تحول الكبرياء والغرْسة دون رؤية صاحبهما للحقيقة، وتحجب عنه
الرؤيا، وتمنعه من اتباع الحق، بل وقد تأخذ بيده نحو الهلاك لمجرد العناد
والمكابرة، فلا هو بقادر على رؤية الحق حقًّا، ولا هو بمتبعه، ولذلك كان
من خير الدعاء: (اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا
وارزقنا اجتنابه).
وقصة الكبر والتكبر والاستكبار بالنسبة للإنسان قديمة قدم يوم خلقه، فهي
تبدأ يوم أمر الله سبحانه وتعالى الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السلام
:﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ* قَالَ
يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ *
قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ
رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [١].
وقد عرف إبليس حجم هذه الخطيئة وخطرها فأغرى بها الإنسان، غريمه،
ولا يزال يغريه وسيظل إلى يوم يبعثون، فقد أقسم بعزة الله قائلًا: فبعزتك
لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين[٢].
لذلك حذر الله من الكبرياء والغرْسة: “الكبرياء ردائي فمن تردى به
قصمته”[٣].
وهذه صناديد قريش التي شهد لها العرب بالحكمة والعقل، والقيادة في
الرأي، حالت الكبرياء والغرْسة دونهم ودون رؤية الحقيقة، فرغم معرفتهم
بصدقه وأمانته، فقد كذبوه وعادوه وحاربوه وآثروا الغواية على الهدى،
والضلال على الهدى، والفساد على الصلاح، وأنكروا الحق وهم له
عارفون.
واستمروا في التكبر والغرْسة والعناد حتى أوردتهم موارد الهلاك، كانوا
يعرفون عظمة محمد ﷺ خلقًا وأصلًا ونسبًا واستقامةً، وكانوا يدركون أنه
لا يوزن به رجل من قريش إلا رجح برًّا وفضلًا ونبلًا، فهو من ذرية
إبراهيم وزرع إسماعيل وعنصر مضر، وأهله حضنة بيت الله وسُوّاس
حرمه، ومع ذلك أعمتهم الكبرياء والغرْسة عن رؤية الحقيقة، وظلوا على
أصنامهم عاكفين، وكان ما يقلقهم أن النبوة جاءت في شخصية محمد ﷺ ،
وأن القرآن قد أنزل عليه، وكانوا يودون أن لو أنزل على رجل من
القريتين عظيم. وهكذا رأوا العظمة بمقاييسهم ومعاييرهم، وكذلك سوّلت
لهم أنفسهم التي امتلأت حسدًا وكبرياءً واستعلاءً وغرْسةً: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا
نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [٥].
روى البيهقي بالسند عن أبي إسحاق قال: مر النبي ﷺ على أبي جهل وأبي
سفيان، وهما جالسان، فقال أبو جهل: هذا نبيكم يا بني عبد شمس. قال أبو
سفيان: وتعجب أن يكون منا نبي؟ فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل. فقال
أبو جهل: أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيًّا، ورسول الله ﷺ يسمع،
فأتاهما فقال: ((أما أنت يا أبا سفيان، فما لله ورسوله غضبت، ولكن حميت
للأصل، وأما أنت يا أبا الحكم، فو الله لتضحكن قليلًا ولتبكين كثيرًا)).
فقال: بئسما تعدني يا ابن أخي من نبوتك؟ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوًا
أهذا الذي بعث الله رسولًا[٦].
كانوا يرونه ﷺ يجلس إلى أصحابه من المستضعفين في المسجد، أمثال
صهيب وعمار وخباب وأبي فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية، فتأبى
أنفسهم المتكبرة أن تؤمن بأن هؤلاء قد منّ الله عليهم بالهدى، ولهذا كان
سؤالهم: ﴿ أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ﴾ [٧]. وهكذا سوّلت لهم أنفسهم
أن الرسالة والهدى لا تنزل إلا على أغنياء أو عظماء بمعاييرهم، ودفعهم
ذلك إلى تكذيبه، وهم يعرفون صدقه.
روى الإمام أحمد بسنده عن العباس قال: لما أنزل الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ
الْأَقْرَبِينَ﴾ [٨]، أتى النبي ﷺ الصفا فصعد عليه، ثم نادى: يا صباحاه،
فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال
رسول الله ﷺ: يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني كعب، أرأيتم لو
أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا:
نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب لعنه الله: تبًّا
لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي
لَهَبٍ﴾ [٩][١٠].
ولا جدال في أن أبا الحكم عمرو بن هشام، أبا جهل، كما سماه المسلمون،
كان أعنف وأحمق معارضي رسول الله ﷺ، فقد ركب الشيطان رأسه،
ووضع على عينيه غشاوة من الكبرياء، فعمي عن رؤية الحقيقة، وعندما
سأله أصحابه عن رأيه بعد أن سمع القرآن سرًّا، قال حانقًا: “لقد تنازعنا
وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، حملوا فحملنا، أعطوا فأعطينا،
حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي
من السماء، فمتى ندرك مثل هذا؟ ولات لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه
أبدًا”[١١]. وهكذا رفض الحق تكبرًا واستعلاءً ومفاخرةً، وطلب جاه.
