علموهم محبة النبي ﷺ وصفاته وتوقيره واحترامه

لقد أكرم الله هذه الأمة بالإسلام، وبعث إلينا خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولقد اختاره الله سبحانه وتعالى وجعله رسولا ونبيا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأمرنا باتباعه وحبه وتوقيره والحرص على سنته ﷺ ثم أمرنا بكثرة الصلاة عليه.

فمن هنا تكون محبة رسول الله قضية أساسية، لا يتم الإيمان ولا يكمل إلا بها، بل قال بعضهم لا يصح الإيمان إلا بها، ومن هنا فواجبنا أن نقبل على هذه المحبة ونتعلمها ونعلمها لمن حولنا من المسلمين ونتفهم أن الطريق إلى كمال الإيمان هو تمام المحبة لسيدنا محمد ﷺ، ونعلم مجتمعاتنا وأسرنا وأولادنا هذه المحبة وننطلق من قضية أساسية أن المحبة تقتضي الاتباع والاقتداء، فما أروع أن نقتدي برسول الله ﷺ، وأن نهتدي بهداه وأن نسير على خطاه، فهو القدوة والأسوة لهذه الأمة، وقد احتفى سيدنا رسول الله ﷺ بمولده احتفاء يليق بهذا المولد النبوي الشريف، وعلم الأمة الإسلامية كيف تحتفي بمولده ﷺ، وذلك حين سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: “ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل علي فيه”[¹] وهذا حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه الذي أجمع أهل الحديث وعلماء الأمة على صحته، ومن هذا المنطلق فإن من ينظر بعمق في قضية الاحتفاء والاهتمام بالمولد النبوي الشريف يرى أن هذا الأمر يتفق مع هديه ﷺ عندما علمنا فقال: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي”[²].

ولا شك في أن كل ما فعله رسول الله ﷺ هو منهج لهذه الأمة – إلا ما كان خاصا به – نتبعه ونسير على هداه لأن الله علمنا أنه ﷺ هو القدوة، فقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[³] وعندما ننظر بعمق في فعل رسول الله من ناحية ذكره ليوم مولده حيث قال للصحابة الذين سألوه عن صيامه ليوم الاثنين فقال: “ذاك يوم ولدت فيه”، نجد أنه توجيه نبوي، لمن استطاع أن يصوم يوم الاثنين أن يفعل، ومن هنا فكل محب لرسول الله ﷺ لا بد أن يأخذ ما يستطيع من جوانب السيرة النبوية من أفعال وأقوال، فإذا كان رسول الله ﷺ قد احتفى بيوم مولده وصامه وأمر بصيامه في كل أسبوع شكرا لله على نعمة إيجاده، فمعنى هذا أن من واجبنا أيضا أن نهتم بيوم مولده كما اهتم هو ﷺ وسن صيامه، وقد سار الخلفاء الراشدون على منهجه، ثم الصحابة رضوان الله عليهم ثم من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فقد كانوا يستحبون صيام يوم الاثنين اقتداء بالرسول ﷺ، ويتذكرون أنه اليوم الذي ولد فيه، واليوم الذي بعث فيه، واليوم الذي هاجر فيه.

وعلى ذلك، فإننا نستطيع أن نقول إن من يصوم في يوم المولد أو يقرأ شيئا من القرآن، أو يقرأ جانبا من السيرة النبوية، أو يذكر الله ثم يصلي على رسول الله ﷺ، أو يصنع طعاما يدعو إليه أرحامه وأصدقاءه، أو الفقراء والمساكين لوجه الله تعالى، فإن هذا مشروع لأنه قائم على أصل مشروع فلا بأس في فعله ما دام لا يأتي إلا بمشروع، ولا يعمل عملا مخالفا لهديه ﷺ، وما دام لا يعمل ذلك إلا بنية التقرب إلى الله عز وجل بما يحب من الأعمال المشروعة من الصيام، أو الذكر، أو تعلم العلم، وبنية إظهار الفرح بفضل الله، ورحمته التي تمت بولادته وبعثته ﷺ، وعملا بقول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}[⁴].

فهذه هي القمة الإيمانية التي علمنا إياها رسول الله ﷺ ووجهنا إليها بقوله: “إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله”[⁵] فالإسلام الحقيقي والإيمان الحقيقي هو توحيد الله سبحانه وإخلاص العبادة كلها لله، وحب الله، وحب رسول الله ﷺ فرع من محبة الله وناتج عن ذلك، ثم الإيمان الكامل أنه يفعل ذلك بدافع المحبة لرسول الله ﷺ الحب الذي لا يكتمل إيمان المسلم إلا به، وأن يكون فوق حبه لأهله وولده والناس أجمعين، بل ونفسه التي بين جنبيه، كما أخبر بذلك بقوله: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين”[⁶].

