً ونبراساً يضيء أمامهم الطريق، وأدركوا أهمية القدوة، فكان قدوتهم في كل شيء صغر أو كبر، فراحوا يغترفون من هذه القدوة، وينعمون من فضلها ويتفيأون ظلالها. وكما كان هو ﷺ القدوة، فقد رباهم وعلمهم، وجعلهم القدوة أيضاً لكل من اهتدى، ذلك أنهم أحبوه.. أكثر من حبهم لأولادهم.. وأنفسهم.. وأموالهم.. وكل شيء في حياتهم.. وأحبه ﷺ المؤمنون الصادقون في كل زمان ومكان مثل ذلك الحب.. ولسوف تظل هذه علامات المؤمنين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد كان حب صحابة رسول الله ﷺ شاهداً على ذلك الإيمان الراسخ.. فهذا أبو بكر الصديق.. لا يحرص على شيء أفضل ولا أكبر من الصحبة في أشد الساعات.. ورسول الله ﷺ يستعد للهجرة.. فيقول والحب يملأ قلبه:
(الصحبة.. الصحبة.. يا رسول الله)
كل همه الصحبة.. ومرافقة رسول الله ﷺ.. رغم كل المخاطر المحدقة.. وقد فاز بالصحبة، فلما ذهبا إلى الغار، وجاء المشركون فوقفوا على باب الغار، وخشي أبو بكر على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم أسفل قدميه لرآنا، فطمأنه رسول الله… وقال: “يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا”[⁷]. فأنزل الله في ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾[⁸].
وقد فاز أبو بكر رضي الله عنه بهذا الشرف العظيم، إذ ذكره الله تعالى بشرف الصحبة، والمكث في الغار، والخوف على رسول الله ﷺ أن يصيبه مكروه، وبمواساة النبي ﷺ، وهذا ما لم يظفر به أحد من الصحابة سواه.
وهذا ثاني الخلفاء.. الناطق بالحق.. والصواب.. يقول لرسول الله ﷺ:
(لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا نفسي)
ويجيبه عليه السلام:
(لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ)
فقال عمر رضي الله عنه:
(فأنت الآن أحب إلي من نفسي)
فقال رسول الله ﷺ:
(الْآنَ يَا عُمَرَ)[⁹].
وهذه أم المؤمنين.. خديجة الكريمة.. هذه السيدة العظيمة التي أحبت رسول الله ﷺ وبذلت في سبيله نفسها ومالها، ففازت فوزاً عظيماً.. وازدادت عظمة ورفعة.. حتى جاء جبريل عليه السلام يقرئها من ربها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.. هذه الإنسانة التي وقفت تشد من أزره.. وتعينه على المضي قدماً في تحمل أعباء الدعوة.. تدثره.. وتزمله.. وتحنو عليه.. وتؤيده من دافع حب عميق لهذا الإنسان.. الصادق الأمين.. وقالت قولتها المشهورة:
“أبشر فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”[¹⁰].
ولقد ظل وفياً لها ﷺ.. وها هو ذا يدافع عنها يوم قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.. وفي نفسها غيرة من كثرة ذكره ﷺ لها وبره بها:
(وهل كانت إلا عجوزاً أبدلك الله خيراً منها)
فقال عليه الصلاة والسلام في وفاء لتلك الإنسانة الكريمة، وبيان لعلو منزلتها:
وَاللَّهِ مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا..
آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ النَّاسُ..
وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ..
وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ..[¹¹]
لقد أحبته وآمنت به وصدقته وواسَته بنفسها ومالها فأحبها الله وأكرمها.. وكرمها.. رضي الله عنها وأرضاها، وقد فعل!!
ولقد كان الحب لهذا الإنسان الكامل منذ ولادته.. ونشأته.. فقد وضع الله عز وجل له المحبة في الأرض والسماء.. وأكرمه إذ جمع فيه من الصفات الحميدة العالية.. والشمائل الكريمة السامية.. والفضائل العظيمة.. ما غرس حبه في القلوب.. وحببه إلى النفوس.. فأحبه أهله.. وقومه وعشيرته.. وكانوا يتفاءلون به.. ويقرون بأمانته.. وصدقه.. حتى سموه الأمين.
ولا شك أن تتبعنا للسيرة يعيننا كثيراً على تعميق المحبة لرسول الله ﷺ في قلوبنا وقلوب أولادنا وأهلنا. وإذا ما نظرنا إلى بعض الصور المشرقة من حب الصحابة لرسول الله، وكيف عبروا عن هذا الحب وجعلوا محبة رسول الله قضية أساسية، حتى كانوا يفدونه بأرواحهم ويواسونه بأنفسهم ويفدونه بأولادهم وأهلهم، لرأينا من ذلك ما يملأ قلوبنا عجباً وإعجاباً. فمن ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ.. مُجَوِّبٌ عليه بحجفة له ( أي مترس عليه بترس حماية له ﷺ )، وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع “كسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً.. وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل، فيقول: انثرها لأبي طلحة.. قال: ويشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم.. فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم.. نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ..”[¹²].
