في رحيل الدكتور محمد عبده يماني
د. خليل الفزيع
الدكتور محمد عبده يماني.. اسم سيظل في ذاكرة الوطن راسخا في الجذور، شامخا في القلوب والعقول، متألقا في سجل التاريخ.. يضيء دياجير العتمة التي امتدت إلى من التزموا بالتزمت في تعاطيهم مع محبة الله جلت قدرته ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ولد ومات بجوار الحرم الشريف، وأمضى حياته راحلا في مسيرة العلم والعمل إلى أقصى البقاع وأعلى المناصب، قبل ان يستقر به المقام في مدينته الأولى مكة المكرمة، قريبا من الحرم الشريف، فعلى إيقاع مآذن البيت العتيق خطت خطواته الأولى نحو مناهل العلم العذبة بين أروقة الحرم، حتى استقامت في طريق المعرفة، لقد استقى بواكير فهمه للحياة وحبه للدين من علماء الحرم وحلقات التدريس في رحابه، حتى إذا اشتد عوده انتظم في المدارس النظامية، لينال أرقى مراتبها ويحصل على أعلى درجاتها، وينخرط بعدها في وظائف عليا أكاديمية ووزارية قادته إلى التأثير في مسارات التعليم والإعلام، رغم تخصصه في الجيولوجيا، وقد عشق الكتابة ليصبح من أبرز الدعاة المنافحين عن الإسلام ورجاله الذين نذروا أنفسهم لخدمته وإبراز جوانب الخير والمحبة في تعاليمه، كما اثرى المكتبة العربية بالعديد من الإصدارات العلمية القيمة، كذلك أسهمت برامجه في الإذاعة والتلفزيون في تعميق فهم الدين والحياة لدى مستمعيه ومشاهديه.
عرفته أكثر عندما كان وزيرا للإعلام، وكنت حينها أعمل رئيسا لتحرير جريدة اليوم، لكن بداية معرفتي به قد سبقت ذلك عندما كنت في قطر، والتقيت به في مناسبات رسمية كثيرة، وهو من الشخصيات الفريدة التي تشعر حيالها أنك تعرفه من زمن طويل، اتسم بلين الجانب وحب الخير للناس، يحمل بين جوانحه حبا كبيرا لكل ما هو جميل ورائع في هذه الحياة، وقد قدر له أن يزور قطر في مهمة رسمية كوزير للإعلام في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وكنت حينها أعمل في الدوحة حيث أسهمت في تأسيس مؤسسة العهد القطرية للصحافة في أوائل السبعينيات الميلادية، وكان من عادته أن يصحب معه في مثل هذه الزيارت بعضا من رؤساء تحرير الصحف المحلية، فأشار علي من أثق برأيه أن أعود لجريدة اليوم لأنها بحاجة إلى رئيس تحرير بعد عزم رئيس تحريرها وقتذاك عثمان العمير على الانتقال إلى لندن، وكنت قد تركت العمل فيها قبل ذك بحوالي سبع سنوات، ولما استشرته في الأمر، كان متحمسا لعودتي لليوم، وهكذا عدت للعمل في جريدة اليوم عام 1981م لأتولى مسؤولية تحريرها للمرة الثانية، فقد توليت هذه المهمة قبل سفري إلى قطر.
وفي كل مرة ألتقي به تزداد ثقتي بآرائه السديدة وأفكاره النيرة، الصادمة لبعض من لا يرى في الدين سوى شكله، دون التعمق في قدسيته السامية، ومعانيه النبيلة، وجلال قدر رجاله الذين نشروا الرحمة بين العباد، وأشاعوا المحبة بين الناس، وآمنوا بأن الدين أكبر وأعظم من أن تقيده آراء المتزمتين، ودعاة الإقصاء والغلو والتطرف، وقد وجد في التصوف ملاذه، وفي حب الله ورسوله راحة ضميره واطمئنان نفسه، فأصبح هدفا لمن لم يفتح الله قلوبهم، للحب الإلهي الكبير. ولم يقابل خصومه بنفس العنف الذي أبدوه حياله، بل قارعهم بالحجة، وجادلهم بالتي هي أحسن.