يسأل بعض العقلاء: من أين يبدأ الحب لرسول الله ﷺ؟ وكيف نحبه؟ والحقيقة أن الحب لهذا النبي الكريم والرسول العظيم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، والإيمان به وتوقيره واحترامه والسير على هداه، والصلاة والسلام عليه؛ قد أمرنا به الله لأن الله سبحانه وتعالى قد صلى عليه، وعلمنا أنه سيد ولد آدم، وإنه المبعوث رحمة للعالمين، وإنه صاحب الشفاعة يوم القيامة، وخاتم الرسل الكرام، وإنه شاهد الشاهدين، وخير الخلق أجمعين، وأنه سيد الأولين والآخرين، الشافع المشفع، وصاحب اللواء، وصاحب المقام المحمود، وإنه قد شهد له الله إنه على خلق عظيم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، وهو عليه الصلاة والسلام أول من يبعث، وأول من يقرع باب الجنة، وأول من يسير على الصراط، وأول من يدخل الجنة.
ولهذا فالحب الحقيقي يبدأ بالإيمان به، الإيمان الكامل الذي يستقر في القلب، ويشعر الإنسان أنه يحب المصطفى بعقله وقلبه، حتى يكون هذا النبي العظيم أحب إلى الإنسان من نفسه وماله وولده ونفسه التي بين جنبيه. وأساس هذا الإيمان الاعتقاد الجازم بأنه رسول الله ونبيه ومصطفاه من خلقه، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين.
ثم تبدأ الخطوة العملية الهامة وهي اتباع هذا النبي والسير على خطاه، والحرص على تطبيق سنته، لأن الله من فوق سبع سموات أمرنا وعلمنا بأن طاعة الرسول ﷺ من طاعته، فجاءت الآية صريحة: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].
والمنطلق الآخر هو أن نعنى بهذه السنة النبوية ونعلمها لأولادنا وأهلنا وتلاميذنا ومن حولنا، نعلمهم حب الله عز وجل، ثم محبة رسول الله ﷺ ومحبة الصحابة الكرام، وسبحان الله الذي جعل محبته عز وجل تتركز وتبدأ وتنطلق من طاعة هذا الرسول واتباعه.
وكم أتمنى أن نجلس إلى أبنائنا وبناتنا نعلمهم السيرة النبوية العطرة، وليت الأساتذة في مدارسهم يفعلون ذلك، فيجتمع الأساتذة بالطلاب، ويلقون عليهم دروساً في السيرة في أيام نسميها أيام الأسرة النبوية، ونخصصها لهذا الهدف النبيل، وذلك: “لربط أبنائنا بسيرة نبينا ﷺ وتعريفهم على تاريخ حياته، منذ كان جنيناً مباركاً في بطن أمه إلى أن وضعته، (وقع على الأرض معتمداً بيديه شبه الساجد) وقد استنار البيت من حوله، وغمره الأنس والجمال، إلى أن أُستُرضع في بادية بني سعد حيث شُق صدره، إلى أن ذاق مرارة اليتم فلم ير أباً يرعاه، ثم فقد أمه طفلاً لم يتجاوز السادسة من عمره الطري، ثم مات جده وهو ابن ثمان، وما كان من نشأته طاهراً مطهراً لا يسجد لصنم، ولا ينضم إلى مجلس لهو أو عبث، ثم إقرار قريش بتفرده في مكارم الأخلاق، وتسميته بالصادق الأمين، وما كان من خروجه في تجارة خديجة، والمعجزات التي رآها ميسرة والقوم في الطريق ذهاباً وإياباً، وكيفية تعامله ﷺ مع التجار في السوق، ثم زواجه من خديجة سيدة نساء قريش، التي اختارته وفضلته على سادات مكة جميعاً، وإنجابه البنات في بيئة تكره البنات وتئدهن، وكيف استقبلهن اسوة بإستقباله القاسم وعبد الله الطيب الطاهر، وأثر هذا كله في قريش الوثنية الممعنة في الغي والضلال والشرك، ثم ما كان بعد ذلك من وقوع الخلاف بين القبائل القرشية حول وضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة المشرفة بعد إعادة بنائها، وكيف وصل الأمر بهذه القبائل أن شحذت السيوف، ولعقت الدماء، وتأهبت لينقض بعضها على بعض فلم ينقذهم إلا حكمه الصادق الأمين، وحسن مشورته، وسداد رأيه.
