الشيخ الشعراوي والقضاء والقدر

كان الشيخ الشعراوي يؤكد في كل حواراته أن المعرفة ليست بالقراءة والكتابة فقط، ولكن بالفهم العقلي والاستيعاب القلبي، ومما عرفته عن هذا الرجل تلك الجوانب الفقهية التي لم يعرفها كثير من الناس، فإنه عندما تُعرض عليه مسألة لا يتسرع بالفتوى فيها، وإنما يتعمق ويتدبر، ثم يفتي بما يوفقه الله إليه، ولعل أكثر ما سرني في فتاوى الشيخ الشعراوي.. أسلوبه المبسط، ونظرته إلى السائل، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، والحرص على إيصال الفتوى إلى السائل بصورة تتحقق معها الفائدة المرجوة. كما أن قدرته على التحليل الدقيق لكل مشكلة تعتبر مما يميز منهج الشيخ الشعراوي في الإفتاء، وكذلك التصور الواعي لكل قضية، وهذا المنهج في الفتوى أوصل الشعراوي وساعده على استنباط الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة، وإقامة البرهان والحجة على كل رأي يبديه أو فتوى يعطيها، فالرجل إنما يقرأ ويكتب ويفتي بنور من نور الله عز وجل، الذي نور قلبه وشرح صدره ومنحه هذه القدرة.

ومن الأمور – مثلاً – التي رأيناه يتعمق فيها بوضوح.. قضية القضاء والقدر “السؤال الأزلي: هل الإنسان مسير أم مخير؟”.. والمجادلات التي أثارها ويثيرها الكثيرون حول هذا السؤال بعلم أو بغير علم.. والجدل الذي يدور حول ما يقال: إن الله خلقنا، وخلق أفعالنا، فلماذا يحاسبنا على أعمالنا الشريرة؟ ومادام كل شيء مكتوب ومقدر، فلماذا الحساب؟! وهل يستطيع أن يصنع ويفعل شيئًا إلا بما شاء الله..

يقول الشيخ الشعراوي.. إن هذا السؤال الأزلي لا تجده إلا على ألسنة الذين أسرفوا على أنفسهم وعصوا الله. ولا تجد أحدًا يقول بالمقابل: إذا كان كل شيء مكتوب.. فلماذا يدخلني الله الجنة وينعمني فيها؟! ذلك سؤال لا تسمعه أبدًا..

ويقول.. ظن بعض الناس أن الحرية الممنوحة للإنسان تتصادم مع مشيئة الله في الكون.. ويستشهدون بالآية الكريمة: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا}[1]، وبالآية: {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء}[2]، ويقولون: إذا كانت هذه هي الآيات.. وهذه هي مشيئة الله.. فكيف نحاسب يوم القيامة؟.

ويقول الشعراوي.. لا يوجد في كون الله من يستطيع أن يخرج عن مشيئة الله.. هذه حقيقة.. ومع هذه الحقيقة فإن الناس هم الذين يلقون بأنفسهم إلى التهلكة، وهم الذين يفعلون ما يجعلهم يستحقون عذاب الله.. أو يستحقون رحمته، كما يقول الله جل جلاله: {إن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون}[3]. فالإنسان حين اختار حمل الأمانة بعد أن أبت السموات والأرض والجبال حملها.. صور له عقله أنه قادر على أن يؤديها، وأن يتبع منهج الله.. في الصلاة والشكر والعبادة وما كلفه الله به.. ولكنه عندما بدأ حمل الأمانة وهي الدنيا.. أغراه الشيطان فانطلق في المعصية وأشرك بالله وعبد الأحجار والشمس والقمر والنجوم والحيوان وغير ذلك، فأضاع الأمانة.. وعندما جاء الموت وهو وقت أداء الأمانة.. فإنه قابل الله ولم يستطع أن يؤديها.. وقد حملها باختياره.. وشاءت قدرة الله أن يعطي الإنسان الاختيار فخلقه مختارًا.. كما أراد الله أن يجعل هذا الإنسان سيدًا لهذا الكون، وأعطاه كونًا يخدمه وفيه كل ما يحافظ على حياته واستمرار هذه الحياة، وهي مستمرة لخدمته، كالشمس والريح والقمر، والأرض، وكل شيء يخدم الإنسان في هذا الكون المقهور، ويؤدي مهمته على أكمل وجه، فقوانينه محكمة ومستمرة ومنفذة بأمر الله. وذلك حتى يطمئن الإنسان على وجوده وبقائه.. فلا هو مشغول بشروق الشمس في موعدها، ولا بنزول المطر من السماء، ولا تعاقب الليل والنهار، وغير ذلك من تصرفات الطبيعة.. فقد أعفاه الله من كل هذا حتى لا يشغل نفسه بالكون عن خالق الكون.

