لماذا الإعلام بالشعر؟

هناك سؤال مهم يردده البعض، وهو: لماذا أذن النبي ﷺ لحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهما أن ينشدا الشعر في حضرة النبي ﷺ، ولماذا كان النبي ﷺ يشجع شعراء الإسلام على الدفاع عن دينهم والرد على المشركين؟ بل كان ينصب لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد النبوي يقوم عليه مدافعًا عن رسول الله ﷺ.[1]

إن من ينظر بعمق في هذه المسألة يجد أن الشعر كان هو السلاح الإعلامي في ذلك الوقت، وقد كانت العرب تعتز بشعرائها، وكأنهم قوة إعلامية، لاسيما وأنهم أحبوا الشعر حبًا جمًّا لما له من الأثر العميق في نفس الإنسان، وقد أودع الله عز وجل موهبة الشعر لأناس من الناس ليترجموا إحساس الإنسان بما بث الله في الكون من جمال، وليصوغ كل شاعر أحاسيسه بطريقته التي يراها وفق تجربته ورؤيته الشعرية المؤثرة المثيرة للعواطف.

وقد كان النبي ﷺ يسمع الشعر، وكان يعرف تأثير الشعر والشعراء في النفس الإنسانية، فلما قام يدعو الناس إلى عبادة الله وترك عبادة الأصنام والأوثان وكل الآلهة الأخرى التي كانت تعبد من دون الله، تصدى له شعراء المشركين، فهجوه ﷺ وهجوا دعوته ودينه، وعندما أرادوا أن يصرفوا الناس عنه اتهموه بأنه شاعر، وقد نفى القرآن الكريم عنه ذلك، فقال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}.[2]

وكان في الصحابة شعراء عرفوا الحق الذي جاء به النبي ﷺ، وآمنوا بدينه، وقد رد هؤلاء الشعراء على شعراء قريش، ودافعوا عن دينهم، وأظهروا صدق الرسول ﷺ وصدق دينه، ومن هؤلاء سيدنا حسان بن ثابت الأنصاري، وسيدنا عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك رضي الله عنهم.[3]

وقد عرف النبي ﷺ تأثير الشعر وأهميته في الدفاع عن الإسلام والرد على الشعراء الذين هجوا رسول الله ﷺ، ولذلك شجع حسان بن ثابت على الرد على شعراء قريش الذين هجوا الإسلام وآذوا النبي ﷺ بأشعارهم.

ولما استأذن حسان النبي ﷺ في هجاء قريش، قال النبي ﷺ له: “لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا حتى يلخص لك نسبي”، فلما رجع حسان قال: والذي بعثك بالحق، لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.[4]

وكان النبي ﷺ ينصب لحسان منبرًا في المسجد، يقوم عليه قائمًا ينافح عن رسول الله ﷺ، ويقول: “إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ”.[5]

وقد أجاد حسان في الرد على شعرائهم، وجاء القرآن الكريم ببيان حال الشعراء، ثم استثنى من آمن وعمل صالحًا وذكر الله وانتصر بعد ظلمه، فقال تعالى:

{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.[6]

فكان شعر حسان وشعراء الإسلام دفاعًا عن دين الله، وردًّا على عدوان المشركين وأشعارهم، وقد ورد في بعض الآثار أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه تأثر عند نزول صدر هذه الآيات، ثم جاء الاستثناء للمؤمنين العاملين الصالحات.[7]

ولا شك أن الرسول ﷺ قد كرم شعراء الإسلام وشجعهم، وكان يقول لحسان: “اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك”، وفي رواية: “اهج المشركين، فإن جبريل معك”.[8]

ومما قاله حسان بن ثابت رضي الله عنه في الرد على أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، حين كان يهجو رسول الله ﷺ قبل أن يسلم:

ألا أبلغ أبا سفيان عني
مغلغلةً فقد برح الخفاءُ

هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه
وعند الله في ذاك الجزاءُ

أتهجوه ولستَ له بكفءٍ
فشركما لخيركما الفداءُ [9]