يجب أن يعرف أبناؤنا هذا الجانب من تلك الحياة المتألقة بأنوار العظمة، وهو الجانب الذي كان في الجاهلية وقبل بعثته ﷺ برسالة الإسلام، تمهيداً لدراسة الجوانب الأخرى التي كانت في الإسلام، ولتكن البداية منذ بدأ ﷺ العزلة والتحنث والتعبد في غار حراء، وكيف كان حاله وحال زوجه وأولاده وأهله حين ذاك. ثم يتعرف الأبناء إلى الوقت الذي نُبّئ فيه، وكيف نزل عليه جبريل بالوحي ليقول {اقْرَأْ} ثم يكررها ثم يقول {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، فيستخلص أبناؤنا من هذا أن دينهم دين العلم والمعرفة، وأن افتتاح الرسالة بكلمة {اقْرَأْ} يعني التأكيد على اقتران العلم بالدين، وبيان أن العلم أساس لمعرفة الله سبحانه وتعالى، وأن هذه المعرفة بدورها هي رأس المعرفة، وهي التي تقوي الإيمان، وتثبته في القلوب، وهي التي يصنع بها المؤمنون المعجزات في مختلف المجالات.
ولا بد أن يعرف أبناؤنا أنه ﷺ كان صفوة المصطفين، وخاتم المرسلين، وليستمع أبناؤنا إلى الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وما ذكره الرواة والمحدثون عنه ﷺ.
عن ابن عباس: أنه كان نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق الله ذلك النور في صلب آدم، فقال رسول الله ﷺ: “فأهبطني الله على الأرض في صلب آدم، ثم في صلب إبراهيم، ثم لم يزل الله تعالى ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة، حتى أخرجني من أبوين لم يلتقيا على سفاح قط”.(1)
وأن الإمام مسلم روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: “إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم”.(2)
وليعرف أبناؤنا كذلك أن علماء الأنساب وكتاب السيرة النبوية أجمعوا على أنه ﷺ من ولد إسماعيل بن إبراهيم، والذين تميزوا بالكرم والفضل وحسن الخلق والشجاعة والإقدام، والذين كانوا بواقع أعمالهم وصريح نسبهم من الخيار. فيثبت في نفوس أبنائنا رفيع نسبه ﷺ، وشريف أصله، وكريم منبته، وأنه حق وصدق ما قاله عن نفسه: “فلم أزل خياراً من خيار”.(3) وليحفظ أبناؤنا سلسلة ما عُرف من آبائه وأجداده: فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وأمه سيدة بني زهرة: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، حيث يجتمع نسبها بنسبه النسب الشريف العريق بفهر، وهو النسب الأصلي الذي لم يجتمع لأحد قبله ولا بعده. عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ قال: “وآدم بين الروح والجسد”.(4)
وقد قال أحد الشعراء:
سبقت نبوته وآدم طينة فله الفخار على جميع الناس
سبحانه من خص النبي محمداً بفضائل تتلى بغير قياس
وإذا تساءل أبناؤنا: متى وكيف عُرف بالصدق والأمانة؟ نقول لهم: لقد عُرف بالصدق منذ وعى إلى أن قبضه الله تعالى إليه، وكذلك عُرف بالأمانة والعفة، ويكفي أن نعرف أن قريشاً كلها قد أجمعت على صدقه وأمانته وعفته، وهي التي أطلقت عليه اسم الصادق الأمين. ولا بد أن يعرف أبناؤنا أنه الرحمة المهداة للعالمين حقاً وفعلاً، ويكفي لذلك أن نسمعهم الآيات الكريمة التي جاءت في القرآن، مثل قول الله تعالى له {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وهو سبحانه الذي زكاه لقومه فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]. ومن أسمائه ﷺ: (نبي الرحمة)، (رسول الرحمة)، وهو (الرحمة المهداة)، وقد روى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إنما أنا رحمة مهداة” (5) كما رواه الطبري بلفظ “بعثت رحمة مهداة” (6). ويذكر الشيخ أبو زهرة في كتابه (خاتم النبيين) أن رحمته كانت عنده ذات أثر عام، وللخلق كافة، ويذكر أن بعض أصحابه قالوا: يا رسول الله أكثرت من ذكر الرحمة ونحن نرحم أزواجنا وذرياتنا. فقال رسول الله ﷺ: “ما هذا أريد، إنما أريد الرحمة بالكافة”.(7)
ولا بد لأبنائنا أن يعرفوا أنه خير من آمن وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين، وكيف كان ذلك، اجعلوهم يستمعون لكم وأنتم تقصون عليهم قصة أعظم كفاح، لأعظم وأنبل نبي ورسول، دعوهم يطلعون على ما عاناه ﷺ وهو ينشر دعوته بين قوم، ران الجهل على قلوبهم، فأعمى أفئدتهم، واستبدت الوثنية بعقولهم فطمست على بصائرهم وبصيرتهم، قولوا لهم: إنه ﷺ بدأ الدعوة إلى سبيل ربه بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وجادل قومه بالتي هي أحسن، ولم يكن فظاً ولا غليظ القلب ولا عاتياً ولا متكبراً، بل كان فيه اللطف واللين، والحلم والصبر، والتواضع والشهامة والمروءة، وقد حاول هداية قومه بكل الوسائل ، ولم يستعمل السيف إلا بعد أن عُذّب وأتباعه، وظُلم وأتباعه على أيدي صناديد قريش ومشركيها الذين نهبوا المال، وعذبوا الأجساد، واستباحوا الحرمات، وقتلوا النساء والأطفال، وآخر الأمر اضطرهم للهجرة إلى الحبشة، وترك الأهل والأوطان، ثم كانت الهجرة إلى المدينة! فأذن الله لهم بالقتال كما قال سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]. وذلك بعد أن أمعنت قريش في ضلالها وتوغلت في عنادها وكفرها، فخرج من مكة مهاجراً بدينه إلى يثرب، التي أصبحت المدينة المنورة بوجوده في ربوعها.