وقال عمر رضي الله عنه: أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. قال: “لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك”. قال عمر: الآن يا رسول الله أنت أحب إلي من نفسي. قال صلى الله عليه وسلم: “الآن يا عمر”[⁷]. أي الآن آمنت.

ولا شك أن تتبع السيرة النبوية والحرص على تجسيد حياته ﷺ وجعله القدوة لنا في كل أمورنا وطاعته ﷺ هي شرط النجاح.

ومن أول مظاهر الاحتفاء برسول الله ﷺ ذكر سيرته، ونشأته وعبادته وشمائله وهجرته وجهاده وغزواته وتضحياته وكثرة الصلاة والسلام عليه لأن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا أن نصلي عليه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[⁸].

والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ هي نعمة عظمى أمتن بها الله علينا لأننا عندما نصلي عليه، يصلي الله سبحانه وتعالى علينا، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة: “من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا”[⁹] وصلاته تعالى علينا هي رحمة منه لنا، وهي خير من الدنيا وما عليها، أي يرحمه عشر رحمات كل رحمة تكفيه من ولادته لوفاته.

فلننظر هنا ببصيرة إلى عظمة قدر الصلاة على رسول الله ﷺ، عندما نصلي عليه، فتحصل لنا كل هذه الخيرات والفضائل، ويمتن الله علينا بصلاة تخرجنا من الظلمات إلى النور، وتتحقق لنا الرحمة منه عز وجل، وصدق عليه الصلاة السلام عندما قال: “يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة”[¹⁰]، فقد قال الله سبحانه وتعالى في صفته وصفة رسالته ﷺ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[¹¹] وسبحان من جعل حياته رحمة لنا، ومماته ﷺ رحمة لنا كما جاء في حديث ابن مسعود: “حياتي خير لكم.. تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم”[¹²].

والاحتفاء به ﷺ في هذه الأيام ضرورة بعد أن أصابت الأمة الإسلامية ما أصابها من فتن، وما تعرضت له من غزو فكري أول ما استهدف صرف الناس عن السنة الصحيحة، وزعزعة اعتقادهم في مكانتها بشتى ألوان الشكوك والتهم والافتراءات، وبما لحق بالأمة من نقص في محبة رسول الله ﷺ، أضف إلى ذلك ما حصل في كثير من المجتمعات الإسلامية وعلى مختلف المستويات نتيجة التأثيرات الطارئة والوافدة من نقص في محبة هذا النبي الكريم عليه وآله الصلاة والسلام.

هذا النقص أو الضعف قد ظهر جليا في ابتعاد كثير من الناشئة في بلاد المسلمين عن دينهم، وبالمقارنة بين هذا الجيل وسابقيه وبين عصر السلف يظهر الفارق جليا في الأنظار، إذ حب صاحب الرسالة يحمل على حب الرسالة والذود عنها وحملها وتبليغها، وكلما كان الحب متكاملا، والفهم السليم لمرامي الرسالة ناضجا كان التبليغ والصبر عليها والذود عنها أكثر وأشد.

إن الحب الشرعي أمر مطلوب ومفروض حتى يكون النبي ﷺ أحب إلى الفرد المسلم من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين، كما سبق في الحديث، وحتى يكون هوى المحب تبعا لما جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ولا يتم الإيمان إلا به، فقد قال ﷺ: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به”[¹³] وهذا هو ثمرة الاتباع الكامل لله عز وجل، واتباعه ﷺ هو الطريق الموصل إلى محبة الله عز وجل للعبد: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[¹⁴] فقد جعل اتباعه ﷺ هو الطريق الموصل إلى حب الله، وتلك ذروة الإيمان، أن يحبك الله وتحبه، فما أعظمها من منزلة.

أجل إن الذي يزيد هذه المحبة وينميها إنما هو التعرف على كمال ذات المحبوب، وتميزه بصفاته، وتفرده بأخلاقه، وانفراده بصفات الجمال والكمال والأخلاق.