يأتي بعد أبي جهل، على سلم الكبر والتكبر والعجرفة والاستكبار والغرور
ومعاداة الإسلام والاجتهاد في إيذاء الرسول ﷺ وإيذاء أصحابه، النضر بن
الحارث، أو شيطان قريش، كما كانوا يسمونه.
يقول ابن هشام في “السيرة”[١٢]: وكان النضر قد سافر إلى الحيرة وتعلم
بها أحاديث ملوك فارس وأساطير رستم وأسفنديار، فكان إذا جلس رسول
الله ﷺ مجلسًا فذكر الله وحذر أصحابه ما أصاب الأمم من قبلهم من نقمة،
خلفه النضر في مجلسه ثم قال: “أنا والله يا معشر قريش أحسن منه حديثًا،
فهلم إلي أحدثكم عن ملوك فارس وأروي لكم أخبار رستم وأسفنديار”. ثم
يقول: “بماذا محمد أحسن حديثًا مني؟”.
وقال ابن إسحاق: كان العباس رضي الله عنهما يقول: فيما بلغني نزل فيه
ثمان آيات من القرآن مختتمة يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ
أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [١٣].
كان محمد ﷺ المثل للكمال الإنساني في أبدع صوره، والتكوين البشري
في أجمل أوضاعه، وكيف لا وقد اختاره العليم الخبير ليكون خاتم الأنبياء
والمرسلين، وحامل الرسالة الأخيرة إلى الناس كافةً، وقد أرسله إلى الدنيا
بشيرًا ونذيرًا وهاديًا ومرشدًا وسراجًا منيرًا وداعيًا إلى الله بالحق، وجعله
رحمةً للعالمين وشفيعًا يوم الدين، ثم قال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[١٤].
ولقد شاء الله جل جلاله أن ينتصر الحق على الباطل ويدمغه فإذا هو
زاهق. كل أولئك الذين تكبروا، والذين كذبوا، والذين تعالوا، والذين
رفضوا نبوة هذا النبي الكريم، لمجرد الكبرياء والغرْسة، شاء الله أن
ينصره عليهم ويؤيده، وشاء سبحانه أن يلقي هؤلاء مصارعهم، وهم في
قمة كبريائهم، فقد هلك أبو جهل يوم بدر، وكذلك هلك النضر بن الحارث
وغيرهما من سادة قريش المتكبرين الطغاة المتغطرسين.
وما أروعها من صورة أن يقف رسول الله ﷺ بعد انتصار المسلمين في
بدر، على القليب مخاطبًا جثث القتلى قائلًا: ((يا أهل القليب، بئس عشيرة
كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس،
وقاتلتموني ونصرني الناس، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا، فإني وجدت
ما وعدني ربي حقًّا)). فقال الحاضرون: “يا رسول الله أتنادي قومًا قد
جيفوا؟” فقال عليه أزكى الصلاة والسلام: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم،
ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا))[١٥].
وهكذا نالوا جزاء تكبرهم وغرورهم، وحصدوا نتائج صلفهم وغطرستهم،
مع أن القرآن نزل بلغتهم وفي بلدهم، ولو قدروا هذا المعنى الجليل لما
تكبروا ولا اغتروا أو تغطرسوا، ولكنهم فعلوا ما فعله الشيطان يوم أمره
الله سبحانه وتعالى بالسجود لآدم، فأبى واستكبر وقال: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾.
ليت شعري، هل نتعلم أن نتواضع، وأن نعلم أبناءنا حب التواضع،
ونعرفهم أن من تواضع لله رفعه؟
الْهَوَامِش:
[١] سورة ص: الآيات 73-78.
[٢] سورة ص: الآية 82-83.
[٣] أخرجه أبو داود في “سننه”، كتاب اللباس، باب في لبس الثياب
(4089)، وصححه الألباني.
[٥] سورة الزخرف: الآية 31.
[٦] أخرجه البيهقي في “دلائل النبوة” (2/ 192).
[٧] انظر: سورة الأنعام: الآية 53.
[٨] سورة الشعراء: الآية 214.
[٩] سورة المسد: الآية 1.
[١٠] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب التفسير، باب سورة تبت
(4974)، ومسلم في “صحيحه”، كتاب الإيمان (203).
[١١] انظر: “السيرة النبوية” لابن هشام (1/ 370).
[١٢] “السيرة النبوية” لابن هشام (1/ 298).
[١٣] سورة القلم: الآية 15.
[١٤] سورة القلم: الآية 4.
[١٥] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل
