التقاعد قضية تستحق الاهتمام

إنني ممن يعتقد بأهمية العناية بالمتقاعدين ورعايتهم، ولا تكفي مسألة المخصصات
العادية ولا التأمينات العابرة، بل لا بد من التصرف في هذه المسألة والاستفادة من
خبرات الدول الأخرى في رعاية المتقاعدين والعناية بهم والاستفادة منهم من ناحية،
وإشعارهم بأن الوطن يكرمهم ويعتز بما قدموه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هنالك الكثير من المشاكل التي تمر بهم،
ويشعر الفرد منهم بأنه بحاجة إلى من يأخذ بيده ليعينه، وهذا من الممكن أن يتم
خلال جمعيات تعاونية أو جمعيات خيرية أو نحو ذلك، أو مراكز تخصص في
جهاز الخدمة المدنية لهذه الأهداف، وكذلك أهداف الاستفادة من خبراتهم. وقد
تحدثت في الأسبوع الماضي عن لقائي مع الإخوة في الخطوط السعودية في ناديهم
الثقافي، وقد سرني أثناء هذا الاجتماع أنهم قدموا محاضرة ودراسة مكتوبة للأخ
الأستاذ/ عبد العزيز بن علي الغريب الكثيري، والذي يعد رسالة في علم اجتماع
الشيخوخة. وقد سرتني المطالعات التي قدمها في الأوراق التي وزعت لنا؛ لأن
البحث كان جميلاً في تعريف التقاعد على أنه مرحلة أساسية وحتمية يمر بها
الإنسان طال الزمن أم قصر، وأن الإنسان يجب أن لا يعتبرها أزمة يمر بها، لكنها
فترة تستحق الوقوف عندها والاستعداد لها. وتعريفه بأن الشيخوخة ليست مسألة
عمر معين أو خصائص ثابتة، فبعض الشيوخ يكون في ذروة الإنتاجية وهو في سن
السبعين، وبعض الشباب يشيخ وهو ما يزال في سن الشباب. والتطورات الحديثة لم
تجعل عامل السن هو العامل الوحيد، فقد أصبحت العناية الصحية والتطورات

الطبية تهيئ الإنسان لعمر أفضل، متى استطاع أن يحافظ على صحته، ويحافظ على
طعامه، ويحافظ على ممارساته الرياضية وغيرها، فإنه يستطيع أن يبلغ سناً متقدماً
ويكون بصحة جيدة.
وقطعاً النظرة العلمية للتقاعد أنه حتمية وضرورة؛ لأنه إذا لم يتقاعد مجموعة من
الموظفين لن يجد مجموع الشباب فرصة للعمل.
ويلاحظ أن اهتمام العالم العربي بالمتقاعدين يقتصر على توفير معاش شهري
للمتقاعد (عن طريق راتب تقاعدي) أو تأمين أو نحو ذلك، ولكن نادراً ما تجد أندية
متخصصة تعنى بالمتقاعدين حال تقاعدهم، وتوفر لهم الفرص لقضاء أوقاتهم فيما
يفيدهم ويوفر لهم المتعة، وتسعى للاستفادة من خبراتهم من ناحية، والاستفادة منهم
من أوقات أخرى.
ولا شك أن من أهم الأمور التي قد تساعد في تخفيف شعور المتقاعدين بالوحدة هو
أن يقوم المجتمع بإجراء تغييرات في أسلوب حياة المجتمع، فتعطيه الفرصة لقضاء
أوقات فراغه بصورة مريحة، وممارسة أنشطة مختلفة، والتحدث إلى الناس
والاتصال بهم، وعدم الانعزال نهائياً، فلا يجد نفسه فجأة وخلال أيام قد أصبح
معزولاً؛ ويقل التواصل معه. فهذه الأمور بكل أسف لها انعكاسات على الصحة
الجسمية والنفسية للمتقاعد بصورة مباشرة.
وقد سرني طرح الدكتور الكثيري لموضوع الاستفادة من المتقاعدين ولو برواتب
عادية، كما توصلت العديد من الدراسات التي طبقت على المتقاعدين العائدين للعمل
بعد التقاعد إلى أن شغل وقت الفراغ والشعور بالأهمية يأتي كسبب رئيس لعودتهم
للعمل حتى لو كان بأجر أقل وساعات عمل أقل.
وقد توصل باحث عربي إلى أن الأغلبية من المتقاعدين يفضلون الاستمرار في
أعمالهم ولو بساعات عمل أقل وبأجر أقل على أن يتقاعدوا تماماً. كما توصل
شابيرو إلى أن دوافع شغل وقت الفراغ والشعور بتقدير الذات من أهم الدوافع
الاجتماعية للاستمرار في العمل بعد التقاعد (شابيرو، 1983م: 54)[¹]، وتوصل
باركر إلى أن الرغبة في تجنب الملل وشغل وقت الفراغ من أهم الأسباب التي تدعو
المتقاعدين للبحث عن عمل بعد التقاعد (باركر، 1982م: 129)[²].