وهناك حطم معاقل الوثنية، ونشر الإسلام وأقام رسالة التوحيد، وعندما غدر به اليهود الضالون الآثمون وخانوا العهود، أدبهم بالسيف وطهر المدينة منهم، ثم أقام فيها الدولة الإسلامية الكبرى، وجعلها منارة للهدى، ومركزاً لإشعاع أنوار الدين الحق إلى كل بقعة من بقاع الأرض، وقد ظل يجاهد في سبيل نشر الإسلام وازدهاره، حتى آخر لحظة من لحظات حياته المباركة، وقد وافاه الأجل وهو يجهز جيش أسامة المتجه إلى بلاد الروم. ولا بد لأبنائنا أن يعرفوا أنه ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهذا ما قرره الله تعالى بقوله: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]. ولا بد لأبنائنا أيضاً أن يعرفوا معنى هذه الآيات، فاشرحوها لهم، وبينوا لهم كيف كان حريصاً على صالح الإنسانية، مضحياً في سبيل نصحها ونجاتها من عذاب الدنيا والآخرة، واذكروا لهم ذلك الحديث الشريف الذي يصور فيه موقفه من قومه إذ يقول: “مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي”.(8) دعوا هذه الصورة المعبرة غاية التعبير تستقر في أذهان الناشئين والناشئات، فإن لهم فيها وقاية وحماية، وهي حصنهم الحصين إذا ما اقترب أحدهم من هاوية فساد، أو هم بأن يقترف ما يعاقب عليه الله في الدنيا والآخرة. اغرسوا في قلوب الأبناء والبنات محبة رسول الله ﷺ ومحبة آل بيته الطاهرين الطيبين، واذكروا لهم قوله: “من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله” (9)، وذكروهم أن كل ما تنعم به البشرية اليوم من عقيدة صحيحة سليمة، وشريعة كاملة شاملة عادلة، تحقق للإنسان الأمن والسلام والحياة الكريمة، يرجع الفضل فيها إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليه.
لقد فرض الإسلام حب الرسول على الناس وأوجبه بقوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]، وجعل اتباعه شرط محبته فقال: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
قال القاضي عياض في تفسير الآية الأولى: (كفى بها حضاً وتنبهاً ودلالة وحجة على إلزام محبته وفرضها، وعظم خطرها واستحقاقه ﷺ لها، إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24]، ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله، فلا يصدق إيمان المؤمن، ولا يذوق حلاوته ويجد بين جوانحه روعته حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).(10)
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار”.(11)
وقال عمرو بن العاص: (ما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، حتى لو قيل لي: صفه، ما استطعت أن أصفه).(12)
وتعتبر قصة زيد بن الدثنة من أروع القصص في محبة المسلمين لرسول الله ﷺ، وقد رواها البيهقي عن عروة قال: لما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه، وكان قد أُسر يوم الرجيع، وقال له أبو سفيان بن حرب ـ وهو مشرك يومئذ ـ أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمداً في مكانه الذي هو فيه الآن مقيم تصيبه الشوكة، وأني لجالس في أهلي سالم من الأذى. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً من الناس يحب أحداً كحب أصحاب محمد لمحمد.(13)
كذلك قصة عبد الله بن زيد رضي الله عنه الذي جاءه ولده بخبر وفاة النبي ﷺ فصاح مبتهلاً: اللهم أذهب بصري حتى لا أرى بعد حبيبي محمد أحداً، فاستجاب الله لدعوته وكف بصره.(14)
وإذا كان الإسلام قد فرض محبة الرسول ﷺ على المسلمين فذلك لحكمة بالغة، فمعنى المحبة هو الطاعة، وطاعة المسلم للرسول تجعله على الجادة دائماً، وتجعل الشريعة والسنة هي الطريق التي يسير عليها، وتجعله في الوقت ذاته يترسم خطوات حبيبه ويقتدي به، ويحسن الأسوة، والله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 21].
