إنَّ مَن يتابع بعض الحوارات التي تجري في أيامنا هذه حول المرأة، وخاصة في
دول الخليج العربي وفي بعض البلاد العربية، يحسُّ أن هناك فئات تتكلم بصورة
غريبة، وكأن المرأة ليس لها أي حق في عمل شريف تقتات منه أو تَكْتَسِبُ، وفئات
أخرى تريدها غربيةً وغريبةً عن بيئتها وأمتها ومجتمعها مع أننا أمة أكرمها الله
بالإسلام الذي هو منهج العليم الحكيم { الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى }¹،
والذي بُني على احترام الإنسان والحفاظ على كرامته، والإسلام جعل حقوقها
واضحة، والتزاماتها بينة، ولو أننا أقمنا هذا المنهج في حياتنا لما قام بيننا صراع
ولا خلاف بشأن عمل المرأة وإعطائها حقوقها، وما تطاول متطاول على شريعتنا
ومناهجنا، ولسارت أمورنا على هدى من الله، ومن أحسن من الله حُكْمًا لقوم
يوقنون.
ومن هنا فلابد من نظرة عميقة إلى وضع المرأة في بلادنا حتى تعرف ما لها وما
عليها، وأن يعرف الناس حقوقها، ليعلم العالم من حولنا أننا أمة تكرم الأم والزوجة
والأخت والبنت وكل امرأة ونعطيها حقوقها دون نقص بل باحترام وتقدير حتى إن
الإسلام قد خصها بأدوار تقوم بها أُؤتُمِنَت عليها (أكثر من الرجل)، لأنها متصلة
بطبيعتها ومختصة بقدراتها وإمكاناتها، وهي في أدائها وإتقانها خير من الرجل
وأقوى..
نحن نقف على أعتاب قرن جديد ولهذا فمن واجبنا أن نستفيد من كل إمكاناتنا
وطاقاتنا وأن لا نهدرها، وأن نأخذ في اعتبارنا أن المرأة نصف المجتمع، وأن لهذا
النصف دوره الفعال، وقدراته الكبيرة التي تسهم في تقدم أمتنا وأن نخطط بكل
مسئولية وأمانة ونظرة مستقبلية للاستفادة من طاقات النساء لأنهن نصف المجتمع،
فهناك الآلاف من بناتنا يتخرجن كل عام من الجامعات، ومئات الآلاف يتوزعن في
مراحل التعليم المختلفة، وتمتَلِئُ المنازل بهذه البراعم التي تشكل نصف المجتمع
وهو نصف يكاد يكون مُعَطَّلاً بسببنا، ولكن يبقى السؤال المهم دائما: ماذا عملنا
لهؤلاء البنات؟؟ وإلى أي مدى خططنا لاستيعابهن بطريقة صحيحة تحقق الهدف
الأسمى الذي نسعى إليه جميعًا من وضع المرأة في مكانها الصحيح، والاستفادة من
طاقاتها بطريقة صحيحة، وإعطائها حقها كاملاً في الحياة الكريمة، وإعطائها
الفرصة الصحيحة لخدمة بلادها وأمتها، وعلى أساس أن نعطيها ما أعطاها الله
تعالى من الحقوق، ومن منطلق أن المجتمع يتكون من الذكر والأنثى، وأن لكل فئة
حقوقها، ولكل فئة دورها، وأن من الواجب أن نلتفت لقضايا هذا الشق الهام من
المجتمع الذي بدونه لا تكتمل صورته المثلى، ولا تتحقق أهدافه العليا إلا بإنصافها.
لذلك ونحن نتطلع إلى القرن القادم لا بد أن نهتم بصورة أكبر بحقوق المرأة، ولا بد
أن نعطيها هذه الحقوق كاملة كاملة غير منقوصة، وأن نعطيها الفرصة للمساهمة
بأدوارها الإيجابية، خصوصًا بعد أن تعلمت وتأهلت وأصبحت قادرة على العطاء،
ولا بد من توسيع مجالات عملها في إطار المنهج الإسلامي والسياسة الشرعية
وبانطلاقة واعية تسمح لها بالمشاركة في خدمة بلادها وأوطانها وأمتها وسوف يتيح
لها ذلك أن تكسب رزقها بصورة شريفة، وأن تحسن التصرف بهذا الرزق بما يعود
عليها وعلى أسرتها وأمتها بالتقدم والرخاء والازدهار فالقرن القادم يحتاج منا إلى
تضافر الجهود وتجميع الطاقات، والتحرك نحو الأهداف برؤية واضحة، وخطط
سليمة، وطاقات مؤهلة وفاعلة، حتى نحقق أهدافنا ونتبوأ مكانتنا المرموقة
المحترمة. ولا بد أن ننطلق من نفس المنطلق الذي بينه لنا ربنا، وهو أن نعمل
جميعًا ما يصلح به ديننا ودنيانا، ولكل من الذكر والأنثى في ذلك دوره ومسؤوليته
التي يبينها الله بقوله تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا }² وبقوله تعالى: { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي
لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ }³ وفي هذا بيان
واضح أن للمرأة حقوقها وواجباتها وأدوارها التي تقوم بها، وأن على المجتمع أن
يعطيها هذه الأدوار والحقوق، وأن يسلم لها بها، ولا ينازعها فيها، سواء كانت
حقوقًا هامة يستوي فيها الرجل والمرأة، أو حقوقًا خاصة لا يسد مسدها غيرها،
وبذلك تصبح القضية واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، فكما أن لليل وظيفة،
وللنهار وظيفة، فإن للمرأة وظيفة وللرجل وظيفة، ويجب ألا يطغى ولا يستأثر
أحدهما بعمل الآخر، ولا يظلمه ولا يحقره ولا يَهْضِمَه من حقوقه شيئًا لأن النساء
شقائق الرجال.
أصبحت قضية عمل المرأة في هذا العصر قضية مهمة وضرورية، ومن الواجب
في رأيي أن يعالج هذا الموضوع بصورة جدية وواقعية، وأن نتحمل مسئولياتنا أمام
الله عز وجل، وألا نغمض أعيننا أمام ما يجري في المجتمع، وأن نتلمس حاجة
المرأة للعمل، وأن نبحث عن الطرق الصحيحة لعملها، فما دامت قد تعلمت،
وتخرجت، فمن الواجب أن نعطيها الحق في أن تعمل وتكسب رزقها بعرق جبينها
وفق منهج الله من غير إفراط ولا تفريط.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الحواشي:
¹ القرآن الكريم، سورة طه، الآية: 50.
² القرآن الكريم، سورة النساء، الآية: 124.
³ القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية: 195.