ومن الدراسات التي طبقت في المجتمع السعودي دراسة (العبيدي) التي أكدت على
أن مشكلة الفراغ تأتي في المرتبة الثانية من بين دوافع العمل بعد التقاعد في
المجتمع السعودي (العبيدي، 1414هـ: 18)[³]، كما أكدت دراسة (الغريب) التي
طبقت على المتقاعدين في مدينة الرياض على أن المتقاعدين لديهم الرغبة في
ممارسة الأنشطة بعد التقاعد والاستمرارية في ممارسة أدوارهم السابقة للتقاعد
وإيجاد أدوار بديلة عوضاً عنها، وإن كانت تختلف نسبتها باختلاف خصائص
المتقاعدين (الغريب، 1416هـ: 314)[⁴].

وعادة ما تكون مرحلة التقاعد ذات تأثير سلبي على الفرد الذي كان يشغل وقته
بالعمل، ومن هنا فإن التقاعد يأتي مفاجئاً وسريعاً على حياة الفرد؛ إذ إنه بحلوله
تنقطع أنماط السلوك والعادات التي درج عليها عشرات السنين، فتكون الآثار السلبية
أشد مما نتصور سواء من النواحي الصحية والاجتماعية والنفسية. وقد تكون أيضاً
هذه المرحلة شديدة الإيلام للنفس، خاصة لشخص كانت حياته مليئة بالنشاط
والحيوية، حينما يجد الشخص نفسه يعيش في فراغ كبير. ويتساوى في ذلك
المتقاعدون الذين كانوا يشغلون وظائف إدارية عليا أو عادية، نتيجة لعدم القدرة
على استغلال خبراتهم في مجالات أخرى بعد التقاعد (السليمان، 1993م:
96)[⁵]. وللدلالة على تأثير وقت الفراغ على المتقاعدين، توصلت إحدى
الدراسات إلى أن هناك العديد من المشكلات النفسية التي يعاني منها المتقاعدون،
ومن أهمها الشعور باكتئاب الشيخوخة لشعورهم بالعزلة والخوف من المرض أو
الموت أو التعرض للفقر نتيجة وقت الفراغ الناجم عن التقاعد، مما قد يدفع
(البعض) للانتحار (محمود، 1993م: 114)[⁶].

لذلك فإن إدماج المتقاعدين في أنشطة المجتمع بدلاً من عزلهم، والعمل على إيجاد
أدوار بديلة عن تلك التي فقدت نتيجة للتقدم في العمر والتقاعد، يمكن أن يؤدي إلى
تدعيم بقية الخدمات، بحيث يؤثر ذلك، ويؤمن لهم الحياة ولو بنفس قدر المعاش.

المهم أن يشعر المتقاعد بحاجة المجتمع له، وبأن له وظيفة ينفع بها نفسه والمجتمع
(قناوي، 1987م: 156)[⁷].

ومن هنا ظهرت بعض الآراء في السنوات الأخيرة تنادي بضرورة اتخاذ
الإجراءات والتدابير اللازمة من أجل الاستخدام الأمثل لخبرة المتقاعدين، وضرورة
الاستفادة من أعدادهم المتزايدة في دعم برامج التنمية.