والرسول الكريم يقول: “من أحب قوماً حشر معهم” (15)، وفي رواية: “من أحب قوماً حشره الله في زمرتهم” (16)، ويقول: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ” (17).
وسنة رسول الله ﷺ تأتي بعد القرآن الكريم في المنزلة، وقد جاءت لتفسر الآيات، وتبين الأحكام، وتوضح الهدف منها، فبعض آيات القرآن نزلت مجملة، وبعضها نزلت عامة، وبعضها نزلت مطلقة، والأحاديث الشريفة هي التي بينت وحددت للناس المقصود والمراد الإلهي، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، فهو سبحانه قد أمر بالصلاة والزكاة مجملة، وكذلك بعض العقوبات الخاصة بالزاني والسارق وشارب الخمر، وسنة الرسول ﷺ هي التي تولت شرح معنى الصلاة وأوقاتها وكيفيتها، وكذلك الزكاة، وهي التي بينت الحد فيما يختص بتلك العقوبات.
وهو جل جلاله يأمرنا باتباع الرسول ﷺ، وتنفيذ أوامره، وعدم مخالفتها في قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، وفي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]. عرفوا أولادكم أنه ﷺ كان بشراً، ولكن بشراً يوحى إليه، وقد صنعه ربه على عينه، وأحاطه برعايته ولطفه ورحمته، وجمع فيه رفيع الأخلاق، وكريم الخصال.
هذا هو رسول الله ﷺ، وهذه لمحات من حياته، وهذا هو الطريق إلى حبه الذي يبدأ بطاعته واتباع شريعته والسير على سنته حتى يكون عليه الصلاة والسلام هو الأسوة والقدوة لكل مسلم، ولنا في صحابة رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، فقد تعلمنا منهم كيف يكون الحب لرسول الله ﷺ وكيف يكون الاتباع، فجزاهم الله عنا خير الجزاء، وكذلك فعل التابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الحواشي :
(1) حديث ابن عباس: أخرجه أبو نعيم في “دلائل النبوة” (1/8)، والطبراني في “المعجم الكبير” (11/161)، والبيهقي في “دلائل النبوة” (1/83)، وابن عساكر في “تاريخ دمشق” (3/210)، وقال الحافظ العراقي: له طرق.
(2) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ (2276).
(3) رواه البيهقي في “دلائل النبوة” (1/120)، والحاكم في “المستدرك” (2/600) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وورد بمعناه في أحاديث عدة.
(4) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب اثبات نبوة نبينا ﷺ (2652) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) رواه الحاكم في “المستدرك” (2/595) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(6) رواه الطبري في “تاريخ الرسل والملوك” (2/65) بلفظ: “بعثت رحمة مهداة”.
(7) نقلاً عن الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه “خاتم النبيين” (ص: 45-46) دار الفكر العربي، دون إسناد.
(8) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة النار وأنها مخلوقة (6483) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ورواه مسلم برقم (2285).
(9) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب قول الرجل أحبك في الله (6042) عن أبي ذر رضي الله عنه، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي.
(10) نقلاً عن القاضي عياض في كتابه “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” (2/33-34) تحقيق علي محمد البجاوي، دار الكتب العلمية.
(11) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان (16)، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (43) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(12) رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عمرو بن العاص رضي الله عنه (2476).
(13) أخرجه البيهقي في “دلائل النبوة” (3/216)، وابن هشام في “السيرة النبوية” (2/95-96)، وابن حبان في “الثقات” (3/215)، ورواه ابن سعد في “الطبقات” (2/55).
(14) نقلاً عن ابن سعد في “الطبقات الكبرى” (3/525-526)، وابن الأثير في “أسد الغابة” (3/526) في ترجمة عبد الله بن زيد الأنصاري.
(15) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله (6169) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ورواه مسلم برقم (2631).
(16) رواه ابن حبان في صحيحه (رقم 574)، وأبو يعلى (رقم 7302)، والحاكم في “المستدرك” (1/81) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(17) رواه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب لزوم السنة (4607)، والترمذي في سننه، كتاب العلم، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدع (2676)، وابن ماجه في سننه، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (42)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