وهذه امرأة من الأنصار.. قتل أبوها.. وأخوها.. وزوجها.. يوم أحد، وعندما أخبروها باستشهادهم.. كانت سلامة رسول الله هي التي تشغلها قبل كل شيء.. ولم تفكر ولو للحظة في مصيبتها في هؤلاء جميعاً.. وإنما كان همها كله هو سلامة رسول الله ﷺ.. ولهذا فقد صرخت: “أين رسول الله؟ فقالوا لها: هو بخير بحمد الله كما تحبين.. وعندها فقط اطمأنت رغم فداحة مصيبتها وعظم مصابها.. وقالت: “أرونيه حتى أنظر إليه”.. فلما رأته قالت كلمتها المشهورة.. والتي ذهبت نوراً مشعاً عبر التاريخ الذي يشهد بإيمان هذه الأنصارية: “كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ” – أي كل مصيبة تهون بعدك.
ما أروع هذه الصورة الإيمانية لهذه المرأة الأنصارية التي أعطت درساً بليغاً في محبة رسول الله ﷺ ، والتي بلغت فيها الذروة.. وإنا لنحس ونشعر أن هذا الحب لا يدانيه حب، وأنه حب صادق يتجدد عبيره عبر التاريخ.
وهذا زيد بن الدثنة رضي الله عنه.. عندما أخذه المشركون من الحرم ليقتلوه.. ووقف أبو سفيان يقول له: “أنشدك الله يا زيد.. أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟” قال زيد المسلم القوي: “والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه، تصيبه شوكة تؤذيه، وأنا جالس في أهلي”[¹³].
وتعجب أبو سفيان لهذا الرجل الذي يفضل أن يقتل على أن يصاب رسول الله ﷺ بشوكة تؤذيه.. وقال: “ما رأيت من الناس أحداً يحبه أصحابه كما يحب أصحاب محمد محمداً”[¹⁴].
ومثل ذلك ما قاله عروة بن مسعود الثقفي سيد أهل الطائف.. عندما أرسلته قريش إلى رسول الله ﷺ يوم صلح الحديبية.. فبعدما شاهد عروة كيف يصنع الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – مع رسول الله ﷺ.. فإنه كان لا يتوضأ وضوءاً إلا كادوا يقتتلون عليه ويتمسحون به.. وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ولا يحدقون النظر إليه ﷺ ، وقد صنعوا ذلك ليراهم عروة، ويرى شدة حبهم واستعدادهم للدفاع عنه، والموت دونه. فلما رأى عروة منهم ذلك قال: “والله يا معشر قريش لقد جئت كسرى في ملكه.. وقيصر في عظمته.. فما رأيت ملكاً في قومه مثل محمد في أصحابه.. ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً، فانظروا رأيكم.. فإنه عرض عليكم رشدا فاقبلوا ما عرض عليكم.. فإني لكم ناصح .. مع أني أخاف أن لا تنصروا عليه”[¹⁵].
لقد شهد عروة بن مسعود الحب الحقيقي لهؤلاء الصحابة.. وأدرك أبعاده.. وأنه يسمو فوق كل شيء.. نعم: إنه حب عظيم لقائد عظيم.. ونبي كريم.. ورسول أمين ﷺ.
وهناك صور كثيرة من هذا الحب؛ فقد كانوا يتسابقون إلى حبه.. وكل ما يحبه.. وكل من يحبه.. يلتمسون رضاه.. ويسعون في طاعته.. ويقتفون أثره.. ويتتبعون آثاره:
“روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: كنت عند النبي ﷺ، وهو نازل بالجِعْرَانَة بين مكة والطائف ومعه بلال، فأتى النبي ﷺ أعرابي، فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: “أَبْشِرْ”، فقال: قد أكثرت علي من أبشر، فاقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: “رُدَّا الْبَشَرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا” قالا: قبلنا، ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه، ومَجَّ فيه، ثم قال: “اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا”، فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن أفضلا لأمكما. فأفضلا لها منه طائفة”[¹⁶].
هكذا كانوا يتسابقون إلى طاعته، والانتفاع ببركة هذا السيد الجليل.. والرسول الكريم.. والنبي العظيم ﷺ.