وهكذا ندرك أهمية الاحتفاء بسيرته ﷺ واتباع سنته، وبما جاء به عن الله عز وجل، والعض عليها بالنواجذ في هذا الزمان، ولنأخذ بيد أبنائنا وبناتنا ونعلمهم المحبة الصادقة والخالصة لرسول الله ﷺ واتباعه قولا وعملا حتى تكون سيرة المصطفى ﷺ هي القدوة الحسنة لهم ويجسدون أعماله وأقواله ويسيرون على الهدى مما جاء به ﷺ.

ومن الناحية الأخرى فإن الوقوف عند الذكريات أمر فطري وطبيعي والمناسبات الإسلامية تشد المسلم إلى دينه القويم، فيزداد إيمانا وعملا بما جاء به فماذا نأخذ من ذكرى المولد من العبر والدروس؟.

إن ميلاد الرسول ﷺ مشيئة من مشيئات الله سبحانه وتعالى في هذا الكون ورحمة من رحماته إلى بني البشر، واختيار سيدنا محمد ﷺ من بني البشر ليكون خاتما للأنبياء والرسل ولتتنزل عليه رسالة هي خاتمة الرسالات، كل ذلك اصطفاء خاص لا يماثله اصطفاء آخر. فهو سيد ولد آدم أجمعين، رسول الله وحبيبه، ومصطفاه، ومختاره ومجتباه، أصل الشرف ومعدن المجد، أكرم والد وأشرف مولود وهدية الله ورحمته للعالمين، الحبيب الأعظم والنبي الأكرم، العبد الذي تشرف بكمال العبودية لمولاه، والمصطفى الذي قربه الله تعالى وأدناه ورفع مقامه فوق خلقه أجمعين، وختم به النبيين والمرسلين وأكرم أهل بيته ﷺ، فقال سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[¹⁵] وأن محبة آل البيت فرع عن محبته ﷺ، وقد قال ﷺ: “أذكركم الله في أهل بيتي.. أذكركم الله في أهل بيتي”[¹⁶].

فلقد اصطفاه الله تعالى من سلالة إبراهيم عليه السلام الذي جاء بالدين الحنيف وهو الدين الذي جاء به الرسول ﷺ من عند ربه إنه الحنيفية، قال تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[¹⁷].

وفي صحيح مسلم قال ﷺ: “إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم”[¹⁸] فهو خيار من خيار. فأشرف القوم قومه، وأشرف القبائل قبيلته، وأشرف الأفخاذ فخذه، وهو نخبة بني هاشم، وسلالة قريش، وأشرف العرب وأعزهم نفرا من قبل أبيه وأمه، وهو من أهل مكة أكرم بلاد الله تعالى على الله وعلى عباده، قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}[¹⁹].

ولقد كان العرب عموما على جانب كبير من الأخلاق الكريمة، فهم أهل الكرم والوفاء والعفة والشهامة والمروءة، والوقار والنجدة وإغاثة الملهوف وحسن الجوار.

ولقد اختص الله تعالى قريشا بجوار الكعبة المشرفة، وخدمتها وخدمة الحجاج وتيسير عليهم أمور حجهم ومعاشهم، فكانوا موضع احترام العرب جميعا وتقديرهم وحبهم والاعتراف بفضلهم.

كما اختصهم بأن جعل منهم خاتم أنبيائه ورسله، وأفضل خلقه، وأنزل كتابه الكريم بلغتهم، وجعل ذلك شرفا عظيما لهم، فقال فيهم: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}[²⁰].

كما اختصهم بسدانة البيت وسقاية الحجيج وإكرامهم لأنهم ضيوف بيته العتيق، فكان ذلك شرفا على شرف، وفضلا على فضل لم ينل مثله أحد.

ولقد اصطفاه تعالى يتيما فتوفى أبوه وهو في بطن أمه وتوفيت والدته وله من العمر ست سنوات، وتوفى جده عبد المطلب وعمره ثماني سنوات فكفله عمه أبو طالب، وتولى الله تعالى تربيته وإعداده للرسالة وأدبه فأحسن تأديبه وكان عونا له ومعينا وناصرا، ولقد امتن الله تعالى عليه بقوله سبحانه: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}[²¹].

واصطفاه فقيرا حتى لا تكون فيه صفة من صفات الثراء والأبهة وعظماء الناس والزعامات الدنيوية ثم أغناه ليتفرغ للدعوة فيما بعد فهيأ له الزواج من السيدة خديجة التي أعطته مالا فتاجر به وأعطته حنانا وسندا معنويا ليثبت في المواقف الصعبة، ولقد امتن الله عليه بقوله: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}[²²].