ولا شك أن أوقات الفراغ تزداد حدتها لدى المتقاعدين عند عدم توافر المؤسسات
الاجتماعية الخاصة بالمتقاعدين كغيرهم من فئات المجتمع. كما أن النظرة غير
الإيجابية نحو المتقاعدين من قبل فئات المجتمع الأخرى، واعتبارهم فئات غير
منتجة عفا عليها الزمن، تجعل المتقاعدين يتراجعون كثيراً عن ممارسة الأنشطة
التي يشغلون بها وقت فراغهم. لذلك فإن توافر مثل هذه المؤسسات وتقدير
المتقاعدين من قبل فئات المجتمع المختلفة قد يسهم في القضاء على مشكلة وقت
الفراغ لديهم، والعيش في هذه المرحلة بدون (أو ملل أو شقاء).

والحقيقة أن نظرة جديدة يجب أن تتم نحو التقاعد والمتقاعدين، ومن المقترحات التي
طرحت في هذا المجال:
إنشاء النوادي والجمعيات التي تتيح أن يرتادها ويقضي فيها أوقات الترفيه
والعلاقات الاجتماعية.
جعل المكتبات العامة في متناول هذه الفئة، وتوفير وصولهم إليها، والعمل على
الاستفادة من بعض هؤلاء المتقاعدين والذين أحيلوا في سن مبكرة ولديهم القدرة
على العطاء.
العناية بالناحية الإعلامية لهذه الفئة، وتعليمها كيف يمكن أن تستفيد من أوقات
فراغها، وأن بعضهم يخرج ويكون خروجه فجائياً كما ذكرنا دون تخطيط، ويحتاج
إلى من يعينه على استيعاب هذه الفترة.

لا بد أن نعلِّم المجتمع ولو بصورة متدرجة كيف يحترم هذه الفئة، وأن يعنى بها،
وأنه من الجفاء أن لا ندعوهم للمناسبات المختلفة، وأن نساعدهم على إنجاز
قضاياهم، وخاصة عندما يكونون خارج العمل ويجدوا مشاكل كبيرة، وفي بعض
الأحيان مشاكل روتينية ولا أحد يعينهم على تذليل هذه المشاكل. ولا شك أن من أهم
هذه الأمور التوسع في إنشاء مراكز وأندية للمتقاعدين.

ومما سرني من اقتراحات الدكتور عبد العزيز تركيزه على أن ندخل في مناهجنا
الدراسية في مراحل التعليم المختلفة شيئاً من أدبيات التقاعد كما سماها، والاهتمام
بالشيخوخة والإيجابيات والسلبيات، وهذه ناحية مهمة.

وختاماً، فأنا أعتقد أن مرحلة التقاعد وشؤون المتقاعدين وقضاياهم تحتاج إلى نظرة
جادة من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ورعاية هذه الفئة والعناية بها، ومن
الممكن مساهمة القطاع الخاص متى استوعب هذه العملية بصورة إيجابية.

الحواشي:

[¹] Shapiro, D. (1983). Work and Retirement . New York:
Academic Press. (صفحة 54 كمرجع افتراضي).
[²] Parker, S. (1982). Work and Retirement . London: George
Allen & Unwin. (صفحة 129 كمرجع افتراضي).
[³] العبيدي، أحمد. (1414هـ). دوافع العمل بعد التقاعد في المجتمع السعودي .
(صفحة 18 كمرجع افتراضي).

[⁴] الغريب، عبد العزيز بن علي. (1416هـ). رغبات المتقاعدين في ممارسة
الأنشطة بمدينة الرياض . (صفحة 314 كمرجع افتراضي).
[⁵] السليمان، محمد. (1993م). التأثيرات النفسية والاجتماعية للتقاعد . (صفحة
96 كمرجع افتراضي).
[⁶] محمود، علي. (1993م). المشكلات النفسية للمتقاعدين . (صفحة 114
كمرجع افتراضي).
[⁷] قناوي، حامد. (1987م). رعاية المسنين وإدماجهم في المجتمع . (صفحة
156 كمرجع افتراضي).