“أخرج البخاري ومسلم في “باب خاتم النبوة”.. بإسنادهما إلى الجعيد بن عبد الرحمن قال: سمعت السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله: إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة”( زر كبير)[¹⁷].
وأخرج البخاري أيضاً في باب صفة النبي ﷺ عن أبي جحيفة قال: خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، وبين يديه عَنَزَة، ( عصا قصيرة وفي طرفها حديدة وضعها أمامه ساتر للصلاة من المارة ) وزاد فيه عون عن أبيه عن أبي جحيفة. قال: كان يمر من ورائها المرأة، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك”[¹⁸].
وكان سيدنا خالد بن الوليد وهو أحد القادة العظام والأبطال الكبار الذين جاهدوا في سبيل الله حق جهاده، وهو سيف صارم من سيوف الإسلام، وكان يحرص وهو في غمار المعارك.. أن يحفظ في ثنايا عمامته شعرات مباركات من شعرات الرسول ﷺ.. ليتبارك بها.. لأنها من أثر رسول الله ﷺ وكان يرى أنه لا يهزم أبداً ببركتها!!
فقد أخرج الحاكم وغيره: أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فقال: اطلبوها، فلم يجدوها، ثم طلبوها فوجدوها. وإذا هي قلنسوة خَلِقَة، فقال خالد: “اعتمر رسول الله ﷺ فحلق رأسه، وابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالاً وهي معي إلا رزقت النصر”[¹⁹].
وقد كان النبي ﷺ قدوتهم وحبهم.. وبركتهم.. أحبوه وأحبوا كل ما فيه من الشمائل الكريمة وكل شمائله كريمة.. وكل ما صدر منه.. أو عنه.. وآمنوا إيماناً كاملاً به.. وجعلوه القدوة الحسنة.. وقد كان الواحد منهم يتمنى أن تكون لديه شعرة أو أي أثر من آثاره، ويحس أن ذلك أغنى وأغلى من الدنيا وما فيها؟
ولقد حافظوا رضوان الله عليهم على هذه المحبة حتى بعد وفاته:
“فهذا بلال رضي الله عنه، لما قدم من الشام إلى المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ طلبوا منه أن يؤذن لهم كما كان يؤذن في حياته ﷺ. واجتمع أهل المدينة رجالهم ونساؤهم وصغارهم وكبارهم ليستمعوا إلى أذانه. فلما قال: “الله أكبر الله أكبر” صاحوا وبكوا جميعاً، ولما قال: أشهد أن لا إله إلا الله ضجوا جميعاً، ولما قال: أشهد أن محمداً رسول الله، لم يبق في المدينة أحد إلا بكى، وصاح وخرجت العذارى والأبكار من خدورهن يبكين، وصار كيوم موت رسول الله ﷺ. كل ذلك لتذكرهم ذلك العهد النبوي الزاهر الأنور”[²⁰].
وهذا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، ما ذكر رسول الله ﷺ إلا بكى، ولا مر على ربعه إلا غمض عينيه، كما ذكر البيهقي في الزهد بسند صحيح. ولقد كان ابن عمر يتتبع آثاره ﷺ في كل مسجد صلى فيه، وكان يعترض براحلته في كل طريق رأى رسول الله ﷺ عرض ناقته فيه، وكان لا يترك الحج، فكان إذا وقف بعرفة يقف في الموقف الذي وقف فيه رسول الله ﷺ[²¹].
وأخرج مالك في موطئه في: (باب ما جاء في الدعاء) أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء لقرية لبني معاوية، وهي قرية من قرى الأنصار، فقال: هل تدرون أين صلى رسول الله ﷺ من مسجدكم هذا؟ فقال له عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك: نعم، وأشار إلى ناحية منه.. الحديث[²²].
وكان بعض الصحابة من شدة حبهم للنبي ﷺ، وحرصهم على التبرك بأثره أنهم كانوا يطلبون من النبي ﷺ للصلاة في بيوتهم. فقد أخرج البخاري في كتاب الصلاة حديث طلب عتبان بن مالك منه عليه الصلاة والسلام، أن يصلي له في مكان في بيته ليتخذه مصلى لما ضعف بصره وخاف من حيلولة السيل بينه وبين المسجد النبوي، فجاءه النبي ﷺ إلى بيته وقال: “أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ؟”، فأشار إلى ناحية من بيته فصلى فيه فَصَفُّوا خلفه[²³].
هكذا أحبوه وأحبهم.. وكانوا كما وصفهم ربهم: ﴿السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾[²⁴] وكانوا ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾[²⁵] وحل عليهم رضوان الله وبركة الرسول الكريم ﷺ.