والذي لا شك فيه أبدا أن السيدة خديجة كانت من أجل نعم الله على رسوله، فقد هيأها الله عز وجل لتخفف عنه أعباء المهمة الصعبة والحمل الثقيل في دعوة العرب إلى الإسلام، فكانت تثبته وتواسيه وتنصره وتشد عزيمته، تبعث الأمل والرجاء في صدره حتى أدى الرسالة وبلغ الأمانة.

ولقد اصطفاه أميا حتى لا يقال بأن القرآن من عنده أو أنه تعلمه من بشر وحتى يظهر للعيان أن ما جاء به محمد ﷺ هو من عند الله. قال تعالى مخاطبا لنبيه ﷺ: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[²³]. وجعل الله تعالى هذه الأمية صفة تكريم للنبي ﷺ وامتدحه الله تعالى بها في كتابه، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ}[²⁴] وقال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[²⁵] وقد أسلم عباقرة ومستشرقون وعلماء غربيون أفذاذ عندما علموا أن محمداً ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، وقد جاء بما يدهش الألباب، فتعاليمه دساتير الحياة الكريمة، ومبادئه مبادئ الإنسانية الحقة.

ولقد اصطفاه الله تعالى من منطقة تحتوي كل الأديان لتكون رسالته ناسخة لتلك الأديان وليكون الإسلام قيما شاهدا على كل الدعوات، وليس من قبيل الصدف أن تكون ولادته ﷺ بعد حادثة الفيل بأربعين يوما لأن هذه الحادثة كانت نصرا من الله تعالى لبيته الحرام بدون سبب من الأرض، ولينتبه المشركون إلى قدرة الله تعالى ويشاهدوا آيات قدرته قبل بعثة النبي ﷺ، ولقد كان هذا النصر تكريما لميلاد النبي ﷺ الذي يحمل رسالة من رب العالمين إلى الخلق أجمعين وهو على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام.

ومن هذا الاصطفاء أن الأنبياء من قبله قد تحدثوا عن بعثته فلقد كانت ولادته تحقيقا لدعوة إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}[²⁶].

وختاما فإن من واجبنا أن نقبل على السيرة النبوية وتعلمها، وتعليمها لأولادنا، وإني لأذكر كيف كان أساتذتنا في الحرم المكي الشريف يحثون الناس على تعلم السيرة، والاهتمام بها ويرددون دائما: علموا أولادكم وأسركم جوانب من السيرة النبوية وعمقوا في أنفسهم محبة رسول الله ﷺ.

ولا شك في أن الاحتفاء بمولده وهجرته وغزواته وغير ذلك من المناسبات الإسلامية أمر يساعد الأولاد على الارتباط بالسيرة، أما الاحتفالات التي تقام في كثير من الدول الإسلامية، فهذه من الأمور التي لم تثبت عن رسول الله ﷺ، ولا عن صحابته بهذه الأشكال التي تقام الآن، وإنما الذي ثبت هو صيامه يوم مولده ﷺ، والاحتفاء والاهتمام والعناية.

وما أجمل أن نقتدي برسول الله ﷺ ونسير على هداه، فهذا أفضل ما نفعله، وهو يعلمنا ﷺ: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي”، فاللهم اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وحبب إلينا سيدنا محمد ﷺ حتى يكون حبه ﷺ مقدما على كل حب، ومفضلا عن كل حب.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،

ـ

الحواشي:

[¹] رواه مسلم

[²] رواه أبو داود والترمذي

[³] سورة الأحزاب، الآية: 21

[⁴] سورة يونس، الآية: 58

[⁵] رواه الترمذي

[⁶] رواه البخاري ومسلم

[⁷] رواه البخاري

[⁸] سورة الأحزاب، الآية: 56

[⁹] رواه مسلم

[¹⁰] رواه البيهقي

[¹¹] سورة الأنبياء، الآية: 107

[¹²] رواه البزار

[¹³] رواه النووي في الأربعين

[¹⁴] سورة آل عمران، الآية: 31

[¹⁵] سورة الأحزاب، الآية: 33

[¹⁶] رواه مسلم

[¹⁷] سورة آل عمران، الآية: 95

[¹⁸] رواه مسلم

[¹⁹] سورة الأنعام، الآية: 124

[²⁰] سورة الزخرف، الآية: 44

[²¹] سورة الضحى، الآية: 6

[²²] سورة الضحى، الآية: 8

[²³] سورة الشورى، الآيات: 52-53

[²⁴] سورة الأعراف، الآية: 157

[²⁵] سورة الأعراف، الآية: 158

[²⁶] سورة البقرة، الآية: 129