وليس الإنسان هو الجنس الوحيد فيها، بل فيها أجناس أخرى.. ولكنه هو أرقى هذه الأجناس، وكلها في خدمته.. ولكنه امتاز عنها بالفكر.. والفكر معناه المقياس الذي بين البديلات، والأمر الذي لا بديل فيه، لا عمل للعقل فيه.. وهنا نتعرض لقضية “البديل” أي تفعل أو لا تفعل، ومادام هناك بديل، فالعقل يرجح ويختار.. فالأمور التي لا بديل لها.. لا عمل للعقل فيها، ورغم كون الإنسان أعلى الأجناس.. إلا أنه فيه حيوانية، وفيه نباتية، وفيه جمادية.. وبكل ما فيه من تلك الحيوانية والنباتية والجمادية فهو مسير كالجماد والنبات والحيوان، فهو كالجماد تتحكم فيه قوانين الجاذبية، وهو ينمو كالنبات وليس له عمل فيه، ويحس ويتحرك كالحيوان، وليس له عمل في الإحساس ولا في الحركة وإدارة دواليب جسده وأجهزته كدورة الدم وعمل الرئة، ولا دخل له فيها، وكذلك باقي أجهزة الجسد، فلا إرادة له فيها ولا يصنعها.. إذن فهو مسخر فيها، ولا اختيار له في شيء.

وبكل الإيمان والوضوح يحمد الشيخ الشعراوي ربه سبحانه وتعالى الذي جعله مسيرًا ولا عمل له في هذه المسائل؛ لأنها تؤدي مهمته وهو نائم، فلو كان له اختيار فمن يدبرها له وهو نائم؟

وهنا يأتي التساؤل.. متى تنفصل فيه خاصة الإنسان عن باقي الأجناس.. والجواب يكمن في الخاصة التي تجعله إنسانًا، وهي العقل والفكر. إذن فهي المنطقة التي يعرض فيها الفعل على العقل: يفعل أو لا يفعل.. فتلك هي المنطقة التي يوجد فيها الاختيار، وهي منطقة التكليف من الله، وذلك فإن فاقد هذه لا يكلف من الله.. أي لا يكلف المجنون.. لأنه فقد أداة الاختيار بين البديلات. وكذلك الذي لم ينضج عقله بعد.. لم يكلف أيضًا؛ لأنه لا يصبح أهلاً للحكم على الأشياء.

والخلاصة أن ربط التكليف بالعقل وجودًا ونضوجًا، يدل على أن مهمة التكليف هي في الأمر الاختياري الذي يجد فيه الإنسان بديلاً: يفعل أو لا يفعل.. ولو أن الإنسان لم يكن مخيرًا لاستوى أن يكلف المجنون وغير ناضج العقل معه. إذًا مادام قصر التكليف على العاقل.. والعاقل الذي نضج عقله.. أي الذي بلغ سن الرشد.. فيكون التكليف هو في منطقة الاختيار، ومنطقة الاختيار هذه هي التميز.

إذًا فالذي يقول إن الإنسان على إطلاقه مسير، يكون مخطئًا، والذي يقول إن الإنسان على إطلاقه مخير فهو مخطئ أيضًا.. إننا إذا حللنا الإنسان إلى عناصره، فسنجد فيه جمادية وفيه نباتية وفيه حيوانية، فما فيه من هذه الأشياء فهو مسير فيها، ولا اختيار له فيها، وما فيه من منطقة الاختيار بين البديلات بواسطة العقل، ففيها تكون منطقة الاختيار: تفعل هذا.. ولا تفعل هذا..

هذا هو معنى الاختيار في الكون.. فالله سبحانه وتعالى لا يريد قوالب تخضع، ولكنه يريد قلوبًا تخشع، ولذلك فهو سبحانه وتعالى يريد أن يأتيه الإنسان بقلب محب عاشق، والإيمان هو اختيار لحب الله في القلب.. فإذا كان حب الله في القلب عظيمًا.. كان الإيمان بمنهجه أعظم.

**الهوامش**

[1] سورة الإنسان، الآية: 30.

[2] سورة فاطر، الآية: 8.

[3] سورة يونس، الآية: 44.