وقال حسان رضي الله عنه كثيرًا من الشعر في الدفاع عن النبي ﷺ ومدحه. ومن الأبيات المشهورة المنسوبة إليه:

وأحسن منك لم تر قط عيني
وأجمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرأً من كل عيب
كأنك قد خلقت كما تشاء [10]

كما تنسب إليه أبيات أخرى في مدح النبي ﷺ، منها:

يا ركن معتمد وعصمة لائذ
وملاذ منتجع وجار مجاور

يا من تخيره الإله لخلقه
فحباه بالخلق الزكي الطاهر

أنت النبي وخير عصبة آدم
يا من يجود كفيض بحر زاخر [11]

ومما قاله عبد الله بن رواحة رضي الله عنه عندما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء، وكان يمشي بين يديه:

خلوا بني الكفار عن سبيله
اليوم نضربكم على تأويله

ضربًا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله [12]

فقال عمر: يا ابن رواحة، أفي حرم الله وبين يدي رسول الله ﷺ تقول هذا الشعر؟ فقال النبي ﷺ: “خل عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده، لكلامه أشد عليهم من وقع النبل”.[13]

وقد وردت هذه الأبيات بألفاظ أخرى في بعض الروايات، منها: “اليوم نضربكم على تنزيله”، ومنها أبيات أخرى في السياق نفسه، مما يدل على تعدد الروايات في نقل هذا الرجز.[14]

وهكذا رأينا أن هجاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وشعراء الإسلام رضي الله عنهم كان دفاعًا عن دين الله، وإعلاءً لكلمته عز وجل، وانتصارًا للحق، ودفاعًا عن رسول الله ﷺ، وردًّا للعدوان، في إطار ما أذن الله به من مقابلة المعتدي بمثل اعتدائه، قال تعالى:

{فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.[15]

فكان هذا الإذن برد العدوان، وهو ما فعله شعراء الإسلام وهم يدافعون عن كلمة الحق.

والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الهوامش :

1. أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر، حديث رقم (5015)، والترمذي في سننه، كتاب الأدب، حديث رقم (2846)، عن عائشة رضي الله عنها: “كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرًا في المسجد…”؛ وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

2. القرآن الكريم، سورة يس، الآية: 69.

3. مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، حديث رقم (2490)، وفيه إرسال النبي ﷺ إلى ابن رواحة وكعب بن مالك ثم حسان بن ثابت لهجاء قريش.

4. مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، حديث رقم (2490). (.

5. أبو داود، السنن، حديث رقم (5015)؛ والترمذي، السنن، حديث رقم (2846)؛ وأحمد بن حنبل، المسند، حديث رقم (24437). .

6. القرآن الكريم، سورة الشعراء، الآيات: 224-227.

7. ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ترجمة عبد الله بن رواحة، وفيه أثر نزول قوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون} وتأثر عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، ثم ذكر الاستثناء في الآية.

8. البخاري، صحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث رقم (4123)، ومسلم، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (2486). .

9. مسلم، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، حديث رقم (2490)، وفيه صدر قصيدة حسان في هجاء المشركين والرد عليهم، وترد الأبيات في الروايات الأدبية مع اختلاف يسير في الضبط وبعض الألفاظ.

10. هذه الأبيات مشهورة ومنسوبة إلى حسان بن ثابت في عدد من كتب الأدب وديوان حسان.

11. الأبيات من الشعر المتداول في مدح النبي ﷺ والمنسوب إلى حسان بن ثابت .

12. الترمذي، السنن، حديث رقم (2847)، والنسائي، السنن الكبرى أو السنن الصغرى بحسب ترتيب الطبعات، حديث رقم (2873)، وأبو يعلى، المسند، حديث رقم (3440).

13. أبو يعلى الموصلي، المسند، حديث رقم (3440)، واللفظ قريب منه في روايات الترمذي والنسائي. وقد حسنه أو صححه عدد من أهل العلم.

14. ينظر: الترمذي، السنن، حديث رقم (2847)، وما أورده ابن كثير في البداية والنهاية في خبر عمرة القضاء من اختلاف الروايات في ألفاظ رجز عبد الله بن رواحة.

15. القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية: 194.