محمد حسن فقي .. رحيل الكبار

رحم الله أستاذنا الشاعر الكبير الفذ، والأديب الإنسان، محمد حسن فقي، هذا الرجل الذي عاش حياة حافلة بالخير والعطاء، وكان خلالها غزير الإنتاج الشعري، استطاع خلال مراحلها المختلفة إثراء المكتبة العربية بمجموعة كبيرة من الدواوين، وكان لأعماله الشعرية أثرها في الداخل والخارج؛ لتميزها بعمق الكلمة، ورهافة الحس، وتنوع الأغراض، حتى حظيت بتقدير كبار الأدباء.

لقد كانت لغة الفقي، رحمه الله، قريبة من النفس، ولها موسيقى تطرب الأذن التي تستعذب الشعر، وهو، رحمه الله، من رعيل الرواد، فقد ظل لأكثر من خمسة وسبعين عامًا يجوب آفاق الشعر مغردًا، وساهم في شتى المجالات الأدبية. ومن ينظر في مجموعته الشعرية الكاملة التي أتت في سبعة مجلدات، وديوان «قدر ورجل»، و«مجموعة الرباعيات»، و«نظرات وأفكار في المجتمع والحياة»، و«الفلك يدور»، و«مذكرات رمضانية»، و«فيلسوف»، يحس بهذا الجرس العجيب، وهذه اللغة الراقية، وذلك الاعتزاز بالكرامة، وتلك الشاعرية العذبة، وإن غلب عليها الألم والتشاؤم؛ ذلك لأنه أصيب بكوارث وملمات إنسانية، فقد خلالها العديد من أبنائه وبناته، أثرت قطعيًا عليه، وهو بالجملة شاعر يستحق التقدير والاحترام.

وكان هذا الشاعر الإنسان على مقربة من الناس، وكنت ممن يحبون مجلسه، ويرتاحون لسماع حديثه وشعره، وكان، رحمه الله، يعتز بنشأته في مكة المكرمة ودراسته بمدارس الفلاح، وقد عمل بعد التخرج مدرسًا للأدب العربي والجغرافيا، ثم تدرج في مناصب عديدة في الدولة، ووصل إلى أعلى المراتب فيها، وقد ألمَّ خلال مسيرته في الحياة بالكثير من مصادر المعرفة، فقرأ لطه حسين، والعقاد، والمازني، وأحمد أمين، والرافعي، وميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، والزهاوي، والرصافي، والجواهري، والأخطل الصغير، وأطلع على أمهات الكتب، وأخذ من كل جزء من الثقافة بنصيب، من القديم والحديث، وعاش حياة حافلة بالعطاء، ثم تربع على قمة المجد، فتأثر به الكثير من الشعراء، وصار مدرسة شعرية لكل من يريد أن يطور من أسلوبه الشعري، وقدم لنا وللأجيال وللمكتبة العربية أروع الشعر وأعذبه.

إن رحيل الفقيد العزيز خسارة كبيرة؛ فبفقدانه فقد الأدب هذا العملاق الشعري، عاشقًا من عشاق الكلمة الطيبة، ومبدعًا وشاعرًا أصيلًا، لهذا تنادى الأدباء ورجال الفكر في الداخل والخارج لرثائه وذكر محاسنه، خصوصًا أولئك الذين كانوا على مقربة منه، وكان، كما قال الإخوة الذين رثوه، يتميز فعلًا بأنه يحفظ نتاجه الشعري، وكانت مجالسه عامرة بالأدب وفنونه، وهو من الذين ربطونا بالتيارات الأدبية خارج المملكة، وكان من الوسائل المتميزة لإطلاع الأدباء ورجال الفكر في المشرق والمغرب على ألوان من فنون الأدب في بلادنا، وقد أحسن أخي معالي أستاذنا الشيخ أحمد زكي يماني عندما قامت مؤسسته الثقافية الخيرية بتأسيس جائزة باسم الأستاذ محمد حسن فقي في الشعر والدراسات الأدبية.

رحم الله الصديق الشاعر الإنسان، والفارس الذي ترجل، محمد حسن فقي، وتغمده بواسع مغفرته ورضوانه، وخلفه خيرًا في أهله وولده.