وهكذا بلغتنا هذه السيرة العطرة.. والتاريخ المشرف.. المشرق النبيل.. ولهذا وجب أن نتدبره.. ونتتبعه.. ونتعلم منه كيف نحب رسول الله ﷺ وآل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الكرام الغر الميامين.
وأول مراتب هذا الحب هو الإيمان الصادق.. والاتباع الصحيح.. والمتابعة والتوقير والاحترام.. وتلاوة سيرته وقراءة أخباره ﷺ في تعمق وتدبر.. وإقبال صادق ومحبة تملأ جوانحنا.. وتعطر حياتنا.. ونسأل الله أن يجعلنا ممن قال عنهم ﷺ: “أَنْدَى أُمَّتِي لِي يَدًا نَاسٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي يُودُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ”[²⁶].
ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ الذين تعلمنا منهم الحب الصادق، أولئك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. وثبتوا مع رسول الله ﷺ واتبعوه وافتدوه بأنفسهم.. وكانوا يتطلعون إلى صحبته في الآخرة، ويخشون أن تقصر بهم أعمالهم.. فلا يكونون معه.
ومن روائع هذا الحب ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ: يا فلان، مالي أراك محزوناً؟ فقال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه. فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح، تنظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئاً. فأتاه جبريل بهذه الآية:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾[²⁷]. وهي بشارة لكل مؤمن محب مطيع لرسول الله ﷺ، فما أعظمها من بشارة!!
وختاماً فلننظر إلى هذا الصحابي الكريم عكرمة بن أبي جهل الذي تأخر إسلامه حتى فتح مكة، وكان قبل من أشد المحاربين للإسلام، كيف تبدلت حاله بعد الإسلام، فأصبح حب رسول الله ﷺ فوق كل محبوب. فلما كان يوم اليرموك أبلى أحسن البلاء، وجاهد في الله حق الجهاد. فلما أصيب إصابة الموت، ورآه خالد بن الوليد وهو يجود بروحه فوضع رأسه على فخذه، فقال لخالد والدموع تنهمر من عينيه: يا عماه.. هل هذه ميتة ترضي عني رسول الله؟[²⁸].
فما أحوجنا في هذا الزمان أن ندرس السيرة النبوية الشريفة، وسيرة الصحابة الكرام لنتعلم كيف نتأسى به وبأصحابه، ونتعلم حبه وطاعته واتباعه والعمل بسنته والدفاع عنها، وأن نعلم ذلك أولادنا وأهلنا وإخواننا، حتى نكون من إخوانه وأحبابه، ونفوز بشفاعته، ونلقاه على حوضه لنشرب من يده شربة لا نظمأ بعدها أبداً، ونفوز برضوان الله تعالى ودخول جناته ونكون معه في الجنة: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾.
وما ذلك على الله بعزيز..
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،
—
الحواشي:
[¹] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب الأدب، باب من أحب أن يكون أحب الناس إلى الله، حديث رقم (6168)، ومسلم في “صحيحه”، كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، حديث رقم (2639).
[²] سورة آل عمران، الآية: 31.
[³] سورة النساء، الآية: 80.
[⁴] أخرجه الترمذي في “سننه”، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، حديث رقم (2678).
[⁵] سورة التوبة، الآية: 24.
[⁶] أخرجه الطبراني في “المعجم الكبير” (18/153).
[⁷] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حديث رقم (3653).
[⁸] سورة التوبة، الآية: 40.
[⁹] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حديث رقم (3692).
[¹⁰] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، حديث رقم (3).
[¹¹] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها رضي الله عنها، حديث رقم (3821).
[¹²] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، حديث رقم (4053).
[¹³] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب المغازي، باب قتل أبي جندل بن سهيل بن عمرو، حديث رقم (4056).
[¹⁴] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3443).
[¹⁵] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم (2731).
[¹⁶] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب الوضوء، باب المسح على الناصية والعمامة، حديث رقم (199).
[¹⁷] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3546).
[¹⁸] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الرحال في المطر، حديث رقم (516).
[¹⁹] أخرجه الحاكم في “المستدرك” (3/281) وقال: صحيح الإسناد.
[²⁰] أخرجه البيهقي في “شعب الإيمان” (2/352).
[²¹] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة، حديث رقم (1662).
[²²] أخرجه مالك في “الموطأ”، كتاب القبلة، باب ما جاء في القبلة، حديث رقم (6).
[²³] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيوت، حديث رقم (424).
[²⁴] سورة الواقعة، الآية: 10.
[²⁵] سورة الفتح، الآية: 29.
[²⁶] أخرجه أحمد في “مسنده” (20/331).
[²⁷] سورة النساء، الآية: 69.
[²⁸] أخرجه ابن حجر في “الإصابة” (4/601).
